Posts

مؤتمر ميونخ الأمني من أين إلى أين؟

مؤتمر ميونخ الأمني: هل تحولت "دبلوماسية الغرف المغلقة" إلى منصة للاستعراض الجيوسياسي؟ في كل عام مع منتصف فبراير/شباط، تتجه أنظار صانعي القرار والاستراتيجيين في العواصم الغربية إلى فندق "بايرشير هوف" العريق في مدينة ميونخ البافارية. يُطرح هذا التجمع الدولي العريض تحت عنوان "دبلوماسية الحوار غير الرسمي"، لكن القراءة المتأنية في بنيته التاريخية والجيوسياسية تحيلنا إلى تساؤل بنيوي مغاير: هل لا يزال مؤتمر ميونخ للأمن يؤدي وظيفته الأصلية كمختبر لرسم الحلول الأمنيّة المستدامة، أم أنه استحال مجرد "مسرح سياسي" لتأكيد الانقسامات وإلقاء الخطابات الاستعراضية؟ البنية التأسيسية: من العقلية الأطلسية الصلبة إلى التفكك الدبلوماسي حين أسس الناشر الألماني إفالد فون كلايست - أحد رجال المقاومة الألمانية السابقة ضد النظام النازي - هذا المحفل عام 1963 تحت اسم "اللقاء الدولي لعلوم الدفاع" (Internationale Wehrkunde-Begegnung)، لم يكن الهدف إنشاء منصة خطابية برعامة إعلامية. بل كان المحرك عقلانية ألمانية برجماتية نابعة من تركة الحرب العالمية الثانية: بناء مساحة م...

رأسمالية الأزمات: هندسة الصدمة وتوازنات القوة العالمية

تشكل الأزمات الدولية المفاصل الأكثر خطورة ووضوحاً في إعادة تشكيل خرائط النفوذ وتوزيع الثروات. ما أطلقت عليه الباحثة الكندية نايومي كلاين مصطلح «رأسمالية الصدمة» أو «رأسمالية الأزمات» يمثل إطاراً تحليلياً لاستغلال الاضطرابات الجسيمة—سواء كانت سياسية، اقتصادية، أو كوارث طبيعية—لفرض تحولات بنيوية وتمرير أجندات قد يكون من الصعب إقراره في الظروف الاعتيادية. لكنّ الفهم الدقيق لهذا المفهوم يتطلب تفكيكاً بنيوياً وتجريداً من العاطفة الأيديولوجية؛ فالرأسمالية المشار إليها في هذا السياق لا تعبر حصراً عن النظام الاقتصادي الحر بآلياته السوقية التقليدية، بل تتشابك تقاطعياً مع أنظمة سياسية واقتصادية متعدّدة، بما فيها الاشتراكات الحكومية والديمقراطيات الاجتماعية، حين تقتضي المصالح الاستراتيجية ذلك. أولاً: ديناميكية الأزمات بين "المصنَّع" و"الطارئ" يمكن تصنيف الأزمات محركاً للتحول البنيوي ضمن فئتين رئيسيتين:  * الأزمات البنيوية (المصطنعة أو الموجهة):    تنشأ هذه الأزمات نتيجة تفاعلات داخلية معقدة وتشبع في تناقضات العقد الاجتماعي المحلي. لا يمكن للاعتداء أو التدخل الخارجي خلق أزمة من...

العلاقات التركية–الإيرانية في إفريقيا: ديناميات التقارب المصلحي وإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي

تمهيد: تحول الفاعلين وتفكيك جيوسياسية النفوذ تعتمد العلاقات الدولية المعاصرة على مصفوفة معقدة من المصالح التي تتداخل فيها الحسابات البراغماتية للنظم السياسية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للشرائح الحاكمة. وفي هذا السياق، لا يمكن تقييم العلاقات التركية–الإيرانية وفق النموذج المفهومي التقليدي للخصومة التاريخية أو التحالف الأيديولوجي الثابت؛ بل هي حالة متقدمة من "المنافسة التعاونية" (Cooperative Competition) التي تتأرجح بين التكتيك المرحلي والتنسيق الاستراتيجي. يرتبط هذا التداخل بالامتداد الجغرافي والاجتماعي المباشر، وببنية أنظمة الحكم في أنقرة وتهران. وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، يبدو أن القارة الإفريقية باتت تُشكل الساحة الأبرز لتلاقي هذه المصالح، خصوصاً مع تراجع النفوذ القاري التقليدي لبعض القوى الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، مقابل صعود أدوار قوى دولية كبرى كشاركتين آنيتين لأنقرة وتهران (روسيا والصين)، مما يتيح لكلا البلدين إعادة تعريف موقعهما في النظام الإقليمي والدولي. أولاً: الدوافع الاستراتيجية والنفوذ المتقاطع في القارة السمراء يمتد التواجد الإيراني والتر...

كش ملك ...

إعادة رسم الخريطة السياسية البريطانية: تفكيك العجز الأيديولوجي ولعبة التوازن الإستراتيجي تشكل نتائج الانتخابات العامة البريطانية تحولاً نفعياً حاسماً في بيئة الحكم والسياسة. لم تكن هذه الجولة الانتخابية مجرد اقتراع عابر لحسم أزمة الاستعصاء البرلماني حول ملف "البريكست"، بل كانت استفتاءً عميقاً على طبيعة الهوية السياسية للمملكة المتحدة، وتفكيكاً هيكلياً للاستقطابات التي سادت خلال السنوات الأخيرة. العجز الأيديولوجي وانكشاف "وهم المعرفة" لدى اليسار شهدت المنظومة الحزبية انكساراً واضحاً للنموذج الذي قدمه حزب العمال تحت قيادة جيرمي كوربن. تتجلى المعضلة التحليلية لهذا التيار في عجزه عن تقديم قراءة واقعية للتحولات البنيوية في الخطاب العام. فعند التعاطي مع الأزمات الأمنية والمجتمعية الحادة، بما فيها حوادث الطعن التي شهدتها بريطانيا، ظهر الخطاب القيادي متنزعاً من السياق المؤسسي والدولاتي. وبدلاً من تقديم إدانة حازمة وحلول إجرائية تدعم سيادة القانون، انزوى الخطاب إلى العزف على أوتار أيديولوجية راديكالية تُرجع كل الاختلالات الهيكلية إلى "عثرات الرأسمالية" بشكل مبسط، م...

الصفعة التي لا نتعلم منها نستحقها مجدداً في فلك الممنوع ... عفوا في فلك الغاز

موازين الغاز وضغوط السيادة: قراءة نقدية في اندفاعة أنقرة بشرق المتوسط تطرح التطورات الجارية في حوض شرق المتوسط تساؤلاً هيكلياً حول قدرة الفاعلين الإقليميين على فرض الأمر الواقع في منطقة تتداخل فيها الجيوسياسات النظرية مع المكتسبات الاقتصادية الصلبة. وفي هذا السياق، يستدعي المشهد الممتد بين أنقرة والقاهرة وطرابلس مقولة المفكر أدونيس حول خطورة امتلاك "الحقيقة المطلقة" بوصفها مصدراً للقمع والافتراس السياسي؛ حيث يتحول الاعتقاد بالجزمية إلى أداة لفرض النفوذ بالقوة، وهو ما يتجلى في محاولات إعادة رسم الخرائط البحرية عبر اتفاقيات تتجاوز الأطر الإقليمية القائمة. إن مذكرتي التفاهم الموقعتين بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس بشأن التنسيق الأمني وترسيم الحدود البحرية لا يمكن فصلهما عن سعي تركيا لكسر حالة العزلة البحرية التي فرضها تشكيل "منتدى غاز شرق المتوسط". ومما يجدر تصحيحه مفاهيمياً وعلمياً، فإن التقديرات المعتمدة عالمياً — وفق الهيئة الأمريكية للماسيح الجيولوجية (USGS) — تشير إلى احتواء حوض شرق المتوسط على نحو 122 تريليون قدم مكعب (أي ما يعادل نحو 3.45 تريليون متر م...

الاسلاموفوبيا وكذبة شموليتها ...

شماعة "الإسلاموفوبيا" وتناقضات خطابات الشرعية: تفكيك تحليلي لقمة كوالالمبور تُقدّم القراءة السوسيولوجية للمفكر العراقي علي الوردي مدخلاً بنيوياً لفهم السلوك الجمعي والخطاب السياسي؛ إذ يرى أن "الإنسان يبحث عن تقدير المجتمع، فإن كان المجتمع يقدّر رجال الدين كثُر المتدينون، وإن كان يقدّر اللص كثُر اللصوص". هذا الطرح يناقض التفسيرات الإعظاظية التبسيطية للنزاعات، مؤكداً أن الصراع الإنساني ليس مواجهة بين "الخير والشر" بقدر ما هو صدام بين اعتبارين مختلفين للخير، حيث يُسقط كل طرف تصوره الخاص للأخلاقية ويطالب بالقداسة لشعاراته. يبدو هذا التأطير مناسباً لتفكيك المبادرة الإعلامية التي انبثقت عن الحراك السياسي المقترن بـ "قمة كوالالمبور" (ديسمبر 2019)، والتي جمعت قيادات من تركيا، وماليزيا، وقطر، وإيران، إلى جانب طرح باكستاني سابق لتأسيس منصة إعلامية ناطقة بالإنجليزية لمواجهة ما يُعرف بـ "الإسلاموفوبيا". ورغم الترويج للمبادرة كخطوة لتصحيح الصورة الذهنية عن الإسلام في الغرب، فإن التدقيق التحليلي ينطوي على تناقض مفاهيمي وسياسي: كيف يمكن لأطراف تُعاني ...

لنجعل العالم يرتدي اللون البرتقالي ...

تفكيك البنية المؤسسية للعنف وضبط الفجوة السياساتية بين ضفتي المتوسط يُمثّل الحملة العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة محطة سنوية مكررة لتقييم كفاءة النظم القانونية والمؤسسية ومدى قدرتها على استيعاب الحقوق الأساسية للفرد وحمايتها. وفي حين تشهد العواصم الأوروبية مثل بروكسل وباريس حراكاً جماهيرياً متزايداً يطالب بتشديد العقوبات وتوسيع أطر الحماية الجنائية والإدارية، تكشف هذه الحراكات عن فارق جوهري في طبيعة الاستجابة الرسمية بين النموذج الغربي والأنظمة القائمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أولاً: واقع الاستجابة المؤسسية: تجربة السياسات العامة في فرنسا في الوقت الذي تخرج فيه التظاهرات في فرنسا مطالبة بالحد من ظاهرة العنف ضد النساء، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب (Édouard Philippe) عن حزمة من الإجراءات التنفيذية والتشريعية المتكاملة. تضمنت هذه القرارات خططاً سريعة لمعالجة العنف الأسري والمجتمعي، تمثلت في:  * سحب الحضانة وتجريد الحقوق الأبوية: تعليق أو إسقاط الحضانة الآلية عن الأب بمجرد وجود ادعاءات مؤكدة أو إجراءات قضائية مرتبطة بالاعتداءات الجسيمة داخل ال...