بين الفدرالية و الكونفدرالية حيدت القضية الفلسطينية منذ بدايتها آه لك و إليك يا أرض كنعان
في ظل الانسداد السياسي والتاريخي الذي يعصف بقضية أرض كنعان - فلسطين التاريخية - يتجلى النزاع الإسرائيلي العربي كأحد أكثر الصراعات تعقيداً وتشابكاً في التاريخ الحديث؛ صراعٌ تتداخل فيه الأبعاد الجيو-سياسية مع الأساطير الدينية والقومية، مما يجعل قراءته بعين علمية وموضوعية محايدة أمراً بالغ الصعوبة، ولكنه ضرورة قصوى لفهم واقع الحال واستشراف المستقبل.
المفاهيم المجتمعية بين الركائز التقليدية والحداثة القانونية
تستدعي المشهدية الراهنة قراءة نقضية لطبيعة التكتلات البشرية؛ فالمفهوم الكلاسيكي للمجتمع، الذي ظل محصوراً لفترات طويلة في ثنائية "العرق واللغة والدين"، يتهاوى أمام الحقائق التاريخية والجينية. إذ تشير الدراسات الجينية والأنثروبولوجية الحديثة إلى أن الاختلاط البشري والأنساب المتداخلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمتد لأكثر من أربعة آلاف عام نتيجة الهجرات والحروب والتجارة.
وعليه، فإن المفهوم الحديث للمجتمع والمدنية لا يبنى على النقاء العرقي أو المظلة الدينية، بل يستند إلى العقد الاجتماعي والدولة الوطنية القانونية التي تُنظّم حقوق الأفراد وتضمن هوياتهم المتعددة في إطار مواطنة جامعة. إن التعصب العرقي أو الديني ليس سوى غطاء تُدار تحته المصالح البراغماتية والنفوذ السياسي.
البذور التاريخية للصراع: من أفول العثمانيين إلى الانتداب
مع تراجع وتفكك الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، واجهت المنطقة التحول القومي الكبير. لم تكن الإدارة العثمانية المتردية توفر تمثيلاً شاملاً لمختلف المكونات القومية والإثنية تحت مظلتها، مما خلق فراغاً سياسياً واجتماعياً.
في هذه الأثناء، نشأت الحركة الصهيونية كحركة قومية سياسية في أوروبا، واستغلت الضعف الهيكلي والفقر المحيط بالفلاحين والقبائل في فلسطين، إلى جانب التحالفات البراغماتية مع القوى الإمبريالية (وعلى رأسها بريطانيا). وتُظهر القراءة التاريخية المحايدة لسجلات الأراضي إبان فترة الانتداب البريطاني معطيات مركبة؛ حيث أدت سياسات الاستملاك، والتسهيلات البريطانية، وبعض عمليات البيع التي جرت نتيجة ضغوط الاقتصادي المعيشي أو السمسرة البراغماتية، إلى تمكين القوى الصهيونية من وضع يدها على مساحات استراتيجية، تُوجت لاحقاً بتهجير قسري واسع وقيام دولة إسرائيل عام 1948، وتكريس قانون "أملاك الغائبين".
المسار الأردني-الفلسطيني: بين خيارات الفدرالية وتحديات الواقع
عقب حرب عام 1948، دخلت الضفة الغربية في وحدة إدارية وسياسية مع المملكة الأردنية الهاشمية (1950)، وهو ما أطّرر لعلاقة فدرالية واقعية بين الضفتين. غير أن التنازعات الأيديولوجية والسياسية، وتبني خيار "الثورة المسلحة المنفردة" من قبل الفصائل التي شكلت منظمة التحرير الفلسطينية، أدا إلى تصادم الرؤى حول إدارة الصراع.
كانت الرؤية الدبلوماسية الأردنية في عهد الملك حسين تُميّز بين الواقعية السياسية واستثمار أدوات الشرعية الدولية والدولية القائمة، وبين الخطابات العاطفية التي لا تستند إلى موازين قوى الحقيقية. ومع تعقد المشهد الإقليمي وأحداث السبعينيات، وصولاً إلى قرار "فك الإرتباط الإداري والقانوني" عام 1988 بطلب وإجماع عربي وفلسطيني، وُجدت القيادة الفلسطينية أمام مواجهة مباشرة مع متطلبات إدارة الصراع.
أوسلو والانسداد الهيكلي: قراءة نقدية
شكلت محطة مؤتمر مدريد (1991) واتفاقية أوسلو (1993) تحولاً جذرياً؛ حيث انتقلت منظمة التحرير من خيار المقاومة إلى خيار سلطة الحكم الذاتي. إلا أن القراءة المجردة لأوسلو تكشف عن ثغرات هيكلية عميقة:
* الإيجابيات: ثبّتت الاتفاقية الهوية الوطنية الفلسطينية على الأرض، وأوجدت كياناً إدارياً معترفاً به دولياً، وأعادت القيادة من الشتات إلى الداخل.
* السلبيات: تركت الاتفاقية القضايا الجوهرية (القدس، الحدود، اللاجئين، المياه) لمفاوضات الحل النهائي دون سقف زمني محدد أو ضمانات لوقف الاستيطان، مما سمح بتغيير المعالم الديموغرافية والجغرافية على الأرض، وخلق بيئة استثمارية لمصالح ضيقة على حساب المشروع الوطني الشامل.
وقد دفع هذا الواقع، إلى جانب ضعف كفاءة مؤسسات السلطة وتفشي الممارسات البيروقراطية، بدوائر واسعة من السكان – لا سيما في القدس الشرقية – إلى إعادة التفكير في أدوات المقارعة السياسية. إن الدعوات الميدانية للحصول على الحقوق المدنية والمشاركة في الشؤون البلدية والمؤسسية لا تعني التنازل عن الهوية، بل تمثل انتقالة من الشعارات المثالية الخالية من الأثر إلى "فن الممكن" والعمل القانوني والمؤسسي المباشر لحماية الوجود.
"الكونفدرالية" و"الفدرالية": بين التنظير الشكلي والاشتراطات القانونية
يكثر في الأدبيات السياسية طرح خيار "الكونفدرالية" كحل مستقبلي للعلاقة بين الأردن وفلسطين، أو حتى ضمن نطاق فلسطين التاريخية. إلا أن التحليل القانوني والسياسي المجرد يوضح ما يلي:
* الاشتراط القانوني للكونفدرالية: تقتضي الكونفدرالية وجود دولتين مستقلتين ذاتي سيادة كاملة ومعترف بهما دولياً تتفقان عبر معاهدة دولية على إنشاء هيئات مشتركة لإدارة ملفات محددة (كالاقصاد أو الدفاع). وفي ظل غياب دولة فلسطينية ذات سيادة جغرافية وعسكرية ناجزة، يُصبح الطرح الكونفدرالي سابقاً لأوانه ومجرداً من مقوماته القانونية.
* الفدرالية: تتطلب اندماجاً في دولة واحدة ذات حكومة مركزية ولائحة حقوق دستورية موحدة، وهو ما يصطدم بالواقع الديموغرافي والسياسي الراهن ورفض القوى المتسلطة لإعادة توزيع السلطة والسيادة.
ختاما
إن تجاوز حالة الانسداد الراهنة في أرض كنعان لا يمكن أن يتحقق عبر استعادة الشعارات الشعبوية أو التعصب القومي والديني، بل عبر تبني رؤية واقعية، عقلانية، وعلمية. رؤية ترتكز على حكم القانون، والمواطنة الحقوقية، وفصل المؤسسات المدنية عن الأيديولوجيات المغلقة، والانتقال من منطق الصراع الصفري إلى بناء أدوات عمل سياسي وقانوني قادرة على تحصيل الحقوق المدنية والإنسانية والمحافظة على الوجود البشري والتنموي على الأرض.
Comments
Post a Comment