Posts

Showing posts with the label North Africa

هندسة الاستقرار التونسي: بين القوانين الهيكلية وواقعية الدولة

تشهد تونس لحظة فارقة في مسار انتقالها السياسي. تُمثّل المناظرات التلفزيونية الراهنة بين مرشحي الرئاسة الـ26 تحولاً نوعياً في المنطقة العربية؛ حيث يتبلور نظام تداول السلطة ليس كحدث طارئ، بل كمحصلة لمسار تراكمي تاريخي تشكّل عبر محطات مؤسسية وسياسية متتالية. إن القراءة الناقدة للتجربة التونسية تتطلب تفكيك الإرث الهيكلي للدولة الحديثة. فقد أرسى الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة دعائم دولة القانون والمؤسسات عبر مركزية سلطوية فرضت التحديث التعليمي والاجتماعي. ومع ذلك، أظهرت هذه النموذجية ثغرات صلبة في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي، حيث أدى إغلاق المجال السياسي واستفحال الفساد إلى شلل المنظومة وتعطل كفاءتها الإدارية، مما فجّر الاحتجاجات الشعبية عقب انتحار محمد البوعزيزي. ورغم حالة الاستقطاب السياسي التي تلت الثورة، جاءت فترة الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي لتعيد ضبط الإطار الدستوري عبر تعزيز استقلالية المؤسسات والقضاء. ومع ذلك، فإن إضفاء الطابع المثالي على هذه الحقبة يغفل التحديات المؤسسية المزمنة؛ فالديمقراطيات المستقرة لا تُبنى على الوعود الوردية، بل على كفاءة الضوابط والتوازنات ال...

تونس بعد الباجي قايد السبسي: صراع الموروث البورقيبي ومصائر الديمقراطية الهشة

يمثل ورحيل الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي لحظة فارقة في التطور السياسي لشمال أفريقيا، ليس فقط لكونه مغادرة لآخر العمالقة الدبلوماسيين الذين عاصروا مرحلة التأسيس الأولى، بل لأنه يطرح سؤالاً بنيوياً حول مدى قدرة المؤسسات الحديثة على الاستمرار في غياب "الرمز المهيمن". لقد ظل السبسي يمثل حلقة الوصل الأخيرة بين العقلانية الدولة-وطنية البورقيبية وبين آليات التعددية الوليدة بعد عام 2011. ومع هذا الغياب، تقف الجمهورية التونسية على مفترق طرق يتطلب تفكيكاً منهجياً لبنية الإرث البورقيبي، وحدود البراغماتية السياسية، وآفاق التوازن الحزبي. التناقض البنيوي في الإرث البورقيبي: الحداثة الفوقية وهندسة الدولة لا يمكن فهم الإستراتيجية السياسية للسبسي دون تحليل الحاضنة الأولى التي تخرج منها: التجربة البورقيبية. لقد تأسست الدولة التونسية الحديثة على يد الحبيب بورقيبة وفق نموذج حداثي تحويلي، اتسم بالصرامة العلمية والرؤية العلمانية البراغماتية، لاسيما في مجالات التعليم وتحديث الأحوال الشخصية. غير أن هذا النموذج حمل في طياته تناقضاً بنيوياً؛ فقد اعتمدت الحداثة البورقيبية على السلطوية الفوقية وشخصن...