هندسة الاستقرار التونسي: بين القوانين الهيكلية وواقعية الدولة
تشهد تونس لحظة فارقة في مسار انتقالها السياسي. تُمثّل المناظرات التلفزيونية الراهنة بين مرشحي الرئاسة الـ26 تحولاً نوعياً في المنطقة العربية؛ حيث يتبلور نظام تداول السلطة ليس كحدث طارئ، بل كمحصلة لمسار تراكمي تاريخي تشكّل عبر محطات مؤسسية وسياسية متتالية. إن القراءة الناقدة للتجربة التونسية تتطلب تفكيك الإرث الهيكلي للدولة الحديثة. فقد أرسى الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة دعائم دولة القانون والمؤسسات عبر مركزية سلطوية فرضت التحديث التعليمي والاجتماعي. ومع ذلك، أظهرت هذه النموذجية ثغرات صلبة في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي، حيث أدى إغلاق المجال السياسي واستفحال الفساد إلى شلل المنظومة وتعطل كفاءتها الإدارية، مما فجّر الاحتجاجات الشعبية عقب انتحار محمد البوعزيزي. ورغم حالة الاستقطاب السياسي التي تلت الثورة، جاءت فترة الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي لتعيد ضبط الإطار الدستوري عبر تعزيز استقلالية المؤسسات والقضاء. ومع ذلك، فإن إضفاء الطابع المثالي على هذه الحقبة يغفل التحديات المؤسسية المزمنة؛ فالديمقراطيات المستقرة لا تُبنى على الوعود الوردية، بل على كفاءة الضوابط والتوازنات ال...