هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

٨ اغسطس ٢٠١٨

من وجهة نظر التحليل البنيوي لتاريخ الحضارات، لم تكن التحولات الكبرى وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة قطائع إبستمولوجية وتكنولوجية متتالية. إذا تأملنا المسار الإنساني قبل الثورة الصناعية الأولى، نجد أن المجتمعات استغرقت قروناً للانتقال من الاقتصاد الزراعي التقليدي إلى النمط الصناعي التكثيفي. ومع منتصف القرن العشرين، استغرق التحول التكنولوجي نحو عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) زهاء نصف قرن آخر ليعيد هيكلة النظم الاقتصادية والاجتماعية. اليوم، وفي غضون التطور الأسي المذهل، يقف العالم على أعتاب "البارادايم" القادم: عصر الذكاء الاصطناعي والأتمتة المعرفية، وهو التحول الذي ترمز إليه مجازياً الحالة الاتصالية المتمثلة في الروبوت "صوفيا".
يطرح هذا التحول الهيكلي مسألة حتمية: هل المنظومة العربية، بمؤسساتها الأكاديمية والإنتاجية والفكرية، جاهزة للاستحقاقات الجيو-تكنولوجية لهذا النظام البشري الجديد؟
المفهوم وتأسيس القطيعة العلمية
يمثل الذكاء بمفهومه المجرد ظاهرة مرنة ومتجددة تعصى على التأطير الثابت. غير أن التأطير العلمي المنهجي لمفهوم "الذكاء الاصطناعي" تعود جذوره التاريخية إلى مؤتمر دارتموث الشهير الذي عقد عام 1956 في ولاية نيوهامبشير بالولايات المتحدة الأمريكية (وليس في بريطانيا)، بقيادة عالم الحاسوب جون مكارثي ومشاركة قمم الفكر التكنولوجي أمثال مارفن مينسكي وكلود شانون.
صاغ مكارثي ومجموعته التعريف الإجرائي للذكاء الاصطناعي بوصفه: "جعل الآلة تتصرف بطرق تُعد ذكية فيما لو صدرت عن إنسان"؛ أي قدرة الأنظمة البرمجية على محاكاة الوظائف الإدراكية البشرية، وعلى رأسها التعلم الذاتي (Machine Learning)، والقدرة على الاستنتاج، وتطوير ردود أفعال تكيُّفية أمام بيئات غير مبرمجة سلفاً. هذا التحول من "البرمجة الخطيّة المحدودة" إلى "الخوارزميات التكيفية والشبكات العصبيّة الاصطناعية" هو جوهر الثورة الحالية.
التنبؤات الاستشرافية: دراسة أكسفورد وويل
لتقييم سرعة هذا التحول، يُستشهد بالدراسة المسحية المرجعية الهامة التي نشرتها الباحثة كاتيا جريس بالتعاون مع فريق بحثي من "معهد مستقبل البشرية" بجامعة أكسفورد وجامعة ييل (Grace et al., 2017/2018). اعتمدت الدراسة على استطلاع آراء مئات الخبراء الدوليين في مجال الذكاء الاصطناعي لرسم جدول زمني متوقع لاكتشافه وتفوقه على القدرات البشرية:
 * الترجمة اللغوية الاحترافية: يُتوقع أن تتفوق الآلة على المترجم البشري بحلول عام 2024، مما سيُعيد تشكيل الجدوى الاقتصادية للتخصصات اللغوية التقليدية.
 * كتابة المقالات والأبحاث: القدرة على صياغة مقالات وأوراق بحثية بمستوى مدرسي أو أكاديمي مبسط بحلول عام 2026.
 * قيادة المركبات الثقيلة: الأتمتة الكاملة للشاحنات والنقل اللوجستي بحلول عام 2027.
 * التجارة بالتجزئة: إدارة العمليات والتفاعل المباشر مع المستهلكين بحلول عام 2031.
 * الإبداع الأدبي والجراحة: كتابة كتب ومؤلفات أكثر مبيعاً بحلول عام 2049، وتنفيذ عمليات جراحية معقدة واستقلالية تامة مع منتصف القرن الحالي (2053).
تخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي سيتجاوز البشر في جميع المهام خلال 45 عاماً تقريباً، مع احتمالية الأتمتة الكاملة لكافة الوظائف البشرية خلال 120 عاماً، مما يؤسس لنموذج حضاري وسياسي جديد كلياً.
السجال الثقافي والانغلاق الإبستمولوجي
لقد واكبت السينما العالمية هذا التحول من خلال تقديم قراءات فلسفية وعلمية عميقة؛ ففي فيلم Interstellar (2014)، تم تسليط الضوء على نماذج الذكاء الاصطناعي التكيفي (مثل الروبوت TARS) الذي يعمل ضمن علاقة تكاملية مع الإنسان في ظروف البيئات القاسية وفق معايير أخلاقية ومُحكمات برمجية. بينما غاص فيلم Ex Machina (2015) في معضلة اختبار تشرينغ المعدل، ومفهوم الوعي الذاتي لدى الآلة، والخط الفاصل بين الإدراك الخوارزمي والمشاعر البشرية.
في المقابل، يُلاحظ في بعض المجتمعات النامية انغلاق فكري وتأطير عاطفي أو عقائدي يمنع القراءة التحليلية الرصينة لهذه التحولات. تتجلى هذه الجدلية في التعاطي السطحي مع المعطيات التقنية؛ فعوضاً عن مناقشة الأبعاد الاقتصادية، والأخلاقية، والتشريعية للذكاء الاصطناعي، تُختزل القضايا أحياناً في تساؤلات هامشية وساذجة — مثل ما شهدته بعض الحلقات النقاشية في المنطقة حول الأبعاد الشرعية للتعامل الجسدي أو الاجتماعي مع الآلات. هذا النمط من التفكير يعكس فجوة عميقة بين مجتمعات تُنتج الخوارزميات ومجتمعات تستهلك التكنولوجيا بعقلية أسيرة للموروث الشفاهي.
السباق الجيوسياسي وموقعية العالم العربي
تدرك القوى العظمى أن التحكم في خوارزميات المستقبل هو جوهر السيادة في القرن الحادي والعشرين. ولعل أبرز تعبير عن هذا المفهوم ما صرّح به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سبتمبر 2017 خلال كلمته الموجهة للطلاب في ياروسلافل حين قال:
> "الذكاء الاصطناعي هو المستقبل، ليس فقط لروسيا بل للبشرية جمعاء... مَن يصبح رائداً في هذا المجال سيسود العالم."
وقد أكدت على هذه الرؤية العديد من النقاشات في مؤتمر ميونخ للأمن ومنتدى داڤوس الاقتصادي (2018)، حيث أُدرجت أمنيات الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية كأولويات استراتيجية تفوق في أهميتها الأسلحة التقليدية.
على الخريطة العالمية، تتسابق الدول لإعادة هيكلة بنائها التحياني:
 * الدول السكاندينافية (مثل فنلندا): التحول نحو "التعليم القائم على الظواهر والمشاريع" (Phenomenon-Based Learning) للقطع مع حفظ المعلومات وتنمية التفكير النقدي.
 * ألمانيا: استراتيجية "الصناعة 4.0" (Industrie 4.0) لدمج الإنتاج المصنعي بالشبكات السحابية والذكاء الاصطناعي.
 * اليابان: رؤية "المجتمع 5.0" (Society 5.0) التي تهدف لدمج الفضاء السيبراني بالفضاء الفيزيائي حلولاً للمشاكل الديموغرافية والصحية.
الواقع العربي: إشراقات وسط الفجوة الهيكلية
على الرغم من الفجوة التكنولوجية الكبيرة، هناك محاولات واعدة لبناء قواعد معرفية:
 * في دولة الإمارات العربية المتحدة: إطلاق استراتيجية الذكاء الاصطناعي وتعيين أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي في المنطقة، للتحول نحو الخدمات الحكومية الذكية.
 * في المملكة العربية السعودية: إدراج تقنيات المستقبل ضمن أهداف رؤية 2030، وضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية وعلوم البيانات.
 * في الأردن: البرامج الأكاديمية المتخصصة والمبادرات البحثية في مؤسسات رائدة مثل الجامعة الألمانية الأردنية، وجامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا، وجهود مركز الملك عبد الله الثاني للتميز.
 * في مصر: المبادرات والأبحاث العلمية الصادرة عن جامعات كبرى كجامعة القاهرة، والجامعة الأمريكية، والجامعة الألمانية بالقاهرة.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تظل في معظمها مبادرات قطاعية تحتاج إلى رؤية شاملة وموحدة تشمل الاستثمار في البحث العلمي التأسيسي (الرياضيات التطبيقية، والفيزياء البرمجية، ومعالجة اللغات الطبيعية)، وتطوير البنية التحتية للحوسبة عالية الأداء، وتغيير جذري في المناهج التعليمية لتتحول من التلقين إلى التفكير الخوارزمي والنقدي.
إن الجاهزية لعالم الذكاء الاصطناعي لا تُقاس بحجم استهلاك التقنية ولا باستيراد النماذج وتطبيقاتها السطحية، بل بالقدرة على إنتَاج المعرفة والتحكم في بنيتها البرمجية والتحليلية. إن الاستحقاق القادم يفرض على العالم العربي الانتقال السريع من موقع "المتفرج المتأثر" إلى موقع "المشارك الفاعل"، وذلك عبر إحداث ثورة منهجية في التعليم، وتوجيه رأس المال نحو البحث والتطوير والتصنيع الرقمي. بدون هذه الخطوة البنيوية، سيبقى التخلف عن قطار هذا البارادايم التكنولوجي تكلفةً لا تملك المنطقة رفاهية دفعها.

Comments

Popular posts from this blog

Taliban story ...

Germany fter Mrs. Angela Merkel era to Where?!

My article here is to explain France's overall strategy in the Indo-Pacific and some predictions about what could be next