الانتفائية الأخلاقية وتسييس حقوق الإنسان: قراءة في المهرجانات السياسية لمأساة خاشقجي
تُجسد المشاهد الدرامية المعقدة في الأدب والفنون أحياناً الواقع السياسي بأبعاد واقعية دقيقة. في أحد مشاهد المسلسل المصري "العراف"، تدور مواجهة بين ضابط سابق وخبير استراتيجي صاعد كان ينشط سابقاً كمهندس عمليات احتيال متمرس. عندما سأله الضابط عن كيفية تحوله إلى ضيف دائم على الشاشات كمرجعية تحليلية، جاء الرد مختصراً لواقع الحالة: الواقع يمر بحالة من السيولة، والمرحلة تتطلب خطاباً معيناً يتماشى مع السائد. تعكس هذه المستملحة الدرامية جوهر التحولات الراديكالية التي تشهدها الخطابات الحقوقية والإعلامية الدولية عند التعاطي مع الأزمات الكبرى، حيث تتداخل المبادئ بالإملاءات الاستراتيجية والتجييش الإعلامي. تأتي الذكرى السنوية الأولى لمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي لتكشف عن اتساع الفجوة بين مبادئ حقوق الإنسان كمنظومة أخلاقية مجردة، وبين توظيفها كأداة للضغط الجيوسياسي. إن إدانة الجريمة من منظور إنساني وقانوني تحصيل حاصل لا يقبل التجزئة؛ فالاعتداء على حياة أي صحفي يشكل انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية. بيد أن إرساء معايير عدالة شمولية يتطلب الامتناع عن انتقائية الملفات، وتجنب منح أطراف ذات سجل...