الانتفائية الأخلاقية وتسييس حقوق الإنسان: قراءة في المهرجانات السياسية لمأساة خاشقجي
تُجسد المشاهد الدرامية المعقدة في الأدب والفنون أحياناً الواقع السياسي بأبعاد واقعية دقيقة. في أحد مشاهد المسلسل المصري "العراف"، تدور مواجهة بين ضابط سابق وخبير استراتيجي صاعد كان ينشط سابقاً كمهندس عمليات احتيال متمرس. عندما سأله الضابط عن كيفية تحوله إلى ضيف دائم على الشاشات كمرجعية تحليلية، جاء الرد مختصراً لواقع الحالة: الواقع يمر بحالة من السيولة، والمرحلة تتطلب خطاباً معيناً يتماشى مع السائد. تعكس هذه المستملحة الدرامية جوهر التحولات الراديكالية التي تشهدها الخطابات الحقوقية والإعلامية الدولية عند التعاطي مع الأزمات الكبرى، حيث تتداخل المبادئ بالإملاءات الاستراتيجية والتجييش الإعلامي.
تأتي الذكرى السنوية الأولى لمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي لتكشف عن اتساع الفجوة بين مبادئ حقوق الإنسان كمنظومة أخلاقية مجردة، وبين توظيفها كأداة للضغط الجيوسياسي. إن إدانة الجريمة من منظور إنساني وقانوني تحصيل حاصل لا يقبل التجزئة؛ فالاعتداء على حياة أي صحفي يشكل انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية. بيد أن إرساء معايير عدالة شمولية يتطلب الامتناع عن انتقائية الملفات، وتجنب منح أطراف ذات سجلات حقوقية مضطربة صلاحية إدارة منصات المحاسبة الدولية.
التناقض السلوكي في بيئة الانتهاكات
يبدو اختيار العاصمة التركية إسطنبول لترتيب الاحتفاليات التأبينية لذكرى خاشقجي ذا دلالة استقطابية معقدة، بالنظر إلى طبيعة البيئة الحقوقية المحلية. تظهر المؤشرات الرقمية الصادرة عن مؤسسات دولية معنية بحرية الصحافة تقاطعات حرجة؛ إذ تشير تقارير الاتحاد الدولي للصحفيين ومؤسسة الصحفيين الأتراك إلى متابعات قضائية شملت مئات الصحفيين والإعلاميين عقيب محاولة الانقلاب عام 2016. وفي السياق ذاته، يضع مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود" تركيا في المرتبة 157 من أصل 180 دولة.
إن التعاطي مع القضية ضمن منصة جيوسياسية تعاني بدورها من قيود هيكلية على حريات التعبير يخلق حالة من اللاتوازن المفهومي، ويُضعف قوة الحجة الحقوقية. في المقابل، فإن توجيه المبادرات نحو المساحات الحقوقية التي تشهد تحولات وإصلاحات مستمرة، كالمملكة العربية السعودية نفسها، كان من شأنه تعزيز آليات الشفافية وتفعيل الحوار الإصلاحي المباشر بدلاً من الانزلاق نحو التسييس الإقليمي.
المصداقية المؤسسية والتطبيق المتكافئ للعدالة
تقتضي النزاهة التحليلية تقييم أداء الآليات الأممية بناءً على معيار التماثل في التعاطي مع القضايا الدولية. برزت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالقتل خارج نطاق القضاء، آغنيس كالامار، كإحدى الشخصيات المحورية في متابعة الملف. وفي حين ترتكز أطروحاتها على ضرورة وضع أطر حازمة لحماية الإعلاميين، تُظهر القراءة المتقاطعة للواقع الميداني اتساع الفجوة في الاستجابة الأممية تجاه قضايا أخرى ذات طبيعة مشابهة.
لم تحظَ محاولة اغتيال الصحفي التركي جان دوندار أمام مقر المحكمة في إسطنبول، ولا ملابسات وفاة المواطن الفلسطيني زكي مبارك في السجون التركية، بالمستوى ذاته من التغطية الاستقصائية والمتابعة الدولية المباشرة. إن الاستجابة المتباينة من قبل المنصات الحقوقية الرسمية تحول المؤسسات الدولية من هيئات تحكيم محايدة إلى أطراف يتأثر نشاطها بالسياقات السياسية والضغط الإعلامي الداعم لكل ملف على حدة.
صناعة الرموز والتقاطعات المصالحية
تتداخل المشهدية الحقوقية للقضية مع شبكة معقدة من الفاعلين والمنصات الاستثمارية والإعلامية:
* خديجة جنكيز والتأطير الإعلامي: قُدمت جنكيز إعلامياً باعتبارها الخطيبة الرسمية والباحثة المرافقة للراحل. غير أن التدقيق التوثيقي والسجلات المدنية في الولايات المتحدة يُظهران أن خاشقجي كان مرتبطاً بعقد زواج شرعي وقانوني مسجل مع السيدة المصرية-الأمريكية حنان العتر، وهو ما شكل الأساس القانوني لإقامته وتواجده في واشنطن. إن الصعود الإعلامي للفاعلين الحركيين والوصول إلى المنصات التشريعية كالكابيتول، يثير تساؤلات حول الدور الذي تلعبه الماكينات الإعلامية في تلميع شخصيات بعينها لخدمة أجندات محددة.
* رأس المال والإعلام الدولي: يعكس الحضور المباشر لمؤسس شركة أمزون ومالك صحيفة "واشنطن بوست"، جيف بيزوس، القيمة الاستراتيجية للصحافة في التأثير على القيمة السوقية والمكانة الاعتبارية للمؤسسات الإعلامية. إن استغلال الملفات الحقوقية لتعزيز الحصص السوقية والتأثير السياسي في الأسواق المالية يعيد تعريف دور الصحافة من أداة للرقابة والمحاسبة إلى أداة لرفع القيمة الرأسمالية للمؤسسات.
* الخطاب الأيديولوجي وتوظيف المنصات: تُبرز مشاركة توكل كرمان، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، طبيعة الخطاب السائد لدى بعض القوى الإقليمية. إذ يتناقض الاعتماد على لغة الحشد والتراشق السياسي عبر الوسائل الإعلامية، مثل القنوات الممولة إقليمياً، مع معايير السلام الدولي والعمل الحقوقي الرزين. كما أن التحول السريع في بنيتها التحتية المؤسسية والمالية، عبر تأسيس مراكز تحليليّة وقنوات إعلامية في إسطنبول، يعكس حجم الدعم اللوجستي الموجه لخدمة أهداف سياسية محددة تحت غطاء حقوق الإنسان.
التشخيص التحليلي وتكلفة تسييس الحقوق
إن إخضاع قضايا حقوق الإنسان للنزاعات الجيوسياسية يؤدي إلى إضعاف المنظومة الحقوقية العالمية برمتها. تتطلب الصياغة التنموية والمؤسسية للمجتمعات الحديثة الاحتكام إلى سلطة القانون، والمؤسسية، والأدلة العلمية الموثوقة، بعيداً عن الاستقطابات الأيديولوجية أو المهرجانات الإعلامية.
تقتضي المصلحة الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط بناء نموذج حقوقي قائم على النزاهة والحياد، يرفض الانتهاكات بجميع أشكالها، وفي الوقت ذاته يتصدى لمحاولات استغلال القضايا الإنسانية كأدوات للصراع السياسي والتأثير على السيادة الوطنية للدول.
Comments
Post a Comment