بين مركزية بروكسل ومحور «آخن»: هل تعيد الثنائية الألمانية-الفرنسية صياغة العقد الأوروبي؟تحليل السياسات
تقف القارة الأوروبية اليوم عند نقطة تقاطع استراتيجية حارجة؛ فاختبار الصمود الذي يواجه الاتحاد الأوروبي لم يعد يقتصر على توازنات الاقتصاد الكلي أو معالجة تداعيات الانقسامات الداخلية، بل يتجاوز ذلك إلى السؤال الوجودي الأصيل: هل يتجه المستقبل نحو تعزيز السيادة الفيدرالية لمنظومة بروكسل، أم نحو المراهنة على محركات ثنائية تتقدمها الشراكة الصلبة بين برلين وباريس؟
عند قراءة التطورات الراهنة، يستحضر المراقب ما صرّح به المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول إبان التوقيع على معاهدة ماستريخت عام 1993، حين أكد أن الوحدة الألمانية عام 1990 كانت الدافع الأساسي لإرساء الدعائم القانونية للاتحاد، مشدداً على أن الإرادة السياسية عندما تستند إلى قوة القانون تصبح التزاماً شاملاً لا خياراً اختيارياً. اليوم، تجسد قيادات ألمانية بارزة خرجت من المدرسة السياسية لنفس التيار — وفي مقدمتهن أورسولا فون دير لاين في قيادة المفوضية الأوروبية، وأنغريلا كرامب كارينباور على رأس وزارة الدفاع الألمانية — امتداداً لهذا الفكر الذي يرى في استقرار برلين وباريس الركيزة الأساسية لأي مشروع سياسي قاري.
المحور الأنجلو-فرانكوفوني وعقبات الاستقلال الاستراتيجي
منذ انتخاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اندفعت برلين وباريس نحو تأسيس حلف استراتيجي يستهدف تحويل الاتحاد الأوروبي من مجرد سوق مشتركة إلى لاعب جيوسياسي متكامل. غير أن هذا الطموح اصطدم بثلاث عقبات هيكلية صلبة:
* أولاً: ارتهان خريطة الأمن الاستراتيجي للقطبية الثنائية: لا تزال القارة مقيدة بترتيبات أمنية تاريخية تسيطر عليها واشنطن وموسكو. فالشرق الأوروبي وممرات الطاقة الحيوية يقعان تحت وطأة الضغوط الروسية المباشرة، في حين يظل الغرب الأوروبي والنقاط البحرية الحاكمة (كمضيق جبل طارق وفرضيات الإنزال في النورماندي) مرتبطاً بالبنية التحتية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والنفوذ الأمريكي. يضاف إلى ذلك التعقيد الأمني في حوض المتوسط والملف القبرصي، مما يجعل بناء مظلة دفاعية أوروبية مستقلة أمراً بالغة الصعوبة.
* ثانياً: الفجوة التكنولوجية وفجوة السيادة الرقمية: رغم المساهمة الأوروبية الضخمة في البحث العلمي الأساسي، إلا أن الولايات المتحدة نجحت تاريخياً في احتكار البنية التحتية للتقنية والتكنولوجيا الحيوية عبر استقطاب العقول الأوروبية وبناء بيئة بيئية حاضنة للابتكار. هذا الاعتماد الأوروبي على البرمجيات والأنظمة الأمريكية أوجد هشاشة أمنية واضحة.
* ثالثاً: التفاوت التنموي والرفاهي بين دول الاتحاد: تشكل الفجوة الاقتصاديّة بين دول الشمال السكندنافي ذات الدخل المرتفع ودول الجنوب والشرق الأوروبي تحدياً كبيراً لأي سياسة مالية أو اجتماعية موحدة، خاصة مع التزام الاتحاد بمعايير نسبية العدالة والكرامة الإنسانية التي تفرض كلفة اقتصادية وسياسية عالية.
من التجسس الرقمي إلى «معاهدة آخن»: الاستجابة الاستراتيجية
لم تكن الدعوات الفرنسية-الألمانية لتأسيس «جيش أوروبي موحد» مجرد مجادلات نظرية، بل كانت استجابة لمؤشرات استخباراتية وسياسية كشفت اختراق السيادة الأوروبية. فالتقارير والتحقيقات الاستقصائية المشتركة بين وسائل إعلام ألمانية وفرنسية (مثل DW وFrance 24) سلطت الضوء على عمليات تنصت واختراقات رقمية استهدفت قيادات أوروبية بارزة — بمن فيهم الاتصالات الخاصة بالمستشارة أنغيلا ميركل — إضافة إلى تدخل شركات استخبارات خاصة وممارسات أمنية عابرة للحدود.
هذه الأحداث دفعت وزراء الداخلية والأمن في الشق الغربي من الاتحاد إلى تبني خطوات عملية لتطوير بنيات رقمية وحواسيب سيادية مخصصة للأجهزة الأمنية للحد من الاعتماد الكامل على الأنظمة التجارية الأمريكية.
وجاء التتويج السياسي لهذه التحركات من خلال توقيع معاهدة آخن للصداقة والتعاون الألماني-الفرنسي، والتي جاءت امتداداً لمعاهدة الإليزيه لعام 1963 بين شارل ديغول وكونراد أديناور. تهدف معاهدة آخن إلى توحيد أعمق للسياسات الخارجية والدفاعية، وإيجاد آليات استخباراتية ومؤسسية مستقلة — وهو التوجه الذي أثار تحفظات وإشارات انزعاج واضحة من الدبلوماسية الأمريكية في برلين لكونه يقلل من الارتهان للقواعد والترتيبات التقليدية.
قراءة تحليليّة: القوة الصلبة في مواجهة البيروقراطية
تقتضي المنهجية التحليلية تقييم هذا المسار بعين نقدية تفكك الإيجابيات والسلبيات:
* الإيجابيات: يمنح محور «برلين-باريس» الاتحاد الأوروبي ثقلاً استراتيجياً ورؤية واقعية تمكنه من التفاوض ككتلة واحدة في المشرع الدولي. إن الانتقال من مجرد التنسيق الاقتصادي إلى الشراكة الدفاعية والتكنولوجية يعزز مفهوم «السيادة الأوروبية» ويقلل من المخاطر الناجمة عن التحولات الفجائية في السياسة الخارجية الأمريكية.
* السلبيات والتحديات: يعاب على هذا التوجه أنه قد يكرس نمطاً من «أوروبا ذات السرعتين»، حيث تشعر الدول الصغرى ودول شرق أوروبا بأن قرارات القارة تُصنع في صالونات برلين وباريس على حساب مبدأ المساواة بين الأعضاء. كما أن بناء قوة دفاعية مستقلة يتطلب استثمارات ضخمة وإرادة سياسية طويلة المدى، وهو ما أشارت إليه وزيرة الدفاع الألمانية أنغريلت كرامب كاريناور حين أكدت أن "الطريق طويل وبحاجة لزيادة الفاعلية العملية والصبر لتحقيق نتائج".
التقييم النهائي
إن إتحاداً متجدداً يقوده محور برلين-باريس لا يتعارض بالضرورة مع قوة بروكسل، بل يشكل المحرك العملي لها؛ إذ إن المؤسسات الفيدرالية في بروكسل تفتقر إلى أدوات القوة الصلبة بدون الثقل الاقتصادي والعسكري لأكبر دولتين في التكتل. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المفهوم مرهون بقدرة هذا المحور على تقديم نموذج شامل لا يستثني باقي الأعضاء، وعلى ترجمة المعاهدات السياسية — كمعاهدة آخن — إلى مشاريع تكنولوجية ودفاعية ملموسة تؤمن استقلالية القارة دون تقويض التحالفات الدولية الكبرى.
Comments
Post a Comment