العراق عند مفترق الطرق: بين هيمنة "الدولة العميقة" وآفاق الصدمة السياسية

تظل قدرة بلاد الرافدين على تغيير المعادلة السياسية الإقليمية سؤالاً جوهرياً ومفتوحاً في أروقة التحليل الاستراتيجي: هل يمتلك الشرق الأوسط أدوات "العلاج بالصدمة السياسية" لكسر الجمود القائم؟ في هذا السياق، تبرز التظاهرات الشعبية المتصاعدة في العراق كصدمة غير محسوبة قد تعيد رسم خريطة النفوذ، وتحدّ من تمدد أحد أبرز أضلاع المربع الإقليمي (إيران، السعودية، تركيا، وإسرائيل).
تفكيك الديموغرافيا وهيكلة النفوذ
شهد العراق تحولات ديموغرافية وعرقية عميقة؛ حيث أدّت موجات العنف والاضطهاد إلى تهجير أعداد غفيرة من المكونات الأصيلة، كالسيحيين والإيزيديين والصابئة، باتجاه أوروبا والولايات المتحدة، إلى جانب تهجير ونزوح أعداد كبيرة من المكون السنّي نحو دول الجوار أو إعادة توطينهم قسراً في مناطق ذات غالبية مختلفة. هذا الواقع أنتج هندسة مجتمعية جديدة أعادت توزيع القوة لصالح أحزاب السلطة.
تزامن هذا التحول الديموغرافي مع تمويل وتوجيه ممنهج للموارد الرسمية نحو مراكز معينة؛ حيث ركّزت القوى الحاكمة على الإنفاق الهائل على المناسبات والرموز الدينية على حساب البنية التحتية الأساسية. وفي الوقت الذي تُرصد فيه مبالغ طائلة للفعاليات في كربلاء والنجف، تعاني القطاعات الحيوية من انهيار شبه كامل، وعلى رأسها أزمة الطاقة الكهربائية المستمرة رغم امتلاك البلاد لثاني أكبر احتياطي نفطي في منظمة "أوبك".
ديناميات الاحتجاج وذاكرة الحراك الشعبي
لم تكن الاحتجاجات الحالية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لحراك متراكم شهدته البلاد في محطات سابقة:
 * حراك عام 2009: شهدت البلاد شرارة احتجاجات مبكرة ضد الفساد وسوء الإدارة، جرى احتواؤها وغض النظر عنها بفعل نفوذ المرجعية والأجهزة الأمنية بدعم من الحرس الثوري الإيراني.
 * حراك عام 2018: انفجرت محافظة البصرة – الرئة الاقتصادية للعراق – ضد تدهور الخدمات وتلوث مياه الشرب. البصرة التي كانت تاريخياً رمزاً للزراعة وتصدير النخيل، تحولت أراضيها إلى مساحات جافة بفعل الإهمال وسوء إدارة الموارد المائية وتحويل مسارات الأنهار الحدودية.
وعلى المستوى الإقليمي، أتاح التركيز الدولي على الأزمة السورية مساحة للمؤسسات الحاكمة والنفوذ الإيراني لترسيخ حضورهم داخل مؤسسات الدولة العراقية بعيداً عن الرقابة، ممّا أدى إلى تحويل بوصلة الانتماء الوطني نحو الاستقطاب الهوياتي.
> توضيح وتحليل سياقي للملف النفطي والإقليمي:
> تداول بعض الفاعلين الإقليميين اتهامات حول تهريب النفط لصالح تنظيمات إرهابية مثل "داعش" عبر الحدود الشمالية؛ وفي حين أظهرت التقارير الاستخباراتية والأممية وجود شبكات تهريب وسوق سوداء استغلها التنظيم لتأمين التمويل، إلا أن أبحاث معاهد الدراسة المستقلة أثبتت أن هذه العمليات كانت تُدار عبر شبكات وسيطة غير رسمية ومعقدة استغلت الفراغ الأمني على الحدود السورية-العراقية-التركية، دون وجود أدلة رسمية تثبت تورط قيادات دول بعينها بشكل مباشر في هذه التجارة.
> 
شرعية السلطة ومأزق التمثيل السياسي
تتجلى أزمة النظام السياسي العراقي في الفجوة الهيكلية الحادة بين أركان الدولة العميقة والحراك الشعبي الشبابي المتصاعد؛ فبينما تتأسس مرجعية القرار لدى القوى الحاكمة على شبكات المحاصصة والتوازنات الإقليمية، يستند الحراك الشبابي إلى مفاهيم المواطنة وسيادة القانون. وفي مقابل اعتماد السلطة على أدوات القمع والسلاح المنفلت والتعطيل المؤسسي لحماية مصالحها، يلجأ المتظاهرون إلى التظاهر السلمي والعصيان المدني لفرض التغيير. ومع انحسار الشرعية الانتخابية للطبقة السياسية المستندة إلى نسب مشاركة متدنية، يكتسب الحراك تأييداً مجتمعياً عريضاً يمثل رفضاً صريحاً للنهج القائم.
وقد ظهرت هذه الفجوة الهيكلية بوضوح في صندوق الاقتراع خلال الانتخابات البرلمانية لعام 2018؛ إذ تشير التقديرات والمراقبون الدوليون إلى أن نسبة المشاركة الفعلية لم تتجاوز 35%، رغم الإعلان الرسمي الذي قدرها بـ 44%. إن عزوف أكثر من نصف الناخبين عن المشاركة يعكس إضراباً سياسياً وعصياناً مدنياً غير معلن ضد النظام القائم، وهذه الكتلة الحرجة الصامتة هي بالذات التي تشكل القوة الضاربة للحراك الشعبي اليوم.
الآفاق المستقبلية: سيناريوهات التحول
رغم استخدام العنف المفرط ونشر القناصة لمواجهة المتظاهرين – وفق ما وثقته تقارير المنظمات الحقوقية والدولية – تشير المعطيات الحالية إلى قدرة الحركة الاحتجاجية على الصمود وإعادة فرض أجندتها:
 * السيناريو الأول (استمرار الانسداد): إصرار القوى الحاكمة على الخيار الأمني وتجاهل المطالب البنيوية، مما يعمق أزمة الشرعية ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو الفوضى التشغيلية للدولة.
 * السيناريو الثاني (الإصلاح الهيكلي): التجاوب مع مطالب التغيير من خلال تقديم تنازلات مؤسسية، وإعادة هيكلة قانون الانتخابات، والحد من تدخل الفصائل والجهات الخارجة عن نطاق الدولة، لاستعادة مفهوم "الدولة الوطنية".
إن غياب التغطية الإعلامية المكثفة أحياناً لا يقلل من حجم التحول الجاري على الأرض؛ فالعراق يقف اليوم أمام لحظة فارقة قد تجبر القوى الإقليمية والمحلية على إعادة حساباتها، بشرط استمرار زخم الحراك وإصراره على بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون بعيداً عن التخندق الإيديولوجي أو المذهبي.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban