Posts

Showing posts with the label Political

رأسمالية الأزمات: هندسة الصدمة وتوازنات القوة العالمية

تشكل الأزمات الدولية المفاصل الأكثر خطورة ووضوحاً في إعادة تشكيل خرائط النفوذ وتوزيع الثروات. ما أطلقت عليه الباحثة الكندية نايومي كلاين مصطلح «رأسمالية الصدمة» أو «رأسمالية الأزمات» يمثل إطاراً تحليلياً لاستغلال الاضطرابات الجسيمة—سواء كانت سياسية، اقتصادية، أو كوارث طبيعية—لفرض تحولات بنيوية وتمرير أجندات قد يكون من الصعب إقراره في الظروف الاعتيادية. لكنّ الفهم الدقيق لهذا المفهوم يتطلب تفكيكاً بنيوياً وتجريداً من العاطفة الأيديولوجية؛ فالرأسمالية المشار إليها في هذا السياق لا تعبر حصراً عن النظام الاقتصادي الحر بآلياته السوقية التقليدية، بل تتشابك تقاطعياً مع أنظمة سياسية واقتصادية متعدّدة، بما فيها الاشتراكات الحكومية والديمقراطيات الاجتماعية، حين تقتضي المصالح الاستراتيجية ذلك. أولاً: ديناميكية الأزمات بين "المصنَّع" و"الطارئ" يمكن تصنيف الأزمات محركاً للتحول البنيوي ضمن فئتين رئيسيتين:  * الأزمات البنيوية (المصطنعة أو الموجهة):    تنشأ هذه الأزمات نتيجة تفاعلات داخلية معقدة وتشبع في تناقضات العقد الاجتماعي المحلي. لا يمكن للاعتداء أو التدخل الخارجي خلق أزمة من...

اللغة والمناورة الاستراتيجية: قراءة في الموزاييك الفرانكو-ألماني ومستقبل الناتو

تقتضي الواقعية السياسية عند تفكيك السلوك الأوربي في لحظات التحول الدولي تجاوز القراءات الانطباعية التي تقف عند حدود التصريحات السطحية، والغوص عميقاً في ديناميكيات القوة وموازين المصالح. تجلى هذا بوضوح عقب التصريح الشهير للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقابلته مع مجلة "الإيكونوميست" حول "الموت الدماغي" لحلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ حيث صدم الإطار التقليدي للعلاقات العابرة للأطلسي، معلناً بداية رحلة البحث عن "المستقل الاستراتيجي الأوربي" في بيئة دولية تتسم بالتحول المتسارع نحو التعددية القطبية. الشرخ الظاهري والمصالح المتكاملة: بين العصا والجزرة يتعامل الكثير من المحللين مع المواقف الصادرة من باريس وبرلين باعتبارها تبايناً جوهرياً يعكس عجزاً عن التوافق، إلا أن الفحص البنيوي لسياسات المحور الفرانكو-ألماني يظهر توزيعاً أدوار متقناً يتأرجح بين "العصا الفرنسية" و"الجزرة الألمانية". فبينما يندفع ماكرون بطموح نابع من الإرث الديجولي لإعادة صياغة الأمن الأوربي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، تمارس برلين هدوءاً استراتيجياً يحفظ خطوط التواصل مع كافة ا...

بين مركزية بروكسل ومحور «آخن»: هل تعيد الثنائية الألمانية-الفرنسية صياغة العقد الأوروبي؟تحليل السياسات

تقف القارة الأوروبية اليوم عند نقطة تقاطع استراتيجية حارجة؛ فاختبار الصمود الذي يواجه الاتحاد الأوروبي لم يعد يقتصر على توازنات الاقتصاد الكلي أو معالجة تداعيات الانقسامات الداخلية، بل يتجاوز ذلك إلى السؤال الوجودي الأصيل: هل يتجه المستقبل نحو تعزيز السيادة الفيدرالية لمنظومة بروكسل، أم نحو المراهنة على محركات ثنائية تتقدمها الشراكة الصلبة بين برلين وباريس؟ عند قراءة التطورات الراهنة، يستحضر المراقب ما صرّح به المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول إبان التوقيع على معاهدة ماستريخت عام 1993، حين أكد أن الوحدة الألمانية عام 1990 كانت الدافع الأساسي لإرساء الدعائم القانونية للاتحاد، مشدداً على أن الإرادة السياسية عندما تستند إلى قوة القانون تصبح التزاماً شاملاً لا خياراً اختيارياً. اليوم، تجسد قيادات ألمانية بارزة خرجت من المدرسة السياسية لنفس التيار — وفي مقدمتهن أورسولا فون دير لاين في قيادة المفوضية الأوروبية، وأنغريلا كرامب كارينباور على رأس وزارة الدفاع الألمانية — امتداداً لهذا الفكر الذي يرى في استقرار برلين وباريس الركيزة الأساسية لأي مشروع سياسي قاري. المحور الأنجلو-فرانكوفوني وعقبا...

أبعاد الصراع مع التجانس القسري: المسألة الكردية واغتيال هفرين خلف

تتبدى المسألة الكردية في الشرق الأوسط كواحدة من أكثر الأزمات التركيبية تعقيداً في Geopolitics المنطقة، حيث تتشابك فيها الهوية والقومية مع حدود الدولة الوطنية الحديثة. تشبه هذه القضية في عمقها ومأزقها البنيوي الحبكات المعقدة في الأدب الكلاسيكي، مثل «دون كيخوته» لـ «ميغيل دي سيرفانتس»، حيث الصراع المستمر ضد أوهام السيطرة ومواجهة أزمات تجانس هشة. تماثل هذه المسألة بؤراً جيوسياسية مزمنة في العالم الحديث، مثل قضية كشمير أو النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ غير أن المحرك الأساسي هنا يتجاوز مجرد النزاع على الأرض إلى صراع أعمق حول نموذج الدولة ورغبة سلطات المنطقة القسرية في صهر المكونات المتنوعة. فلسفة "النوعية" ومأزق الدولة القومية في الشرق الأوسط تطرح المسألة الكردية إشكالاً بنيوياً بوجه فكرة "التجانس القسري" التي أقامتها أنظمة المنطقة عقب العصر العثماني. يعيش اليوم نحو 40 مليون كردي يتوزعون عبر أربع دول مركزية (تركيا، إيران، العراق، وسوريا). لكن المعيار الحقيقي للفاعل السياسي لا يكمن في الديموغرافيا المجردة ("الكم") بل في القدرة الديناميكية على البقاء وصياغة النموذج...

هندسة الوصاية الاستبدادية: كيف يُعيد مرسوم هيكلة "الحشد" صياغة مفهوم الدولة في العراق؟

تتداخل المفارقات السياسية والأخلاقية في المشهد العراقي على نحو غير مسبوق؛ حيث أصبحت أدبيات الوطنية والإخلاص تُستخدم كغطاء أيديولوجي لممارسات تفكيك مؤسسات الدولة لحساب أطراف خارجية. في الوقت الذي يخرج فيه آلاف الشباب العراقيين إلى الشوارع في احتجاجات عارمة، متجاوزين الانقسامات الطائفية والدينية للمطالبة بأبسط مقومات الحياة الإنسانية—كالكهرباء والماء وفرص العمل—تواجه السلطة السياسية وحلفاؤها الإقليميون هذه المطالب بآلية أمنية مفرطة، بالتوازي مع تعميق الشراكات الأمنية والعسكرية مع طهران. ميزان القوى والإسناد الإقليمي تشير القراءة التحليلية للمشهد إلى أن الرهان الإيراني على العراق يتجاوز الشراكة التقليدية؛ إذ يتعامل التخطيط الاستراتيجي في طهران مع الساحة العراقية باعتبارها "الرئة الاقتصادية والأمنية" للجمهورية الإسلامية في مواجهة الضغوط الدولية والتقلبات الإقليمية. وتتداول الأوساط التحليلية تقديرات متقاطعة حول طبيعة الدعم الاستشاري والأمني الذي تقدمه أجهزة مثل "الحرس الثوري" لمنظومة الحكم والنفوذ في بغداد. ويتركز هذا الدعم بشكل خاص في أربعة محاور أساسية:  * الأمن السيبر...

في فلك المحرمات!!! ...

في تسعينيات القرن الماضي، أطلق المعلق الرياضي التونسي عصام الشوالي عبارته الشهيرة: "لا تكلم العرب أكثر مما يتحملون.. دعهم يحللون، دعهم غارقون". وبينما قيلت هذه الجملة في سياق الرياضة والموهبة الاستثنائية، فإنها تفرض نفسها بقوة كعدسة تحليليّة لمشاهد السياسة الشرق أوسطية، حيث تُمارَس "لعبة الأمم" بأساليب تعتمد على المناورة التكتيكية وتوظيف الهشاشة البنيوية للإقليم. في خريف عام 2019، وفي خضم الحديث عن صياغة اللجنة الدستورية السورية، برزت تقاطعات معقدة توهم بانتصار نظري لتحالف مصلحي براغماتي بين أنقرة وطهران وموسكو، على حساب المحور الغربي التقليدي. غير أن النظرة التحليلية المتعمقة للخطوات السياسية والعسكرية تظهر أن هذه التفاهمات ليست سوى هشاشة استراتيجية حتمية، تقود المشهد نحو معادلات صفرية. إعادة التموضع الأمريكي: تفكيك تكتيك ترامب عند فحص قرار الإدارة الأمريكية بإعادة تحريك قواتها شمال شرق سوريا، يتضح أنه لم يكن انسحاباً كلياً أو هزيمة استراتيجية للشركاء المحليين، بل خطوة تموضع تكتيكي محتسبة. تسعى واشنطن من خلال هذا التكتيك إلى تقليل الكلفة المباشرة مع الحفاظ على المق...

العراق عند مفترق الطرق: بين هيمنة "الدولة العميقة" وآفاق الصدمة السياسية

تظل قدرة بلاد الرافدين على تغيير المعادلة السياسية الإقليمية سؤالاً جوهرياً ومفتوحاً في أروقة التحليل الاستراتيجي: هل يمتلك الشرق الأوسط أدوات "العلاج بالصدمة السياسية" لكسر الجمود القائم؟ في هذا السياق، تبرز التظاهرات الشعبية المتصاعدة في العراق كصدمة غير محسوبة قد تعيد رسم خريطة النفوذ، وتحدّ من تمدد أحد أبرز أضلاع المربع الإقليمي (إيران، السعودية، تركيا، وإسرائيل). تفكيك الديموغرافيا وهيكلة النفوذ شهد العراق تحولات ديموغرافية وعرقية عميقة؛ حيث أدّت موجات العنف والاضطهاد إلى تهجير أعداد غفيرة من المكونات الأصيلة، كالسيحيين والإيزيديين والصابئة، باتجاه أوروبا والولايات المتحدة، إلى جانب تهجير ونزوح أعداد كبيرة من المكون السنّي نحو دول الجوار أو إعادة توطينهم قسراً في مناطق ذات غالبية مختلفة. هذا الواقع أنتج هندسة مجتمعية جديدة أعادت توزيع القوة لصالح أحزاب السلطة. تزامن هذا التحول الديموغرافي مع تمويل وتوجيه ممنهج للموارد الرسمية نحو مراكز معينة؛ حيث ركّزت القوى الحاكمة على الإنفاق الهائل على المناسبات والرموز الدينية على حساب البنية التحتية الأساسية. وفي الوقت الذي تُرصد في...

الانتفائية الأخلاقية وتسييس حقوق الإنسان: قراءة في المهرجانات السياسية لمأساة خاشقجي

تُجسد المشاهد الدرامية المعقدة في الأدب والفنون أحياناً الواقع السياسي بأبعاد واقعية دقيقة. في أحد مشاهد المسلسل المصري "العراف"، تدور مواجهة بين ضابط سابق وخبير استراتيجي صاعد كان ينشط سابقاً كمهندس عمليات احتيال متمرس. عندما سأله الضابط عن كيفية تحوله إلى ضيف دائم على الشاشات كمرجعية تحليلية، جاء الرد مختصراً لواقع الحالة: الواقع يمر بحالة من السيولة، والمرحلة تتطلب خطاباً معيناً يتماشى مع السائد. تعكس هذه المستملحة الدرامية جوهر التحولات الراديكالية التي تشهدها الخطابات الحقوقية والإعلامية الدولية عند التعاطي مع الأزمات الكبرى، حيث تتداخل المبادئ بالإملاءات الاستراتيجية والتجييش الإعلامي. تأتي الذكرى السنوية الأولى لمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي لتكشف عن اتساع الفجوة بين مبادئ حقوق الإنسان كمنظومة أخلاقية مجردة، وبين توظيفها كأداة للضغط الجيوسياسي. إن إدانة الجريمة من منظور إنساني وقانوني تحصيل حاصل لا يقبل التجزئة؛ فالاعتداء على حياة أي صحفي يشكل انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية. بيد أن إرساء معايير عدالة شمولية يتطلب الامتناع عن انتقائية الملفات، وتجنب منح أطراف ذات سجل...

تقاطع المصالح والتحالفات الهشة: كيف تفاعلت الجيوستراتيجية التركية والإيرانية في الشرق الأوسط؟

تستدعي تحركات القوى الإقليمية في الشرق الأوسط تحليلاً دقيقاً لآليات صناعة القرار وللحدود الفاصلة بين الحسابات الأيديولوجية والمصالح الجيوسياسية المباشرة. بالنظر إلى المشهد السياسي الإقليمي، يتجلى سلوك كل من أنقرة وتلافيها العقبات، إلى جانب طهران وتمددها الناعم والصلب، كنموذج صارخ للمناورة بين المحاور الدولية الكبرى (واشنطن وموسكو). غير أن هذه المناورة، وفي حين أنها قد تُحقّق مكاسب مرحلية، غالباً ما تصطدم بواقع المعادلات الهيكلية للإقليم، ما يُبرز الحدود الفاصلة بين الإدارة التكتيكية للحكم وحصافة القيادة الاستراتيجية للدول. أولاً: التوازن الحرِج بين واشنطن وموسكو تُظهر تجربة القيادة التركية محاولة مستمرة للعب على التناقضات بين واشنطن وموسكو. فقد هدفت أنقرة من الشراء المثير للجدل لمنظومة الدفاع الجوي الروسية (S-400) إلى تعزيز هامش استقلاليتها الاستراتيجية عن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن هذه الخطوة فرضت عليها قيوداً غير مسبوقة؛ إذ أدت مباشرة إلى استبعادها من برنامج المقاتلات الشبحية (F-35) وفرض عقوبات أمريكية بموجب قانون (CAATSA). في الوقت ذاته، لم يضمن هذا الاقتراب من موسكو مظلة أما...

تحولات الرياض ورسائل جدة: قراءة في الموقف السعودي بين مطرقة الإصلاح الداخل وعاصفة الضغوط الخارجية

مقدمة: يشهد الإقليم العربي تحولات هيكلية أعادت إعادة رسم مشهد القوة والنفوذ، وتقف المملكة العربية السعودية في قلب هذه التحولات منذ بروز الأمير محمد بن سلمان كفاعل رئيسي في قيادة الشأن العام. إن التجاذب القائم بين تيار الإصلاح المتسارع في الداخل وبين حملات الشيطنة والنقد المتصاعد في الخارج يضع المراقب السياسي أمام واقع معقد يتجاوز التقييم السطحي إلى ضرورة فهم ديناميكيات الدولة الحديثة ومفهوم السيادة الإقليمية. أولاً: رؤية 2030 وديناميكية التغيير الداخلي تتجاوز التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في السعودية نطاق "التحديث الشكلي" لتلامس بنية الدولة وعلاقتها بالمجتمع. لقد جاءت مقابلة ولي العهد السعودي مع شبكة (CBS) الأمريكية، والتي أجرتها المذيعة نورا أودونيل في جدة، لتعكس الخطاب الرسمي الجديد القائم على اعتبار الإصلاحات وحقوق الأفراد المستحدثة حقوقاً أساسية واحتياجات تنموية، وليست مجرد مكارم تُمنح. إن تبني رؤية تخطيطية طويلة الأجل وتطبيق مبدأ المساءلة بالأرقام يُعد سلوكاً غير مألوف في الثقافة السياسية العربية الفردية؛ مما يفسر حجم الارتياب أو الرفض السياسي لدى قوى تقtraditionalية ف...

واقعية التحول وشبح المواجهة: قراءة في الموقف السعودي تجاه إيران عقب أزمة "أرامكو"

تطرح التحولات الهيكلية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة الوطنية ودور القيادات الشابة في إعادة تعريف مفاهيم المصلحة القومية والإصلاح الاجتماعي. وفي هذا السياق، تتبدى تجربة المملكة العربية السعودية، تحت قيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة الشيخ محمد بن زايد، كنموذج لإعادة هيكلة النموذج التنموي والسلم الاجتماعي. غير أن هذه التجربة تصطدم بشرق أوسط محكوم بتقاطعات جيوسياسية وصراعات أيديولوجية، يقع في قلبها الصراع الناشئ بين مشروع التنمية والحديث وبين الراديكالية الإقليمية المتجسدة في العقيدة الاستراتيجية للنظام الإيراني. أولاً: ديناميات الإصلاح المحلي ورسائل المقابلة جاءت مقابلة ولي العهد السعودي مع برنامج "60 دقيقة" على قناة CBS الأمريكية لتضع الرأي العام العالمي أمام قراءة دقيقة للواقع الجيوسياسي للمنطقة. إن التركيز على حقوق المواطنة، وتكافؤ الفرص، وتجاوز الحقبات المحافظة السابقة لا ينبغي التحليل المنهجي له بوصفه "منحة سياسية"، بل باعتباره مساراً عقلانياً مستحقاً لإعادة بناء رأس المال الاجتماعي ...

مكالمة غير متوقعة وثقة عمياء والدائرة تدور ...

تستدعي سياقات التاريخ السياسي الأمريكي، وتحديداً عند محطات التوتر الهيكلي بين السلطتين التنفيذية التشريعية، منهجية تحليلية صارمة تجرد الأحداث من الانفعال الحزبي اللحظي وتفكك المحركات المؤسسية العميقة. إن قرار مجلس النواب الأمريكي بفتح تحقيق رسمي لمعزولية الرئيس دونالد ترامب، على خلفية التسريبات المتعلقة بمكالمته الهاتفية مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لا يمثل مجرد حلقة جديدة في مسلسل الصراع الحزبي، بل يعكس أزمة بنيوية تدور حول حدود السلطة الرئاسية في السياسة الخارجية والتفسير المفتوح لمفهوم "الجرائم والجنح الكبرى" في الدستور الأمريكي. البنية الدستورية ومسألة السوابق التاريخية لتفكيك المشهد الراهن بأسلوب ينشد التجرد المؤسسي، يجب العودة أولاً إلى النص الدستوري وآليات إعماله. يمنح الدستور الأمريكي لمجلس النواب السلطة الحصرية للاتهام (الإقالة/العزل)، بينما يخص مجلس الشيوخ بصلاحية المحاكمة التي تتطلب أغلبية الثلثين للإدانة والعزل (المادة الأولى، القسم الثاني والثالث). حدد المشرع الأجنبي أسباب المساءلة بـ "الخيانة أو الرشوة أو غيرها من الجرائم والجنح الكبرى" (الما...

لحظة 1979 الكارثية: تفكيك العقد الاجتماعي المتأخر وتحولات الهيمنة في الشرق الأوسط

تتميز حركة الوعي الجمعي وديناميكيات التحول السياسي في منطقة الشرق الأوسط ببطء شديد وتأنٍ ظاهري، يخفي تحته تراكمات هيكلية مستمرة. إن العقود المجتمعية في المنطقة لا تتغير بالتدريج الناعم، بل تميل إلى الانفجار المفاجئ عند وصول الأزمات المتراكمة إلى حدها الأقصى. ومع ذلك، تشير القراءة التاريخية والسياسية الباردة إلى أن المنطقة بأسرها لم تصل بعد إلى نقطة الانفجار التأسيسية التي تدفعها نحو بناء نظام مدني حديث ومستدام؛ إذ لم تُدفع بعد «الفاتورة التأسيسية الباهظة» الكفيلة بإسقاط النماذج القديمة. وتكمن الإشكالية الهيكلية في استمرار دول المنطقة في الإدارة عبر «مزيج تقليدي» يدمج بين شرعيات السلطوية القبائلية/الجهوية والتأطير الديني الموجه. أولاً: التشكيل الجيوسياسي ومغالطة الحدث التأسيسي عند النظر في الجذور التاريخية للدولة الوطنية الحديثة في الشرق الأوسط، يغفل الطرح التبسيطي طبيعة التحولات الجيوسياسية المتتابعة. لم تكن المنطقة عشية انهيار الدولة العثمانية مقسمة وفق حدود سياسية أو كيانات وطنية موجزة بالمعنى المعاصر. إن خروج العثمانيين إبان الحرب العالمية الأولى، وما تلاه من إعلان مصطفى كمال أتاتور...

نهاية حقبة نتنياهو أم مناورة بقاء؟ قراءة في الخارطة الحزبية المأزومة في إسرائيل

تطرح نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المعقدة تساؤلاً محورياً حول مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي، وهل باتت إسرائيل على أعتاب تنصيب رئيس الوزراء رقم نيف وعشرين في تاريخها المؤسسي. تُظهر نتائج هذه الجولة تفككاً واضحاً في قبضة بنيامين نتنياهو على مشهد السلطة؛ حيث نال تحالف "أزرق أبيض" بقيادة بيني غانتس ومعه يائير لابيد 33 مقعداً، متقدماً بفاصل ضئيل على حزب "الليكود" الذي حصد 32 مقعداً. هذا التراجع لا يعكس منافسة انتخابية عابرة، بل يشير إلى بداية تشبع الشارع السياسي في تل أبيب حالة الجمود الهيكلي التي خلفها نهج نتنياهو على مدار عقود. البنية الاقتصادية والتحول نحو "الشعوبية الوقائية" إذا استقرأنا الأداء السياسي لنتنياهو عبر أداة التحليل المؤسسي والسياسات العامة، نجد أن الرجل استند منذ صعوده المستمر إلى معادلة اختزالية: تغذية الأجندة الأمنية اليمينية وتكريس مفهوم "يهودية الدولة" كغطاء لإغفال الإصلاحات الهيكلية الاقتصادية والضريبية. إن عدم الالتفات الكافي لتنمية الاقتصاد الداخلي وإصلاح الموزعة الضريبية غالباً ما يدفع بقادة المنظومة السياسية إلى ان...

تفكيك المشهد السوري: صياغة التوازنات الجيوستراتيجية وحدود الحسم العسكري

تختزل تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، حول انحسار البؤر الساخنة وتراجع التغطية الإخبارية اليومية للنزاع السوري، تحولاً بنيوياً في إدارة الأزمة؛ إذ توحي ببدء "إغلاق المشهد" العسكري لصالح ترتيبات سياسية وأمنية جديدة. يأتي هذا التحول مع صدور المرسوم التشريعي رقم 20 القاضي بالعفو العام عن بعض الجرائم المرتكبة قبل 14 أيلول/سبتمبر. وعلى الرغم من محاولة تسويق هذا المرسوم كإشارة لبدء مرحلة التعافي والاستقرار الوطني، فإن استقراء النصوص والواقع الواقعي يشير إلى أنه أداة مناورة سياسية وأمنية لامتصاص الضغوط وإعادة ضبط السيطرة الاستخباراتية دون تقديم تنازلات حقيقية في ملف المعتقلين والمغيبين قسراً. انطلقت التطورات من أزمات شرعية عميقة عانت منها نظم سياسية سلطوية وأوليغارشية افتقرت للحلول التنموية، واعتمدت الهندسة الأمنية وإشراك المؤسسات الدينية لتدعيم شرعيتها. ومع التحول في سوريا نحو المواجهة المسلحة، تبنت المعارضة وبعض فصائل "الجيش الحر" مقاربة البقاء والتحالفات البراغماتية دون حسابات الجدوى الاستراتيجية، مما فتح الباب للتطرف وأفسح المجال للتدخلات الخارجية. وبالمثل، ...

مفترق الطرق في واشنطن: هل يجرؤ ترمب على عقد صفقته الكبرى مع طهران؟

تمر السياسة الخارجية الأمريكية بمرحلة حاسمة مع تسارع الأحداث في إدارة الرئيس دونالد ترمب. بين الضغوط الاقتصاديّة المتصاعدة على إيران وحسابات الانتخابات الرئاسية القادمة، يبرز التساؤل المحوري الذي يشغل أروقة التفكير في واشنطن والعواصم القرار: هل يتحول استعراض القوة وإعادة رسم خرائط النفوذ إلى الدبلوماسية المباشرة؟ وهل يمكن لترمب أن يجلس مع الرئيس الإيراني حسن روحانی ليعقد ما يعتقده "صفقة القرن" الإقليمية؟ أولاً: بولتون والبيت الأبيض.. صراع الأيديولوجيا والبراغماتية لكي نفهم تعقيدات الموقف الراهن، ينبغي البدء من ديناميكية القرار داخل البيض الأبيض. إن تعيين جون بولتون في منصب مستشار الأمن القومي لم يكن نتاج تماثل أيديولوجي بينه وبين الرئيس، بل اقتضته توافقات تكتيكية مع جناح المحافظين التقليديين في الحزب الجمهوري. ترمب في جوهره رجل صفقات اقتصادية براغماتي، يبحث عن تقليل الإنفاق الخارجي وخفض التزامات واشنطن المباشرة، في حين يمثل بولتون مدرسة "المحافظين الجدد" الداعية للتفوق المطلق وفرض السيادة بالقوة، وهو ما تجلى تاريخياً في أروقة الإدارة الأمريكية منذ حقبة بوش الابن. لق...

هندسة الاستقرار التونسي: بين القوانين الهيكلية وواقعية الدولة

تشهد تونس لحظة فارقة في مسار انتقالها السياسي. تُمثّل المناظرات التلفزيونية الراهنة بين مرشحي الرئاسة الـ26 تحولاً نوعياً في المنطقة العربية؛ حيث يتبلور نظام تداول السلطة ليس كحدث طارئ، بل كمحصلة لمسار تراكمي تاريخي تشكّل عبر محطات مؤسسية وسياسية متتالية. إن القراءة الناقدة للتجربة التونسية تتطلب تفكيك الإرث الهيكلي للدولة الحديثة. فقد أرسى الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة دعائم دولة القانون والمؤسسات عبر مركزية سلطوية فرضت التحديث التعليمي والاجتماعي. ومع ذلك، أظهرت هذه النموذجية ثغرات صلبة في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي، حيث أدى إغلاق المجال السياسي واستفحال الفساد إلى شلل المنظومة وتعطل كفاءتها الإدارية، مما فجّر الاحتجاجات الشعبية عقب انتحار محمد البوعزيزي. ورغم حالة الاستقطاب السياسي التي تلت الثورة، جاءت فترة الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي لتعيد ضبط الإطار الدستوري عبر تعزيز استقلالية المؤسسات والقضاء. ومع ذلك، فإن إضفاء الطابع المثالي على هذه الحقبة يغفل التحديات المؤسسية المزمنة؛ فالديمقراطيات المستقرة لا تُبنى على الوعود الوردية، بل على كفاءة الضوابط والتوازنات ال...

معضلة هونغ كونغ: صراع النموذج الحداثي أمام منطق السيادة المطلقة

يقف العالم اليوم أمام نموذج جيوسياسي بالغ المعقد يتجسد في مدينة هونغ كونغ. فهذه المدينة الساحلية، التي تقع عند المصب الجنوبي لدلتا نهر اللؤلؤ، تشكل نقطة تقاطع مفصلية بين العملانية الغربية والخصوصية الآسيوية. وإن القراءة المتأنية لمنظومة التناقضات الحاكمة في بحر الصين الجنوبي تُظهر أن ما يجري في هذه البؤرة ليس مجرد احتجاجات محلية، بل صراع بنيوي بين نموذج حداثي يقوم على دولة القانون وسيادة المؤسسات، وبين منطق السلطوية المركزية السعي لنزع الخصوصية السياسية وإعادة إدماج الإقليم في الفضاء المباشر لبكين. الجذور التاريخية وتشكيل "الهوية المرنة" منذ انتهاء الحكم الإداري البريطاني عام 1997 وفق إعلان 1984 المشترك، انتقلت هونغ كونغ إلى نموذج "بلد واحد ونظامان". ورغم أن التواجد البريطاني التاريخي بدأ في سياق استعماري فرضته معادلات القوة في القرن التاسع عشر، إلا أن المجتمع المحلي استطاع إعادة توظيف تلك التجربة لبناء بنية تحتية مؤسسية ومجتمعية متقدمة. عبر الاندماج في نظام التعليم الحديث، واعتماد آليات الحوكمة المستقلة، وتأسيس سلطة قضائية تستند إلى القانون العام (Common Law)، استط...

تونس بعد الباجي قايد السبسي: صراع الموروث البورقيبي ومصائر الديمقراطية الهشة

يمثل ورحيل الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي لحظة فارقة في التطور السياسي لشمال أفريقيا، ليس فقط لكونه مغادرة لآخر العمالقة الدبلوماسيين الذين عاصروا مرحلة التأسيس الأولى، بل لأنه يطرح سؤالاً بنيوياً حول مدى قدرة المؤسسات الحديثة على الاستمرار في غياب "الرمز المهيمن". لقد ظل السبسي يمثل حلقة الوصل الأخيرة بين العقلانية الدولة-وطنية البورقيبية وبين آليات التعددية الوليدة بعد عام 2011. ومع هذا الغياب، تقف الجمهورية التونسية على مفترق طرق يتطلب تفكيكاً منهجياً لبنية الإرث البورقيبي، وحدود البراغماتية السياسية، وآفاق التوازن الحزبي. التناقض البنيوي في الإرث البورقيبي: الحداثة الفوقية وهندسة الدولة لا يمكن فهم الإستراتيجية السياسية للسبسي دون تحليل الحاضنة الأولى التي تخرج منها: التجربة البورقيبية. لقد تأسست الدولة التونسية الحديثة على يد الحبيب بورقيبة وفق نموذج حداثي تحويلي، اتسم بالصرامة العلمية والرؤية العلمانية البراغماتية، لاسيما في مجالات التعليم وتحديث الأحوال الشخصية. غير أن هذا النموذج حمل في طياته تناقضاً بنيوياً؛ فقد اعتمدت الحداثة البورقيبية على السلطوية الفوقية وشخصن...

شكرا سيدتنا أنجلينا

بين الرمزية الإنسانية والتقاطعات الثقافية: قراءة نقدية في سجالات الفن والدبلوماسية الناعمة تجسد المحطات الدبلوماسية والإنسانية للفاعلين في مجالات الفن والثقافة حالة دراسية مكثفة لفهم كيفية تقاطع "القوة الناعمة" الغربية مع الأزمات الشرق أوسطية الإنسانية المعقدة. وتبرز قصيدة الشاعر العراقي عباس جيجان -الموجهة للفنانة والمبعوثة الخاصة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنجلينا جولي- كنموذج استثنائي لكيفية استقبال الشارع العربي للتضامن الدولي؛ حيث تتنازع القراءات بين امتنان شعبي عميق للفتات الإنسانية المحسوسة، وبين ردود فعل انطباعية أو محاكمة أخلاقية تُختزل فيها الصورة في أبعاد واهية أو اتهامات مرسلة. أولاً: مفارقة البنية الإنسانية في المخيال الجمعي العربي عند تتبع السياق الذي كُتبت فيه القصيدة، نجد أن المطلع الذي صاغه جيجان بلغة شعبية مؤثرة جاء ليعبر عن حالة الفراغ الأخلاقي والمؤسسي التي تعاني منها مجتمعات النزاع. لقد أدرك الجمعي العربي أن الالتفاتة الإنسانية الغربية، حتى وإن صُنفت ضمن أطر الدبلوماسية الاستعراضية، لامست ألم اللاجئين والمهجرين بشكل مباشر وميداني. ومع ذ...