مفترق الطرق في واشنطن: هل يجرؤ ترمب على عقد صفقته الكبرى مع طهران؟
تمر السياسة الخارجية الأمريكية بمرحلة حاسمة مع تسارع الأحداث في إدارة الرئيس دونالد ترمب. بين الضغوط الاقتصاديّة المتصاعدة على إيران وحسابات الانتخابات الرئاسية القادمة، يبرز التساؤل المحوري الذي يشغل أروقة التفكير في واشنطن والعواصم القرار: هل يتحول استعراض القوة وإعادة رسم خرائط النفوذ إلى الدبلوماسية المباشرة؟ وهل يمكن لترمب أن يجلس مع الرئيس الإيراني حسن روحانی ليعقد ما يعتقده "صفقة القرن" الإقليمية؟
أولاً: بولتون والبيت الأبيض.. صراع الأيديولوجيا والبراغماتية
لكي نفهم تعقيدات الموقف الراهن، ينبغي البدء من ديناميكية القرار داخل البيض الأبيض. إن تعيين جون بولتون في منصب مستشار الأمن القومي لم يكن نتاج تماثل أيديولوجي بينه وبين الرئيس، بل اقتضته توافقات تكتيكية مع جناح المحافظين التقليديين في الحزب الجمهوري. ترمب في جوهره رجل صفقات اقتصادية براغماتي، يبحث عن تقليل الإنفاق الخارجي وخفض التزامات واشنطن المباشرة، في حين يمثل بولتون مدرسة "المحافظين الجدد" الداعية للتفوق المطلق وفرض السيادة بالقوة، وهو ما تجلى تاريخياً في أروقة الإدارة الأمريكية منذ حقبة بوش الابن.
لقد يتجاوز دور مستشار الأمن القومي المفهوم التقليدي القائم على جمع البيانات ورفع توصيات محايدة للرئيس، ليمارس بولتون دوراً ينزع نحو توجيه مسار السياسة الخارجية وفرض أجندته الخاصة، مستغلاً حساسية المرحلة الاستحقاقية المرتقبة. إلا أن هذه الفجوة الهيكلية بين اندفاع المستشار وصبر الرئيس التكتيكي بدأت تحدث احتكاكاً، لا سيما مع رغبة ترمب المعلنة في تحقيق إنجازات تفاوضية يترجمها إلى مكاسب انتخابية، في مقابل خط يبحث عن إخضاع الخصم بالكامل.
ثانياً: "الضغط الأقصى".. النجاح الاقتصادي والفشل الإستراتيجي
منذ خروج واشنطن من الاتفاق النووي وتفعيل استراتيجية "الضغط الأقصى"، نجحت الإدارة الأمريكية في إلحاق أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني. لقد انهارت قيمة الريال الإيراني، وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، وتراجعت صادرات النفط نحو مستويات الصفر تجارياً.
غير أن تقييم هذه الاستراتيجية وفق معايير الجيوسياسية يكشف عن فجوة بين الهدف والنتيجة:
* المتغير الصيني: لم يؤد الخنق الاقتصادي إلى إرغام طهران على الاستسلام السياسي، وذلك يعود جزئياً إلى وجود متنفّس جيوسياسي تمثله بيكين. الصين، المخوضة في حرب تجارية شرسة مع واشنطن، تجد في بقاء الملف الإيراني مشتعلاً أداة تشتيت ممتازة تتوزع بها الجهود الأمريكية بعيداً عن بحر الصين الجنوبي وشبه الجزيرة الكورية.
* المعادلة السورية والترتيبات الإقليمية: تُظهر التفاهمات ضمن المثلث الروسي-الإسرائيلي-الإيراني أن تقليم أظافر طهران في سوريا يتم عبر موازنات نفوذ دقيقة بين موسكو وتل أبيب، وليس فقط عبر التلويح بالعصا الأمريكية.
* تعثر الوساطات: أخفقت الوساطات الألمانية واليابانية في إحداث اختراق ملموس، نتيجة التمسك الأمريكي بفرض كامل العقوبات كشرط مسبق لأي حوار، ورؤية إيران أن أي تفاوض تحت مبدأ الشروط المفروضة هو استسلام بلا مقابل.
ثالثاً: المقترح الفرنسي واللغط المالي.. تفكيك السرديات
تداولت الأوساط السياسية مقترحاً تقوده باريس لإنشاء خط إئتماني بقيمة 15 مليار دولار بضمان النفط الإيراني، لتشجيع طهران على العودة الكاملة لالتزاماتها النووية التي بدأت بالتحلل منها. المقترح حظي بردود فعل متباينة؛ فالخارجية الأمريكية عبر وزيرها مايك بومبيو أكدت الاستعداد للحوار دون شروط مسبقة، مع الرفض القاطع لرفع العقوبات كشرط جلوس على الطاولة، فيما تشترط إيران ضخ السيولة أو رفع القيود النفطية لبدء أي مسار تفاوضي.
وفي هذا السياق، تطرح التناقضات السائدة في الخطاب السياسي الأمريكي علامات استفهام حول الآلية المعتمدة في التعامل مع إيران، لا سيما عند مقارنتها بسوابق تاريخية وأرقام يجري تداولها بقراءات مختلفة:
* الأصول المحررة مقابل التمويل المباشر: يكثر الجدل حول ما قدمته إدارة باراك أوباما عقب التوصل للاتفاق النووي عام 2015. إن الحديث عن تقديم "50 مليار دولار أو أكثر" لطهران كـ"دفعات" يحتاج إلى دقة منهجية؛ فالأمر يتعلق في أصله بأصول وأموال إيرانية مجمدة في بنوك عالمية جرى الإفراج عنها كجزء من التزامات رفع العقوبات المفروضة، إضافة إلى تسوية قضية تحكيم مالية قديمة تعود لمشتريات عسكرية قبل عام 1979.
* سردية الصفقة الروسية (Uranium One): تشهد الأروقة السياسية تداول اتهامات تتعلق ببيع حصص في شركات يورانيوم لروسيا بقيمة 150 مليون دولار في عهد أوباما. القراءة الدقيقة للملف تدلل على أن الصفقة اختصت بشركة "يو آر Asia" وتطلبت موافقة لجنة الاستثمارات الخارجية (CFIUS) المتعددة الوكالات، دون أن تتضمن نقلاً مباشراً لليورانيوم الخام خارج الأراضي الأمريكية لروسيا.
تؤكد هذه الشواهد التاريخية أن التكلفة السياسية والتنظيمية لأي تسوية مالية مع إيران أو غيرها تُصنع دائماً ضمن تعقيدات تشريعية ومؤسسية، وليست مجرد قرارات فردية تصدر من المكتب البيضاوي.
رابعاً: هل يفعلها ترمب؟
تتجه الأنظار نحو البيت الأبيض في ظل التغييرات المرتقبة في هيئة المستشارين ورغبة الإدارة في تقديم نموذج نجاح خارجي قبيل الاستحقاق الرئاسي.
* السيناريو الأول (اللقاء المشروط): أن يتراجع أحد الطرفين خطوة للوراء؛ فتوافق واشنطن على تخفيف جزئي ومرحلي للعقوبات عبر "ممر إنساني" أو تفعيل الاستثناءات النفطية (كما يطرح المقترح الفرنسي)، مقابل جلوس روحاني والتزام طهران بالحدود النووية.
* السيناريو الثاني (لقاء الشكل بلا مضامين): أن يعقد ترمب لقاءً تاريخياً لالتقاط الصور دون تقديم تنازلات مالية جوهرية، مستغلاً اللقاء كرسالة للداخل الأمريكي بأنه قادر على جلب أعتى الخصوم إلى طاولة التفاوض، وهو أسلوب استخدمه سابقاً في الملف الكوري الشمالي.
* السيناريو الثالث (استمرار الانسداد): تمسك طهران بشرط الرفع الكامل للعقوبات مسبقاً، واقتناع واشنطن بأن تقديم أي مرونة مالية يمثل انكساراً لاستراتيجية الضغط الأقصى، مما يرحل الملف برمته إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية.
الخلاصة
إن دونالد ترمب، المدفوع بحسه التجاري ورغبته في إنجاز صفقة إعلامية وسياسية كبيرة، يمتلك الجرأة على كسر الأعراف الدبلوماسية والجلوس مع حسن روحاني. لكن نجاح هذه الخطوة يظل مرهوناً بقدرة الإدارة على إدارة التوازنات الداخلية بين أجنحة الصقور وداعمي البراغماتية، إضافة إلى حدود المقدرة الإيرانية على التنازل دون ضمانات ملموسة. الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت واشنطن ستختار استمرار الضغط المفتوح، أم أنها ستشهد دراما جديدة في الدبلوماسية الرئاسية.
Comments
Post a Comment