شبح المأزق المؤسسي: كيف تهاوت "العقلانية البرلمانية" في شباك الشعبوية الإنجليزوسكسونية؟

معهد الدراسات التحليلية والسياسات الدولية
في الذروة التاريخية لمحاولات إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية لقارة أوروبا عقب سقوط جدار برلين، دار حوار يختزل صدام فلسفتين سياسيتين حول مفهوم "السيادة"؛ إذ يُروى أن المستشار الألماني المهندس هيلموت كول خاطب رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر محذراً أثناء التمهيد لتأسيس معاهدة ماستريخت والسوق الأوروبية الموحدة: "إقرأي يا سيدة تاتشر قبل أن توقّعي، فدخول هذا التكتل ليس كخروجه". أجابته تاتشر بصلابة السيادة المطلقة المشهورة عنها: "نحن قوة عظمى، ونعرف كيف نخرج وقتما نشاء".
هذا الصدام لم يكن مجرد اختلاف في أسلوب التفاوض، بل كان تجسيداً للفجوة بين العقلانية المؤسسية الألمانية (Ordnungspolitik)—التي ترى التكتلات التزاماً هيكلياً طويل الأجل يقوم على تعايش القوى وتكاملها عبر الأطر القانونية الدقيقة—وبين الاستثنائية البريطانية (British Exceptionalism) القائمة على أسبقية الإرادة المنفردة، والتي عبّر عنها الدبلوماسي الأمريكي ورئيس البنك الدولي السابق روبرت زوليك حين وصف العلاقات بين كول وتاتشر بأنها أكثر العلاقات السياسية أزمة وتوتراً في تاريخ التكتل الغربي.
اليوم، تجد المملكة المتحدة نفسها مكبلة بأزمة "البريكست"، ليس فقط كعملية طلاق معقدة مع البيروقراطية الأوروبية في بروكسل، بل كزلزال أعمق ضرب الأعراف الدستورية التقليدية التي قام عليها نظام "وستمنستر" منذ قرون.
أولاً: الليبرالية الاقتصادية في مواجهة الانتهازية السياسية
تستدعي القراءة المتأنية لمسار الأزمة فحص التحول داخل حزب المحافظين. عقب استقالة جوردون براون وانتهاء حقبة العمال، تمخّض ائتلاف عام 2010 بين المحافظين والديمقراطيين الأحرار عن رؤية تحررية تميل لنظام السوق المفتوح. وكان رئيس الوزراء ديفيد كاميرون ينتمي في عمقه السياسي إلى الليبرالية الوسطية التي تدرك تماماً أن الاقتصادات الحديثة تعمل عبر العقد الملتزم، وأن الاندماج في سلاسل التوريد الأوروبية ليس خياراً شرفياً بل واقعاً بنيوياً.
لكن المأزق اليعقوبي ظهر عندما استسلم كاميرون للضغط الراديكالي الداخلي، محاولاً الاستفتاء كوسيلة لتصفية الخلافات الحزبية الضيقة. وهنا أخطأت المؤسسة البريطانية تقدير الحسابات الستراتيجية؛ إذ اصطدم العرف الدستوري القائم على مرونة "المزاجية البرلمانية" بمد يميني هجين قاده نايجل فراج من خلال حزب الاستقلال ثم حزب بريكست.
فراج لم يطرح الخروج كعقد اقتصادي مجرد، بل كعملية تفكيك كاملة للمؤسسة الحاكمة (Anti-Establishment). وفي مقابلة صريحة مع صحيفة Der Spiegel عشية الانتخابات الأوروبية لعام 2019، صرّح فراج بوضوح: "المسألة لا تقتصر على الخروج من الاتحاد الأوروبي، بل تستهدف النظام السياسي بأكمله.. نريد إلغاء مجلس اللوردات الممتلئ بمئات الموالين للطبقة الحاكمة من أصدقاء توني بلير وديفيد كاميرون، وتطبيق الاستفتاءات المباشرة على النمط السويسري لكسر احتكار الحزبين".
كان هذا الخطاب يعبر عن تحول المفهوم الليبرالي الكلاسيكي إلى شعبوية راديكالية تستغل ثغرات النظام الانتخابي وتهاجم المؤسسات البنيوية للدولة.
ثانياً: معضلة النظام البنيوي – العقلانية الألمانية في مواجهة "المزاج السائد"
من منظور التحليل المؤسسي الألماني، تكشف أزمة البريكست عن عيب هيكلي في غياب الدستور المكتوب ذي النصوص الصلبة في بريطانيا؛ حيث أعطى سيادة البرلمان المطلقة وهم القدرة على التراجع عن التزامات دولية معقدة دون وجود آليات حماية استراتيجية.
 * شلل المؤسسات الحاكمة: بات الشلل هو السمة البارزة للمؤسسات اللندنية؛ فالشعب قال "نعم" للخروج عبر الاستفتاء، ومجلس العموم بقي مقسوماً وغير قادر على التوافق حول شكل الاتفاق، بينما حاول مجلس اللوردات استخدام صلاحياته لمنع الخروج دون اتفاق لحماية الاقتصاد.
 * عزلة داونينغ ستريت: استمرار الصراع بين الغرفة رقم 10 في داونينغ ستريت وأروقة قصر وستمنستر، وسط صمت باكينغهام الملتزم بالحياد الدستوري الصارم، كشف عن انعدام الرؤية الموحدة لدى الطبقة السياسية البريطانية.
 * الصرامة الأوروبية: في المقابل، تعامل الاتحاد الأوروبي بإدارة ألمانية صارمة: "تحديد الالتزامات المالية أولاً، وضمان حدود إيرلندا الشمالية ثانياً، ثم تنظيم العلاقات المستقبلية". رفض بروكسل للارتباك البريطاني جاء ليرسخ مبدأً قانونياً مفاده أن السوق الموحدة والحريات الأربع وحدة لا تجزأ.
ثالثاً: مفارقة التفكك الإمبراطوري – من تقسيم العالم إلى مخاطر التفتت الداخلي
المفارقة الأكثر إيلاماً في المشهد البريطاني الراهن تكمن في البعد الجيوسياسي الداخلي. فالإمبراطورية التي صممت الحدود الجغرافية للعديد من دول العالم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين بناءً على منطق القوة العظمى، تجد نفسها اليوم مهددة بالتفكك الذاتي دون أي تدخل خارجي.
 * المأزق الاسكتلندي: مع تصويت غالبية الشعب الاسكتلندي لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، تحول البريكست إلى الوقود الأكبر للنزعة الاستقلالية في إدنبرة، حيث أصبحت المطالبة باستفتاء ثاني للاستقلال مبررة قانونياً واقتصادياً للعودة إلى أحضان التكتل الأزرق.
 * الشرخ الإيرلندي: وضع البريكست "اتفاق الجمعة العظيمة" لعام 1998 على المحك، مفروضاً خياراً أحلاهما مرّ: إما حدود جمركية بين إيرلندا الشمالية وبريطانيا العظمى (ما يمس بشرعية المملكة الموحدة)، أو حدود صلبة مع جمهورية إيرلندا (ما يهدد بعودة الصراع الأهلي).
النتيجة: كلفة الانفصال عن الواقعية السياسية
أثبتت الممارسة السلوكية للأزمة أن القوة العظمى لا تُقاس فقط بالإرادة المنفردة أو بإرث الماضي الاستعماري، بل بالقدرة على إدارة الانتماء في عالم معولم يعتمد على سلاسل التوريد المتشابكة والتكتلات الاقتصادية الكبرى.
لقد توهمت لندن أنها تستطيع جمع المحاسن فقط: دخول أورو-مجاني للأسواق دون الالتزام بقواعد حرية الحركة أو القيود التنظيمية. لكن الحقيقة التي استشرفها هيلموت كول هي أن الكلفة السياسية والاقتصادية للخروج قد تتجاوز بكثير كلفة التكيف الداخلي.
بين أنفة الكرامة الوطنية التي تغذى عليها الشارع الشعبوي، وخطر التجزئة البنيوية لمؤسسات المملكة وجغرافيتها، تقف بريطانيا اليوم أمام مرآة تاريخها: إمبراطورية أراحتها الشمس عن باقي القارة، فنست أن تتسلح بمرهم الواقعية السياسية وقواعد التوزان الدولي قبل أن تخوض تجربة الانعزال.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?