تفكيك المشهد السوري: صياغة التوازنات الجيوستراتيجية وحدود الحسم العسكري

تختزل تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، حول انحسار البؤر الساخنة وتراجع التغطية الإخبارية اليومية للنزاع السوري، تحولاً بنيوياً في إدارة الأزمة؛ إذ توحي ببدء "إغلاق المشهد" العسكري لصالح ترتيبات سياسية وأمنية جديدة. يأتي هذا التحول مع صدور المرسوم التشريعي رقم 20 القاضي بالعفو العام عن بعض الجرائم المرتكبة قبل 14 أيلول/سبتمبر. وعلى الرغم من محاولة تسويق هذا المرسوم كإشارة لبدء مرحلة التعافي والاستقرار الوطني، فإن استقراء النصوص والواقع الواقعي يشير إلى أنه أداة مناورة سياسية وأمنية لامتصاص الضغوط وإعادة ضبط السيطرة الاستخباراتية دون تقديم تنازلات حقيقية في ملف المعتقلين والمغيبين قسراً.
انطلقت التطورات من أزمات شرعية عميقة عانت منها نظم سياسية سلطوية وأوليغارشية افتقرت للحلول التنموية، واعتمدت الهندسة الأمنية وإشراك المؤسسات الدينية لتدعيم شرعيتها. ومع التحول في سوريا نحو المواجهة المسلحة، تبنت المعارضة وبعض فصائل "الجيش الحر" مقاربة البقاء والتحالفات البراغماتية دون حسابات الجدوى الاستراتيجية، مما فتح الباب للتطرف وأفسح المجال للتدخلات الخارجية. وبالمثل، اتبع النظام الاستراتيجية ذاتها لإدارة بقائه عبر استدعاء النفوذ الخارجي وتسيير مقدرات الدولة لصالح استمرارية الحكم.
أنتج هذا الاستقطاب خسائر مادية وبشرية هائلة، حيث تشير تقارير البنك الدولي الصادرة حول الخسائر التراكمية في سوريا إلى تضرر ملموس في رأس المال الفردي والبنية التحتية، مع تقدير تكاليف الأضرار الفيزيائية المباشرة بعشرات المليارات وإجمالي احتياجات إعادة الإعمار بأرقام تتجاوز مئات المليارات، فضلاً عن تهجير ونزوح ما يقارب نصف السكان.
تدافع النفوذ الدولي والتوازن الإقليمي
تكشف القراءة الاستراتيجية لخرائط النفوذ عن صياغة موسكو لنموذج إدارة أزمات يعتمد على الواقعية السياسية (Realpolitik)؛ حيث وظفت حضورها العسكري في شرق المتوسط لتعزيز موقعها التفاوضي أمام واشنطن الغارقة في ملفات توازن القوى مع الصين والشرق الأوسط. وفي السياق ذاته، استغلت موسكو حاجة النظام للغطاء الدولي لتنظيم حدود النفوذ الإيراني عبر تفاهمات وتنسيق أمني وعسكري رفيع مع إسرائيل لتجنب التصادم المباشر وضمان عدم تحويل سوريا إلى رأس حربة كامل لإيران، مما حال دون سيناريو فرض نفوذ هيstructure إقليمي مطلق لطهران.
ورغم محاولات فرض أمر واقع جديد، تبقى التحديات البنيوية قائمة وتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبليات الأزمة:
 * الدستور والشرعية المؤسسية: هل تلبي التعديلات الدستورية المتوقعة متطلبات الانتقال السياسي الشامل، أم ستقتصر على ترتيبات شكليّة تشرعن الوضع القائم؟
 * إدارة الحدود والنفوذ الشمالي: كيف سيُدار التواجد التركي في الشمال وضبط صياغة العلاقات الأمنية والعسكرية على الحدود؟
 * الملف الكردي والشمال الشرقي: ما هي حدود التكيف بين الإدارة الذاتية والتمدد المركزي للدولة في ظل متغيرات الدعم الميداني؟
 * معادلة الديموغرافيا وإعادة الإعمار: هل تمهد التفاهمات السياسية لعودة طوعية وآمنة للاجئين والمهاجرين، أم ستستمر حالة التفريغ السكاني وتآكل القدرة الإنتاجية للأجيال الشابة؟
إن الوصول إلى الاستقرار المستدام لا يرتبط بإغلاق شاشات الأخبار العاجلة أو إعلان حسم مسلّح، بل يتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس المواطنة وسادة القانون، بعيداً عن أوهام الحسم العسكري الأحادي.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban