هندسة الشرعية السياسية: بين إدارة الأزمات وسيكولوجية الجماهير في الأردن

تُظهر أدبيات العلاقات العامة والعلوم السياسية أن الأزمات الكبرى لا تُدار فقط بالحلول التقنية، بل بمدى القدرة على التواصل المباشر وإعادة بناء الثقة مع الشارع. يمتد هذا المفهوم إلى بدايات تأسيس العلاقات العامة الحديثة؛ حيث يُحكى غالباً كيف استطاع الرائد التنفيذي إيفي لي (Ivy Lee) في أوائل القرن العشرين إعادة تشكيل النمط الإعلامي لقطاع الشركات الأغنى والأشد نفوذاً، عبر الانتقال من التكتم والإنكار إلى إستراتيجية الشفافية والمكاشفة لبناء رصيد شعبوي ودعم جماهيري في أوقات التعثر.
غير أن التحدي الأساسي في إدارة الشأن العام لا يقف عند حدود الخطاب الإعلامي الذكي، بل يتعداه إلى القواعد الناظمة لسيكولوجية الجماهير. وكما طرح الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه التأسيسي "سيكولوجية الجماهير"، فإن الجموع في لحظات احتقانها تفكر عبر الانفعالات والتصورات المباشرة لا عبر الاستدلال العقلاني الصارم. فالجماهير لا تبحث بالضرورة عن المعرفة المجردة، بقدر ما تبحث عن خطابيّة مقنعة تُعيد ترتيب الواقع وتمنح المظالم الفردية والجمعية إطاراً مفهوماً.
في هذا السياق، يبدو المشهد السياسي والاقتصادي الأردني حاجةً ماسة لاستيعاب هذه الديناميكية. يواجه الشارع حالة سخط متزايدة تُعزى في المقام الأول إلى القضايا الثلاث الأكثر إثارة للازمات: أزمة المياه المتفاقمة، معدلات البطالة المرتفعة، والعبء الضريبي المتزايد. غير أن العلة لا تكمن حصراً في الأرقام الاقتصادية أو الشح المائي، بل في غياب "الولاية العامة" الناجزة والشخصية القيادية المطلقة التي تمتلك الحصافة والقدرة على شرح الواقع بجرأة وشجاعة موضوعية تُقنع الشارع المحتقن.
عندما يتحدث المسؤول في وسائل الإعلام دون أن يعكس امتلاكه سلطة اتخاذ القرار ومسؤوليته المباشرة عنه، ينشأ انطباع لدى الجمهور بغياب المساءلة المؤسسية. وفي الأزمات السياسية، يؤدي غياب المساءلة والتواصل غير المباشر إلى تآكل الرصيد الرمزي والشعبي، وتراجع فاعلية الشعارات الوطنية التجريدية التي لم تعد وحدها كافية لتأمين متطلبات المعيشة اليومية للطبقات المتوسطة والفقيرة.
ويتجلى هذا الخلل الوظيفي بوضوح في طريقة التعاطي مع ملف التعليم ومكانة المعلم. يُعتبر المعلم في النظم المؤسسية الحديثة حارس الاستقرار الاجتماعي وباني رأس المال البشري؛ إذ تدرك القوى الدولية والإقليمية المشهد بوضوح، فترى دولاً كألمانيا تضع التعليم والمعلم في أعلى سلم الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، وحتى في النظم ذات البنية المركزية كالمؤسسات الروسية يُمنح المعلم مكاناً بروتوكولياً يرمز لمكانة المعرفة في بناء الدولة. إن النظر إلى أزمة المعلم كعارض اجتماعي بدلاً من كونها أولوية استراتيجية تتطلب معالجة حاسمة في الميدان قبل استئناف الحياة السياسية والتنموية الطبيعية، يُعد قراءة ناقصة لمعادلة الاستقرار الداخلي.
تكمن الإيجابية في أن الدولة الأردنية تمتلك مؤسسات راسخة ومساحة مانوَر كافية لتجاوز الانسداد الحالي، شريطة تبني عقلانية سياسية جديدة. تتطلب هذه العقلانية التركيز على الحوكمة المبنية على الأدلة والتحليل المادي لواقع المشكلات، بدلاً من الاعتماد على المسكنات المؤقتة.
إن المخرج من حالة الاحتدام يتطلب خطوتين متوازيتين:
 * تفعيل الولاية العامة: منح السلطة التنفيذية صلاحية كاملة ومسؤولة إعلامياً وسياسياً، بما يعيد بناء الثقة والمكاشفة مع المواطن.
 * إدارة القضايا الهيكلية بعقلانية وتكنوقراطية: وضع خطط واقعية وملموسة لمعالجة ثنائية البطالة والضرائب، وإيجاد استراتيجيات مائية مستدامة تعتمد على الحوكمة والحلول العلمية الحديثة.
إن التحديث السياسي والاقتصادي الحقيقي ليس مجرد استحقاق إداري، بل هو شرط أساسي للحفاظ على استقرار الدولة وبناء استجابة مرنة ومتوازنة لمتطلبات المستقبل.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban