هندسة الاستقرار التونسي: بين القوانين الهيكلية وواقعية الدولة
تشهد تونس لحظة فارقة في مسار انتقالها السياسي. تُمثّل المناظرات التلفزيونية الراهنة بين مرشحي الرئاسة الـ26 تحولاً نوعياً في المنطقة العربية؛ حيث يتبلور نظام تداول السلطة ليس كحدث طارئ، بل كمحصلة لمسار تراكمي تاريخي تشكّل عبر محطات مؤسسية وسياسية متتالية.
إن القراءة الناقدة للتجربة التونسية تتطلب تفكيك الإرث الهيكلي للدولة الحديثة. فقد أرسى الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة دعائم دولة القانون والمؤسسات عبر مركزية سلطوية فرضت التحديث التعليمي والاجتماعي. ومع ذلك، أظهرت هذه النموذجية ثغرات صلبة في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي، حيث أدى إغلاق المجال السياسي واستفحال الفساد إلى شلل المنظومة وتعطل كفاءتها الإدارية، مما فجّر الاحتجاجات الشعبية عقب انتحار محمد البوعزيزي.
ورغم حالة الاستقطاب السياسي التي تلت الثورة، جاءت فترة الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي لتعيد ضبط الإطار الدستوري عبر تعزيز استقلالية المؤسسات والقضاء. ومع ذلك، فإن إضفاء الطابع المثالي على هذه الحقبة يغفل التحديات المؤسسية المزمنة؛ فالديمقراطيات المستقرة لا تُبنى على الوعود الوردية، بل على كفاءة الضوابط والتوازنات القانونية.
ثنائية العقلانية الدستورية وسيكولوجية الجماهير
في ضوء التنافس السياسي الحالي، تظهر الضرورة الملحة لضبط آليات تداول السلطة وحمايتها من الانجراف ونحو الشعبوية. يشير الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير إلى أن "المؤامرة قد تطيح بالطاغية، ولكن ماذا تستطيع أن تفعل ضد عقيدة راسخة؟". تتجلى خطورة هذا الطرح في الاندفاع نحو دغدغة عواطف الشارع على حساب دولة القانون.
إن حماية النمط الديمقراطي ترتكز على ترسيخ "عقيدة التداول السلمي والسلس للسلطة"، وفي مقدمة ذلك تثبيت تقييد المدد الرئاسية كقاعدة دستورية صارمة لا تخضع للمناورة. إن الأدوات السياسية التي تُثير الحافز النقدي لدى العامة قد تتحول سريعاً إلى أدوات سخط عارم إذا فشلت الطبقة السياسية في تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
الأولويات الجيوسياسية والاقتصادية
لضمان نجاح التجربة التونسية وتحويلها إلى نموذج متماسك، تتحدد الإستراتيجية المطلوبة في ثلاث أولويات رئيسية:
* الملف الأمني وضبط الحدود: يفرض الجوار الجغرافي المباشر مع ليبيا تحديات أمنية معقدة تتطلب التنسيق بين الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية لحماية حدود الدولة والتصدي لتهديدات الجماعات المسلحة، مع الحفاظ على التوازن بين مقتضيات الأمن وحماية الحريات.
* التحديث الاقتصادي الشامل: يكمن الاختشاش الحقيقي للنظام التونسي في اقتصاده الركودي. تتطلب المرحلة الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى التحفيز الهيكلي للقطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة المبتكرة، وزيادة تدفق الاستثمارات المباشرة وتحسين بيئة الأعمال بعيداً عن المديونية المفرطة.
* دبلوماسية البراغماتية المتعددة الأبعاد:
* العلاقة مع فرنسا: يتوجب إعادة بناء العلاقات التاريخية مع باريس على أساس الشراكة النفعية المتكافئة والاستقلالية الاقتصادية.
* العمق الأفريقي: استغلال موقع تونس الجغرافي كبوابة استراتيجية نحو القارة الأفريقية لتعزيز التبادل التجاري والدبلوماسي.
* الفضاء العربي والإسلامي: تبني سياسة خارجية انفتحيّة قائمة على المصالح المتبادلة دون الانخراط في المحاور الإقليمية، مع استغلال ثقل تونس في التكتل المغاربي كركيزة للتعاون الثقافي والاقتصادي.
ملف الحريات الفردية وتعددية الهوية
على الصعيد المجتمعي والتعددي، يتطلب بناء الدولة المدنية تجاوز الخطابات التقليدية وترسيخ منظومة الحريات الشخصية والفردية. تحظى تونس بتنوع فريد يجمع بين الموروث الأمازيغي والتاريخ اليهودي والمسيحي والثقافات المتوسطية، مما يستوجب حماية حقوق كافة الأقليات وحرية المعتقد والضمير كركائز أساسية لدولة المواطنة.
تستدعي المرحلة قراءة نقديّة للخطاب السياسي المعاصر؛ إذ أخفق عدد من المرشحين البارزين—ومنهم الرئيس السابق المنصف المرزوقي، والشيخ عبد الفتاح مورو كأول مرشح رسمي لحركة النهضة—في التطرّق الجاد لملف الحريات الفردية واستقلالية الهياكل الكاتبة للسياسات العامة.
إن نجاح "الحكاية التونسية" مرهون بالانتقال من الخطاب الشفاهي إلى البناء المؤسسي العقلاني، واستكمال إرساء المحكمة الدستورية، وضمان استقلالية اللجان التشريعية، ليكون القانون المنظم والضامن الحقيقي للاستقرار والازدهار.
Comments
Post a Comment