هل انتصرنا حقا ل #إسراء_غريب؟!
مأزق العدالة الإجرائية: قضية إسراء غريب وتفكيك البنية التحتية للقهر المؤسسي والاجتماعي
شكلت المؤتمرات الصحفية والإعلانات الرسمية للنيابة العامة الفلسطينية نقطة تحول ظاهرة في التعاطي مع قضية الشابة إسراء غريب؛ إلا أن القراءة الفاحصة لردود الفعل الرسمية والمجتمعية تثير تساؤلاً هندسياً حاسماً: هل أدى توجيه تهمة "الضرب المفضي إلى الموت" وتحريك لائحة الاتهام بحق ثلاثة متهمين إلى تحقيق العدالة بالفعل، أم أنه أنتج نوعاً من "العدالة الصورية" التي تُخفي تحت أركانها أزمة بكتيرية تتغذى على الهياكل العشائرية والقوانين البالية؟
إن التحليل البنيوي لنظام العدالة الجنائية في الضفة الغربية يستدعي الابتعاد عن السرديات العاطفية والتأطير الجنائي الضيق، والانتقال نحو تفكيك آليات الاشتغال المؤسسي والاجتماعي التي أنتجت هذه المأساة.
قصور التوصيف الجنائي وثقوب المنظومة القانونية
تجلت المعضلة الأولى في التكييف القانوني للواقعة. إن توجيه النيابة العامة اتهاماً يستند إلى المادة (330) من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 المعمول به في الضفة الغربية — المتصلة بالضرب الجسيم المفضي إلى الموت دون قصد القتل — يمثل تقليصاً إجرائياً لجريمة مركبة اشتملت على التعذيب المادي والمعنوي الممتد.
يفتح هذا التكييف ثغرة منهجية يستفيد منها الجناة عبر آليات تخفيف الأحكام؛ إذ يتيح النظام القانوني الحالي إمكانية الاستناد إلى "إسقاط الحق الشخصي" من قبل ولي الأمر أو الورثة، وهو ما يحول العقوبة من عقوبة رادعة إلى عقوبة رمزية. إن إغفال النيابة العامة لتتبع "التحريض الكيدي" والأدوار التأديبية التي لعبتها الأطراف الممتدة في العائلة الممتدة يعكس عجز التحقيق التقليدي عن إدراك العنف الممنهج كفعل جماعي متكامل الأركان.
من جانب آخر، كشفت الحادثة عن هشاشة العصب الإداري والمؤسسي داخل المنظومة الصحية والشرطية. إن وقوع اعتداءات جسدية ونفسية مثبتة داخل أروقة مستشفى حكومي، دون تحرك فوري ومباشر من الطواقم الطبية أو موظفي إنفاذ القانون لتوفير الحماية الأمنية الكاملة للمجني عليها، يوضح غياب البروتوكولات الفاعلة لحماية الضحايا وتفعيل آليات التبليغ الإجباري عن حالات العنف الأسري.
الهيمنة العشائرية والتحالف المصلحي مع السلطة
لا يمكن فصل قضية إسراء غريب عن سياق أعمق يتعلق بطبيعة إدارة المجتمع في الأراضي الفلسطينية. تُظهر الأزمة كيف تعتمد السلطات السياسية والأمنية على العشائرية كأداة للضبط الاجتماعي واستتباب الأمن، مما ينتج تحالفاً غير معلن يمنح العُرف القَبلي نفوذاً يوازي القانون الرسمي أو يتفوق عليه في كثير من الأحيان.
تتحول العائلة الممتدة وفق هذا المفهوم إلى "مؤسسة عقابية صغيرة" تمتلك سلطة التأديب والضبط وتحديد المساحة المتاحة للمرأة في الفضاء العام والخاص. وما ممارسة الدجل والشعوذة كغطاء للتعذيب إلا إحدى الأدوات الثقافية الموظفة لإضفاء الشرعية على العنف وإعادة إنتاجه.
التقييم الناقد: إيجابيات المسار وسلبيات الجمود
عند النظر إلى المشهد بنظرة موضوعية متوازنة، يمكن رصد تحولات إيجابية وسلبية على حد سواء:
* المكاسب والإيجابيات:
* تكسير الجدار المجتمعي: كسر حاجز الصمت والتستر الذي كان يحيط بالجرائم الأسرية، وتحويل قضية العنف ضد المرأة من "شأن عائلي خاص" إلى قضية رأي عام وطني وإقليمي فرضت نفسها على الأجندة السياسية.
* الضغط الإجرائي: إجبار مؤسسات النيابة العامة والقضاء على التعامل بشفافية أعلى، وإصدار بيانات تفصيلية لمواجهة الروايات العائلية المضللة (كادعاء السقوط من الشباك).
* الإخفاقات والسلبيات:
* الغياب التشريعي: الاستمرار في تأجيل إقرار قانون شاملاً لحماية الأسرة من العنف، والإبقاء على قوانين عقوبات تعود إلى منتصف القرن الماضي تحمل ثغرات إجرائية واسعة.
* الردع الصوري: الاكتفاء بملاحقة منفذي الاعتداء المباشر دون تفكيك المنظومة التحريضية أو المساءلة المؤسسية للتقصير في حماية الضحية أثناء فترة استشفائها.
آفاق الإصلاح المطلوب
إن تحقيق العدالة الحقيقية لإسراء غريب — ولكل حالة مشابة — لا يتأتى عبر حلول عقابية فردية أو صدور أحكام قضائية بحق الجناة المباشرين فحسب. إن العدالة الإجرائية الحقيقية تتطلب إصلاحاً هيكلياً موجهاً نحو ثلاثة محاور رئيسية:
* إصلاح التشريعات: إقرار قانون عصري لحماية الأسرة، يلغي إمكانية الاستناد إلى إسقاط الحق الشخصي في جرائم العنف الأسري والقتل، ويُجرّم التحريض بكافة أشكاله.
* تطوير الحماية المؤسسية: إنشاء آليات إنقاذ سريعة ومستقلة تتبع الشرطة وتعمل بالتنسيق مع القطاع الصحي لحماية المستهدفين بالعنف فور صدور أي مؤشر خطر.
* تفكيك السطوة العرفية: إنهاء الاستثمار السياسي في العرافة والعشائرية على حساب دولة القانون، وإخضاع الفضاء العام لسيادة القانون الفردي والمواطنة الكاملة.
بدون هذه المراجعة الشاملة للبنية التشريعية والاجتماعية، ستبقى الملاحقات القضائية مجرد معالجات موضعية لعوارض مرض عميق، ولن نكون قد انتصرنا لإسراء إلا بإغلاق النافذة التي يتسلل منها العنف الممنهج.
Comments
Post a Comment