نهاية حقبة نتنياهو أم مناورة بقاء؟ قراءة في الخارطة الحزبية المأزومة في إسرائيل
تطرح نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المعقدة تساؤلاً محورياً حول مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي، وهل باتت إسرائيل على أعتاب تنصيب رئيس الوزراء رقم نيف وعشرين في تاريخها المؤسسي.
تُظهر نتائج هذه الجولة تفككاً واضحاً في قبضة بنيامين نتنياهو على مشهد السلطة؛ حيث نال تحالف "أزرق أبيض" بقيادة بيني غانتس ومعه يائير لابيد 33 مقعداً، متقدماً بفاصل ضئيل على حزب "الليكود" الذي حصد 32 مقعداً. هذا التراجع لا يعكس منافسة انتخابية عابرة، بل يشير إلى بداية تشبع الشارع السياسي في تل أبيب حالة الجمود الهيكلي التي خلفها نهج نتنياهو على مدار عقود.
البنية الاقتصادية والتحول نحو "الشعوبية الوقائية"
إذا استقرأنا الأداء السياسي لنتنياهو عبر أداة التحليل المؤسسي والسياسات العامة، نجد أن الرجل استند منذ صعوده المستمر إلى معادلة اختزالية: تغذية الأجندة الأمنية اليمينية وتكريس مفهوم "يهودية الدولة" كغطاء لإغفال الإصلاحات الهيكلية الاقتصادية والضريبية.
إن عدم الالتفات الكافي لتنمية الاقتصاد الداخلي وإصلاح الموزعة الضريبية غالباً ما يدفع بقادة المنظومة السياسية إلى انتهاك مبادئ الحوكمة الرشيدة، والوقوع في شرك استغلال السلطة للبقاء والتنصل من المحاسبة. وي تجسد الملاحقات القضائية لنتنياهو في قضايا الفساد المالي والرشوة والرشوة المبطنة المتمثلة في إساءة الأمانة والائتمان، الكلفة المؤسسية لهذا النهج.
غير أن تراجع نتنياهو لا يعني تلقائياً غيابه عن المشهد؛ فالقواعد الإسرائيلية لا تعتمد آليات "الفوز التلقائي" لكتلة الأغلبية النسبية.
الآلية القائمة وقواعد اللعبة الإجرائية
وفقاً لقوانين الأساس التنظيمية لنظام الحكم الإسرائيلي، لا ينص الدستور الضمني على منح كلفة تشكيل الحكومة حصرياً للحزب الفائز بالمركز الأول؛ بل ينيط المشاورات برئيس الدولة، الذي يختار الشخصية البرلمانية الأكثر قدرة على تأمين كتلة أغلبية تشكيلية تضم 61 نائباً على الأقل من أصل 120 مقعداً في الكنيست.
هنا تتضح الفجوة العديدة بين الخطاب الموجه للجمهور والتوازنات الحقيقية: يواجه نتنياهو كتلة مناهضة حازمة، بينما تحاول دعاية اليمين وسم أي تشكيل حكومي يتضمن التعاون مع القائمة العربية المشتركة بأنه يهدد مرتكزات الصهيونية ومؤسسات الدولة.
السيناريوهات الثلاثة لقراءة المرحلة
عند تقييم المشهد السياسي عبر منظور ميزان القوى البرلماني، نجد أنفسنا أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. سيناريو الحكومة الائتلافية الواسعة بقيادة غانتس:
يتطلب هذا المسار بناء تحالف يجمع بين الوسط واليسار والكتل العلمانية المتمردة على هيمنة اليمين الديني المتطرف. في هذا السياق، تقع على عاتق غانتس مهمة إبعاد الأحزاب الأرثوذكسية كـ "شاس" و"يهودية التوراة المتحدة" وكتل اليمين القومي.
ومع ذلك، يظل مفتاح هذا السيناريو مرهوناً بعنصرين:
* صانع الملوك الجديد: حزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان برصيده من المقاعد، والذي يفرض القطيعة بين العلمانية القومية والدينية المتشددة.
* الدور العربي المعطل: يمثل الامتناع التاريخي للقائمة المشتركة عن الدخول في الائتلافات التنفيذية ثغرة منهجية. ورغم تفهم الدوافع الأيديولوجية لهذا الموقف، إلا أن الاستنكاف عن التكتيك البرلماني المباشر يمنح اليمين المتطرف فرصة المناورة واستغلال هذا الفراغ.
2. استراتيجية "حصان طروادة" والاستقطاب الداخلي:
قد يلجأ غانتس إلى تفكيك كتلة اليمين من الداخل، عبر إحداث اختراق حزبي يستهدف القيادات الناقمة داخل "الليكود" نفسه. إن الاستفادة من الخلافات الصامتة ضد نتنياهو داخل حزبه قد تسمح بتشكيل حكومة وحدة وطنية ذات معالم ليبرالية وعلمانية، تلبي متطلبات التنمية وتفتح إمكانية العودة لتناول ملف التسوية السياسية ومبدأ حل الدولتين بروح عملية تجريدية تتجاوز الخطاب الأيديولوجي المغلق.
3. الدخول في الحلقة المفرغة (انتخابات ثالثة):
إذا عجزت الأطراف عن بناء أرضية مشتركة، يستمر الانسداد السياسي متجهاً نحو خيار إعادة الانتخابات للمرة الثالثة. هذا السيناريو، رغم كلفته المؤسسية الباهظة، يُعبر عن أزمة نمطية في النظام البرلماني الإسرائيلي. لكنه في الواقع يضع نتنياهو تحت مقصلة الرأي العام الذي بدأ يفقد ثقته في جدوى استمرار نهجه الشخصاني.
تقييم نقدي ختامي
تُظهر التطورات السياسية في تل أبيب أن المنظومة تتجه نحو خيار بنيوي صعب: إما إعادة ترتيب الأولويات السياسية والمالية وفق أسس أكثر ليبرالية وعلمانية تحقق الكفاءة الاقتصادية والمواطنة المؤسسية، وإما الاستمرار في التخندق خلف خطاب اليمين المتطرف لحماية التكتلات الفردية.
يبقى الرهان المباشر على مدى قدرة القوى الوسطية والكتل العربية على التخلي عن الانكفاء التقليدي، والانتقال نحو الفاعلية التي تفرض معادلات جديدة وتنهي حالة الاحتيال السياسي المتواصل.
Comments
Post a Comment