Posts

Showing posts from October, 2019

هندسة النظام العالمي الجديد: براغماتية القوة وشبكات المصالح العابرة للمحاور

يشهد المشهد الجيوسياسي والجيواقتصادي لحظة تحول هيكلي تتجاوز مجرد التغيرات الدورية في علاقات القوى العظمى. إن اندفاع الفاعلين الدوليين والإقليميين نحو إعادة كتابة قواعد اللعبة لا يعكس مجرد رغبة في التكيف، بل يمثل سعيًا صريحًا للهروب من استحقاقات نظام دولي قديم بدأت مؤسساته تعاني من هشاشة المفهوم والممارسة. بين أروقة مؤتمر "مبادرة الاستثمار للمستقبل" في الرياض، والتحركات الاستراتيجية الألمانية في جنوب آسيا، والتمدد الروسي-الصيني المتزايد في العمق الأفريقي، تتشكل ملامح خريطة جيوسياسية مرنة، تقوم على سياسات براغماتية صلبة وتكتلات متعددة الأقطاب، وتحتكم لمبادئ المنفعة المتبادلة والابتكار بدلاً من الإيديولوجيات الصلبة. الرياض والديناميات الجيواقتصادية: تحولات القوة في الشرق الأوسط لم يعد مؤتمر "مبادرة الاستثمار للمستقبل" مجرد منتدى اقتصادي لجمع رؤوس الأموال، بل استحال إلى منصة هندسة سياسية تُعيد تعريف موقع المنطقة في الاقتصاد العالمي. إن الجمع بين صُنّاع القرار، والقيادات التنفيذية، ورؤساء الدول—من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو إلى ال...

نقطة نظام ...

مأزق "عقلية الـ 67" وتراجع البراغماتية السياسية: قراءة تحليليّة في الأزمة الأردنية–الإسرائيلية وتفكيك الخطاب الراديكالي تأتي الخطوة غير المسبوقة التي اتخذتها الدبلوماسية الأردنية في نهايات أكتوبر 2019 باستدعاء سفيرها من تل أبيب، احتجاجاً على سلب الحرية الإداري وتمديد الاعتقال التعسفي للمواطنين الأردنيين هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي، لتفتح ملفاً أعمق من مجرد تصعيد دبلوماسي عابر بين دولتين تجمعهما معاهدة سلام رسمية. إن الإجراء الإسرائيلي المتمثل بالاعتقال الإداري — وهو آلية قانونية غير إنسانية تتيح الاحتجاز دون لائحة اتهام محددة أو محاكمة علنية شفافة بناءً على "ملفات سرية" — يشكّل خرقاً لالتزامات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. غير أن معالجة الأزمة من منظور المؤسسات الدولية وقواعد العلوم السياسية تتطلب تجاوز ردود الفعل السطحية، والغوص في البنية الفكرية والسياسية التي تحكم تفاعلات الإقليم. أولاً: الثبات الإدراكي وعقدة عام 1967 في أحدث أطروحاته الفكرية "غرق الحضارات" (Un naufrage des civilisations)، يشرّح المفكر والأديب الفرنسي-اللبناني أمين معلوف أزمة...

براغماتية المؤسسات واختبار النظام الدولي: تقييم تحليلي لمسار الشراكة الهندية-الألمانية

تتجه أنظار صناع القرار في العلاقات الدولية نحو القمم الثنائية المتلاحقة بين برلين ونيودلهي، حيث يتجاوز هذا التفاعل الإطار البروتوكولي العادي ليصل إلى إعادة رسم خرائط التوازنات الجيوسياسية. إن العلاقات بين «دولة الماكينات» وثاني أكبر تكتل ديموغرافي في العالم لم تكن يوماً وليدة الصدفة الحزبية أو التغيّرات اللحظية؛ بل هي نتاج تراكمي أرسى دعائمه المستشار الأول لألمانيا الاتحادية كونراد أديناور، القائل إن السياسة الخارجية المستدامة تبدأ من بناء الثقة عبر المؤسسات لا الأفراد. لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه وسط التحولات الراهنة: هل نجحت هذه الشراكة في التحول من إطار الاقتصاد المتبادل إلى قوة فاعلة تشكّل نواتج النظام الدولي الجديد؟ التاريخ المؤسسي: من الدبلوماسية الهادئة إلى الشراكة الاستراتيجية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، كانت نيودلهي من أوائل العواصم التي استعادت علاقاتها مع بون قبل أن تتوج هذه العلاقات مع برلين الموحدة. اتبعت الهند حينها فلسفة القوة الناعمة وسياسة رد الفعل بدلاً من المبادأة الحادة، معتمدة على عدم الانحياز الذي أتاح لها مناورة متوازنة مع قطبي الحرب الباردة...

مأزق البريكست وتفكيك الجغرافية السياسية: إعادة قراءة للتحولات الهيكلية بين لندن وبروكسل

تمر العلاقات الأطلسية وأوروبا اليوم بلحظة تدقيق بنيوية غير مسبوقة؛ حيث لا تعكس أزمة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي ("البريكست") مجرد استعصاء إجرائي في أروقة داونينغ ستريت وبدائل بروكسل، بل تكشف عن صدع أعمق في هيكلية النظام الليبرالي الغربي وسيادة الدولة الوطنية أمام تكامل الأسواق. أسطورة "المناورة": جذور الخلاف وموازين القوى من الناحية التاريخية والسياسية، فإن الجدل حول انضمام وتخارج بريطانيا لم يكن وليد الاستفتاء الشهير؛ بل يمثل صراعاً مفاهيمياً حول طبيعة "السيادة". تشير المرويات السياسية إلى تحذيرات صريحة تبادلها القادة الأوروبيون والبريطانيون منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث كان المستشار الألماني الأسبق هلموت كول يدرك تماماً أن دمج بريطانيا في السوق الأوروبية الموحدة عام 1986 عبر "الوفاق الأوروبي الموحد" (Single European Act) سيرتب عليها استحقاقات سياسية ومؤسسية وسيادية لا يمكن التراجع عنها بسهولة. في المقابل، تعاملت المحافظة الراديكالية مارغريت ثاتشر مع المشروع بمنطق اقتصادي أدواتي، ظناً أن لندن قادرة على جني ثمار السوق الحرة دون الت...

التصميم على تراتبية الديمقراطية انتاج فهما خاصا لها عن #تشيلي أتحدث ...

تُمثّل التجربة التشيلية في التحول الاقتصادي والسياسي إحدى أكثر الحالات تعقيداً في تاريخ أمريكا اللاتينية الحديث؛ فهي تجمع بين نجاح مؤشرات الاقتصاد الكلي واستقرار المؤسسات من جهة، وبين التبعات الهيكلية العميقة لغياب العدالة الاجتماعية والضغط على العقد الاجتماعي من جهة أخرى. إن القراءة المتأنية للواقع التشيلي تتطلب تجاوز القراءات الإيديولوجية التبسيطية للوصول إلى تحليل بنيوي يوازن بين الديناميات الداخلية والتدخلات الجيوسياسية، مع تفكيك الآليات التي تشكّل بها هذا النموذج. ١. الجذور التاريخية والبيئة المؤسسية (ما قبل ١٩٧٣) شهدت تشيلي في منتصف القرن الماضي إرثاً مدنياً ومؤسسياً متقدماً مقارنة بقريناتها في القارة. وخلال عهود سياسية متعاقبة، أبرزها فترة حكم أرتورو ألساندري، تحققت ممارسات ديمقراطية واستثمارات حكومية في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية. غير أن هذا النموذج الواعد اصطدم بتجاذبات معقدة مع المؤسسة العسكرية، إضافة إلى استقطاب إيديولوجي متزايد شهدته فترة الخمسينيات والستينيات. مع وصول سلفادور أيليندي إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية عام ١٩٧٠ ببرنامج الاشتراكي التحرري لتأميم الق...

بين مركزية بروكسل ومحور «آخن»: هل تعيد الثنائية الألمانية-الفرنسية صياغة العقد الأوروبي؟تحليل السياسات

تقف القارة الأوروبية اليوم عند نقطة تقاطع استراتيجية حارجة؛ فاختبار الصمود الذي يواجه الاتحاد الأوروبي لم يعد يقتصر على توازنات الاقتصاد الكلي أو معالجة تداعيات الانقسامات الداخلية، بل يتجاوز ذلك إلى السؤال الوجودي الأصيل: هل يتجه المستقبل نحو تعزيز السيادة الفيدرالية لمنظومة بروكسل، أم نحو المراهنة على محركات ثنائية تتقدمها الشراكة الصلبة بين برلين وباريس؟ عند قراءة التطورات الراهنة، يستحضر المراقب ما صرّح به المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول إبان التوقيع على معاهدة ماستريخت عام 1993، حين أكد أن الوحدة الألمانية عام 1990 كانت الدافع الأساسي لإرساء الدعائم القانونية للاتحاد، مشدداً على أن الإرادة السياسية عندما تستند إلى قوة القانون تصبح التزاماً شاملاً لا خياراً اختيارياً. اليوم، تجسد قيادات ألمانية بارزة خرجت من المدرسة السياسية لنفس التيار — وفي مقدمتهن أورسولا فون دير لاين في قيادة المفوضية الأوروبية، وأنغريلا كرامب كارينباور على رأس وزارة الدفاع الألمانية — امتداداً لهذا الفكر الذي يرى في استقرار برلين وباريس الركيزة الأساسية لأي مشروع سياسي قاري. المحور الأنجلو-فرانكوفوني وعقبا...

أبعاد الصراع مع التجانس القسري: المسألة الكردية واغتيال هفرين خلف

تتبدى المسألة الكردية في الشرق الأوسط كواحدة من أكثر الأزمات التركيبية تعقيداً في Geopolitics المنطقة، حيث تتشابك فيها الهوية والقومية مع حدود الدولة الوطنية الحديثة. تشبه هذه القضية في عمقها ومأزقها البنيوي الحبكات المعقدة في الأدب الكلاسيكي، مثل «دون كيخوته» لـ «ميغيل دي سيرفانتس»، حيث الصراع المستمر ضد أوهام السيطرة ومواجهة أزمات تجانس هشة. تماثل هذه المسألة بؤراً جيوسياسية مزمنة في العالم الحديث، مثل قضية كشمير أو النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ غير أن المحرك الأساسي هنا يتجاوز مجرد النزاع على الأرض إلى صراع أعمق حول نموذج الدولة ورغبة سلطات المنطقة القسرية في صهر المكونات المتنوعة. فلسفة "النوعية" ومأزق الدولة القومية في الشرق الأوسط تطرح المسألة الكردية إشكالاً بنيوياً بوجه فكرة "التجانس القسري" التي أقامتها أنظمة المنطقة عقب العصر العثماني. يعيش اليوم نحو 40 مليون كردي يتوزعون عبر أربع دول مركزية (تركيا، إيران، العراق، وسوريا). لكن المعيار الحقيقي للفاعل السياسي لا يكمن في الديموغرافيا المجردة ("الكم") بل في القدرة الديناميكية على البقاء وصياغة النموذج...

هندسة الوصاية الاستبدادية: كيف يُعيد مرسوم هيكلة "الحشد" صياغة مفهوم الدولة في العراق؟

تتداخل المفارقات السياسية والأخلاقية في المشهد العراقي على نحو غير مسبوق؛ حيث أصبحت أدبيات الوطنية والإخلاص تُستخدم كغطاء أيديولوجي لممارسات تفكيك مؤسسات الدولة لحساب أطراف خارجية. في الوقت الذي يخرج فيه آلاف الشباب العراقيين إلى الشوارع في احتجاجات عارمة، متجاوزين الانقسامات الطائفية والدينية للمطالبة بأبسط مقومات الحياة الإنسانية—كالكهرباء والماء وفرص العمل—تواجه السلطة السياسية وحلفاؤها الإقليميون هذه المطالب بآلية أمنية مفرطة، بالتوازي مع تعميق الشراكات الأمنية والعسكرية مع طهران. ميزان القوى والإسناد الإقليمي تشير القراءة التحليلية للمشهد إلى أن الرهان الإيراني على العراق يتجاوز الشراكة التقليدية؛ إذ يتعامل التخطيط الاستراتيجي في طهران مع الساحة العراقية باعتبارها "الرئة الاقتصادية والأمنية" للجمهورية الإسلامية في مواجهة الضغوط الدولية والتقلبات الإقليمية. وتتداول الأوساط التحليلية تقديرات متقاطعة حول طبيعة الدعم الاستشاري والأمني الذي تقدمه أجهزة مثل "الحرس الثوري" لمنظومة الحكم والنفوذ في بغداد. ويتركز هذا الدعم بشكل خاص في أربعة محاور أساسية:  * الأمن السيبر...

في فلك المحرمات!!! ...

في تسعينيات القرن الماضي، أطلق المعلق الرياضي التونسي عصام الشوالي عبارته الشهيرة: "لا تكلم العرب أكثر مما يتحملون.. دعهم يحللون، دعهم غارقون". وبينما قيلت هذه الجملة في سياق الرياضة والموهبة الاستثنائية، فإنها تفرض نفسها بقوة كعدسة تحليليّة لمشاهد السياسة الشرق أوسطية، حيث تُمارَس "لعبة الأمم" بأساليب تعتمد على المناورة التكتيكية وتوظيف الهشاشة البنيوية للإقليم. في خريف عام 2019، وفي خضم الحديث عن صياغة اللجنة الدستورية السورية، برزت تقاطعات معقدة توهم بانتصار نظري لتحالف مصلحي براغماتي بين أنقرة وطهران وموسكو، على حساب المحور الغربي التقليدي. غير أن النظرة التحليلية المتعمقة للخطوات السياسية والعسكرية تظهر أن هذه التفاهمات ليست سوى هشاشة استراتيجية حتمية، تقود المشهد نحو معادلات صفرية. إعادة التموضع الأمريكي: تفكيك تكتيك ترامب عند فحص قرار الإدارة الأمريكية بإعادة تحريك قواتها شمال شرق سوريا، يتضح أنه لم يكن انسحاباً كلياً أو هزيمة استراتيجية للشركاء المحليين، بل خطوة تموضع تكتيكي محتسبة. تسعى واشنطن من خلال هذا التكتيك إلى تقليل الكلفة المباشرة مع الحفاظ على المق...

العراق عند مفترق الطرق: بين هيمنة "الدولة العميقة" وآفاق الصدمة السياسية

تظل قدرة بلاد الرافدين على تغيير المعادلة السياسية الإقليمية سؤالاً جوهرياً ومفتوحاً في أروقة التحليل الاستراتيجي: هل يمتلك الشرق الأوسط أدوات "العلاج بالصدمة السياسية" لكسر الجمود القائم؟ في هذا السياق، تبرز التظاهرات الشعبية المتصاعدة في العراق كصدمة غير محسوبة قد تعيد رسم خريطة النفوذ، وتحدّ من تمدد أحد أبرز أضلاع المربع الإقليمي (إيران، السعودية، تركيا، وإسرائيل). تفكيك الديموغرافيا وهيكلة النفوذ شهد العراق تحولات ديموغرافية وعرقية عميقة؛ حيث أدّت موجات العنف والاضطهاد إلى تهجير أعداد غفيرة من المكونات الأصيلة، كالسيحيين والإيزيديين والصابئة، باتجاه أوروبا والولايات المتحدة، إلى جانب تهجير ونزوح أعداد كبيرة من المكون السنّي نحو دول الجوار أو إعادة توطينهم قسراً في مناطق ذات غالبية مختلفة. هذا الواقع أنتج هندسة مجتمعية جديدة أعادت توزيع القوة لصالح أحزاب السلطة. تزامن هذا التحول الديموغرافي مع تمويل وتوجيه ممنهج للموارد الرسمية نحو مراكز معينة؛ حيث ركّزت القوى الحاكمة على الإنفاق الهائل على المناسبات والرموز الدينية على حساب البنية التحتية الأساسية. وفي الوقت الذي تُرصد في...

الانتفائية الأخلاقية وتسييس حقوق الإنسان: قراءة في المهرجانات السياسية لمأساة خاشقجي

تُجسد المشاهد الدرامية المعقدة في الأدب والفنون أحياناً الواقع السياسي بأبعاد واقعية دقيقة. في أحد مشاهد المسلسل المصري "العراف"، تدور مواجهة بين ضابط سابق وخبير استراتيجي صاعد كان ينشط سابقاً كمهندس عمليات احتيال متمرس. عندما سأله الضابط عن كيفية تحوله إلى ضيف دائم على الشاشات كمرجعية تحليلية، جاء الرد مختصراً لواقع الحالة: الواقع يمر بحالة من السيولة، والمرحلة تتطلب خطاباً معيناً يتماشى مع السائد. تعكس هذه المستملحة الدرامية جوهر التحولات الراديكالية التي تشهدها الخطابات الحقوقية والإعلامية الدولية عند التعاطي مع الأزمات الكبرى، حيث تتداخل المبادئ بالإملاءات الاستراتيجية والتجييش الإعلامي. تأتي الذكرى السنوية الأولى لمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي لتكشف عن اتساع الفجوة بين مبادئ حقوق الإنسان كمنظومة أخلاقية مجردة، وبين توظيفها كأداة للضغط الجيوسياسي. إن إدانة الجريمة من منظور إنساني وقانوني تحصيل حاصل لا يقبل التجزئة؛ فالاعتداء على حياة أي صحفي يشكل انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية. بيد أن إرساء معايير عدالة شمولية يتطلب الامتناع عن انتقائية الملفات، وتجنب منح أطراف ذات سجل...

تقاطع المصالح والتحالفات الهشة: كيف تفاعلت الجيوستراتيجية التركية والإيرانية في الشرق الأوسط؟

تستدعي تحركات القوى الإقليمية في الشرق الأوسط تحليلاً دقيقاً لآليات صناعة القرار وللحدود الفاصلة بين الحسابات الأيديولوجية والمصالح الجيوسياسية المباشرة. بالنظر إلى المشهد السياسي الإقليمي، يتجلى سلوك كل من أنقرة وتلافيها العقبات، إلى جانب طهران وتمددها الناعم والصلب، كنموذج صارخ للمناورة بين المحاور الدولية الكبرى (واشنطن وموسكو). غير أن هذه المناورة، وفي حين أنها قد تُحقّق مكاسب مرحلية، غالباً ما تصطدم بواقع المعادلات الهيكلية للإقليم، ما يُبرز الحدود الفاصلة بين الإدارة التكتيكية للحكم وحصافة القيادة الاستراتيجية للدول. أولاً: التوازن الحرِج بين واشنطن وموسكو تُظهر تجربة القيادة التركية محاولة مستمرة للعب على التناقضات بين واشنطن وموسكو. فقد هدفت أنقرة من الشراء المثير للجدل لمنظومة الدفاع الجوي الروسية (S-400) إلى تعزيز هامش استقلاليتها الاستراتيجية عن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن هذه الخطوة فرضت عليها قيوداً غير مسبوقة؛ إذ أدت مباشرة إلى استبعادها من برنامج المقاتلات الشبحية (F-35) وفرض عقوبات أمريكية بموجب قانون (CAATSA). في الوقت ذاته، لم يضمن هذا الاقتراب من موسكو مظلة أما...

تحولات الرياض ورسائل جدة: قراءة في الموقف السعودي بين مطرقة الإصلاح الداخل وعاصفة الضغوط الخارجية

مقدمة: يشهد الإقليم العربي تحولات هيكلية أعادت إعادة رسم مشهد القوة والنفوذ، وتقف المملكة العربية السعودية في قلب هذه التحولات منذ بروز الأمير محمد بن سلمان كفاعل رئيسي في قيادة الشأن العام. إن التجاذب القائم بين تيار الإصلاح المتسارع في الداخل وبين حملات الشيطنة والنقد المتصاعد في الخارج يضع المراقب السياسي أمام واقع معقد يتجاوز التقييم السطحي إلى ضرورة فهم ديناميكيات الدولة الحديثة ومفهوم السيادة الإقليمية. أولاً: رؤية 2030 وديناميكية التغيير الداخلي تتجاوز التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في السعودية نطاق "التحديث الشكلي" لتلامس بنية الدولة وعلاقتها بالمجتمع. لقد جاءت مقابلة ولي العهد السعودي مع شبكة (CBS) الأمريكية، والتي أجرتها المذيعة نورا أودونيل في جدة، لتعكس الخطاب الرسمي الجديد القائم على اعتبار الإصلاحات وحقوق الأفراد المستحدثة حقوقاً أساسية واحتياجات تنموية، وليست مجرد مكارم تُمنح. إن تبني رؤية تخطيطية طويلة الأجل وتطبيق مبدأ المساءلة بالأرقام يُعد سلوكاً غير مألوف في الثقافة السياسية العربية الفردية؛ مما يفسر حجم الارتياب أو الرفض السياسي لدى قوى تقtraditionalية ف...