تونس بعد الباجي قايد السبسي: صراع الموروث البورقيبي ومصائر الديمقراطية الهشة
يمثل ورحيل الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي لحظة فارقة في التطور السياسي لشمال أفريقيا، ليس فقط لكونه مغادرة لآخر العمالقة الدبلوماسيين الذين عاصروا مرحلة التأسيس الأولى، بل لأنه يطرح سؤالاً بنيوياً حول مدى قدرة المؤسسات الحديثة على الاستمرار في غياب "الرمز المهيمن". لقد ظل السبسي يمثل حلقة الوصل الأخيرة بين العقلانية الدولة-وطنية البورقيبية وبين آليات التعددية الوليدة بعد عام 2011. ومع هذا الغياب، تقف الجمهورية التونسية على مفترق طرق يتطلب تفكيكاً منهجياً لبنية الإرث البورقيبي، وحدود البراغماتية السياسية، وآفاق التوازن الحزبي. التناقض البنيوي في الإرث البورقيبي: الحداثة الفوقية وهندسة الدولة لا يمكن فهم الإستراتيجية السياسية للسبسي دون تحليل الحاضنة الأولى التي تخرج منها: التجربة البورقيبية. لقد تأسست الدولة التونسية الحديثة على يد الحبيب بورقيبة وفق نموذج حداثي تحويلي، اتسم بالصرامة العلمية والرؤية العلمانية البراغماتية، لاسيما في مجالات التعليم وتحديث الأحوال الشخصية. غير أن هذا النموذج حمل في طياته تناقضاً بنيوياً؛ فقد اعتمدت الحداثة البورقيبية على السلطوية الفوقية وشخصن...