عوامل الحضارة تبدأ بوعي الفنان ...
ديموغرافيا التراجع الكوزموبوليتاني: الإسكندرية كحالة دراسية لأزمة النهضة الفنية في الشرق الأوسط
لا يمكن قراءة تاريخ التحولات الحضارية في الشرق الأوسط بمعزل عن تفكيك العقل الجمعي للمؤسسة الفنية؛ فالنخبة الثقافية والفنية ليست مجرد هامش جمالي، بل هي المحرك الأساسي لمفاهيم التنوير والتحرر الديموقراطي. حين تتراجع القيمة الثقافية لصالح الأيدولوجيا المحافظة أو التيار المتطرف، فإن ذلك يشكل المنيستر المغذي لتآكل الدولة المدنية ومؤسساتها الحديثة.
الإسكندرية: من مركزية الكوزموبوليتانية إلى الانكماش الهوياتي
تختزل مدينة الإسكندرية تاريخياً ديناميكيات الصعود والهبوط في الحضارة المصرية الحديثة. نشأت المدينة، ولا سيما أحياء مثل "سان ستيفانو"، كفضاء متعدد الثقافات تعايشت فيه الجاليات الإغريقية والإيطالية والفرنسية، لتشكل حاضنة طبيعية للابتكار التنويري. وفي هذا السياق التاريخي، سجلت الإسكندرية حضورها العالمي كإحدى أبكر المدن المتبنية للتكنولوجيا الثقافية الغربية؛ إذ شهدت مقهى "زواني" (Zwani) بالإسكندرية في 6 يناير 1896 أول عرض سينمائي للأخوين لوميير في المنطقة العربية والشرق الأوسط، عقب أيام قليلة من عرضهما التاريخي الأول في باريس ديسمبر 1895.
تاريخياً، لم ينشأ هذا التباطؤ والتحول الهوياتي المأزوم بقرار لحظي؛ بل جاء نتيجة تحولات هيكلية وسياسات تجريف ديموغرافي وعمراني عقمت المجال العام من التنوع المعهود. إن العبارة التي ينقلها الفنان الراحل عمر الشريف (ميشيل ديمتري الشلهوب) مستنكراً تغلغل الفكر الرافض للفنون في أزقة المدينة التي خرج منها رواد السينما والفكر أمثال محمد بيومي، وتوجو مزراحي، وشادي عبد السلام، ويوسف شاهين، ومحمد كريم، لا تعبر عن مجرد ظاهرة فردية، بل ترصد قطيعة منهجية بين الدولة الحديثة وقيم التحديث اللاديني والحرية الفردية التي وضعت اللبنات الأولى للفن الإنساني.
البنية الجمالية للخطاب الفني: القوة الناعمة كمعادل موضوعي للتأثير الجيوسياسي
إذا كان الفكر الإنساني يعتمد على أركان التنوير، فإن السينما والفنون كانت أداة الشرق الأوسط لتأكيد اندماجه في النظام الثقافي العالمي. يظهر هذا بوضوح في تجربة فيلم "الدكتور زيفاغو" (1965) [Doctor Zhivago] للمخرج البريطاني ديفيد لين؛ حيث تقاطع التمثيل العربي لميشيل الشلهوب مع الأداء الاستثنائي لجيرالدين تشابلن، والموسيقى التصويرية الخالدة للموسيقار الفرنسي موريس جار [Maurice Jarre].
تتجلى عبقرية العمل في تحويل الصراع الطبقي والإرهاصات الإيديولوجية للثورة البلشفية الروسية إلى ملحمة إنسانية متجاوزة للأيدولوجيا المحافظة والراديكالية على حد سواء. إن نجاح الشريف — الفتى الذي نشأ في بيئة سكندرية بورجوازية منفتحة — في تجسيد تعقيدات الطبيب والشاعر الروسي يوري زيفاغو، يُبرز قيمة التعليم التجريبي والانفتاح اللغوي والفطري الذي وفرته الإسكندرية الكوزموبوليتانية قبل تقهقرها الذاتي.
المعضلة الفكرية: صدام النفعية والديناميكية الفنية
عند وضع العطاء الثقافي تحت المجهر النظري، يتبين أن تراجع الدور التنويري للمؤسسات الثقافية يرتبط بعاملين أساسيين:
* الإيجابيات النظامية: أنتجت حقبة التعددية الثقافية في منتصف القرن العشرين رماداً تنويرياً صلباً؛ إذ استطاع الرواد (من أحمد شوقي في الشعر، وطه حسين في نقد الفكر التقليدي، ويوسف شاهين في تفكيك الهوية) خلق رأس مال نمطي للشرق الأوسط، عزز من وزنه في الدبلوماسية الثقافية الدولية.
* السلبيات والقصور الهيكلي: تمثلت السلبية الكبرى في النفعية السياسية وانغلاق المؤسسات الثقافية الرسمية على ذاتها، مما أدى إلى عزل الفنون عن الطبقات المتوسطة والهامشية. أتاح هذا الفراغ الفرصة للتيارات الأيدولوجية والدينية للسيطرة على المجال العام، وفرض قوالب أخلاقية وتكريس تحريم الفنون كأداة للضبط الاجتماعي.
استشراف آفاق التحديث الثقافي
إن تجربة الانتكاسة الهوياتية التي شهدتها مراكز الإشعاع الحضاري كالإسكندرية توفر درساً استراتيجياً للسياسات الثقافية في المنطقة. الحفاظ على المكتسبات الحضارية والتكنولوجية لا يتطلب مجرد الاستثمار في البنية التحتية، بل يتطلب حماية حرية التعبير، وإبعاد الرقابة الأيدولوجية عن الناتج الإبداعي، وإعادة الاعتبار للمناهج العلمية والتفكير النقدي المستقل داخل النظام التعليمي. بدون هذه الركائز الليبرالية، تظل الدولة المدنية عرضة للتآكل الثقافي والفكري.
Comments
Post a Comment