Posts

Showing posts from October, 2018

مبادلة الهيمنة بالبراغماتية: قضية خاشقجي وتعديل أوتار التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط

بقلم: ميّار شحاده  تضع قضية اختفاء ومقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول النظام الإقليمي والدولي أمام لحظة مفصلية تُعيد رسم العلاقات الجيوسياسية بين واشنطن والرياض وأنقرة، مع فتح ثغرات استراتيجية تتطلع موسكو وبكين لاستغلالها. لا تُقرأ هذه الأزمة باعتبارها حدثاً جنائياً عابراً، بل كمحفز استراتيجي يعرّي هشاشة التوازنات القائمة ويختبر مدى مرونة التحالفات التقليدية في مواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة. أولاً: المعادلة المثلثية للواشنطن: البيت الأبيض، الكونغرس، ومجتمع الاستخبارات لتحليل الموقف الأمريكي بدقة، يجب تفكيك آلية صناعة القرار في واشنطن، والتي تتمحور حالياً حول ثلاثة مراكز قوى ذات توجهات متضاربة:  * البيت الأبيض (البراغماتية الاقتصادية المعاملاتية): يتعامل الرئيس دونالد ترامب مع العلاقة مع الرياض برؤية رجل الأعمال. تشكل الصفقات الاقتصاديّة والسيادية المقدرة بنحو 450 مليار دولار — والتي تتضمن صفقات تسليح بقيمة 110 مليارات دولار تم الاتفاق عليها منذ عام 2017، فضلاً عن مشاريع عملاقة كشراكات مشروع "نيوم" والمحادثات حول بناء المحطات النووية الس...

وسعوا من وش (العقلاء)!

الصحة النفسية كركيزة للأمن القومي والتنمية المستدامة: مقاربة تحليلية في تشخيص «الشمولية» وتفكيك المفهوم القاصر تستدعي معالجة قضايا الصحة النفسية في الخطاب العام العربي صرامة منهجية تتجاوز الاختزال السائد والرؤى السطحية، وتنتقل من إطار «التوعية الموسمية» إلى سياق السياسات العامة الجادة. ففي كل عام، تتجدد المناسبات التوعوية في شهر أكتوبر، بدءاً من يوم الفتاة إلى يوم اللاعنف، وصولاً إلى العاشر من أكتوبر—اليوم العالمي للصحة النفسية. غير أن التعاطي السائد مع هذا الملف في المنطقة العربية غالباً ما يرتطم بجدار من التوجس الاجتماعي، أو النزعات الارتيابية التي تفسر المبادرات الدولية بعقلية «المؤامرة» و«التشتيت عن القضايا المصيرية». إن هذا التوصيف لا يأتي من باب جلد الذات، بل يستند إلى قراءة واقعية تشير إلى تعثر البنى المؤسسية في دمج الصحة العقلية ضمن متطلبات الأمن الاجتماعي والاقتصادي. أولاً: البنية الهيكلية للإنسان.. إعادة قراءة هرم ماسلو وفكرة «الشمولية» تُظهر أدبيات علم النفس التنموي أن النظرة القاصرة لمتطلبات البقاء تؤطر الإنسان في حدود البعد الفيزيولوجي المجرد (النوم، التغذية، الوظائف الحيو...

التحديث الإثيوبي: درس في هندسة الدولة وتحول القوة الشرق إفريقية

تشهد منطقة القرن الأفريقي تحولاً بنيوياً يُعيد تشكيل معادلات الاستقرار والتنمية في واحدة من أكثر جغرافيات العالم تعقيداً. فالدولة التي ارتبط اسمها عقوداً بالمجاعات والدين الخارجي والنزاعات الإثنية، تضع اليوم أقداماً ثابتة على طريق إعادة صياغة مجالها الحيوي ومؤسساتها المحلية. ومن خلال الجمع بين الواقعية السياسية (Realpolitik) والإصلاحات الهيكلية المتسارعة، تمكنت أديس أبابا من تقديم نموذج عملي للتحول السياسي والاقتصادي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. تفكيك التعقيد الديموغرافي والإصلاح المؤسسي تضم إثيوبيا أكثر من مئة مليون نسمة يتوزعون على ما يزيد عن عشر قوميات وثمانين لغة محلية؛ وهي تركيبة ديموغرافية تمثل حافزاً للتنوع بقدر ما تشكل تحدياً لمفهوم الدولة الوطنية المتماسكة. غير أن التطورات الأخيرة، وعلى رأسها التشكيل الوزاري المناصف بين الجنسين (50% من الوزراء نساء)، لا تعكس مجرد استجابة لمتطلبات التحديث الشكلي، بل تدل على إدراك عميق لأهمية الدمج الاجتماعي في تخفيف حدة الاستقطاب القبلي. على الصعيد الإقليمي، أتاح اتفاق السلام التاريخي مع إريتريا إنهاء حالة "لا سلم ولا حرب" التي جمّ...

عين الحدث على أفريقيا ما الخطة؟!

التدافع الجيوسياسي الجديد على أفريقيا: تحليل للتوازنات الراهنة وصراع النفوذ بين الشرق والغرب تشهد القارة الأفريقية تحولاً بنيوياً يضعها في قلب المعادلة الجيوسياسية والاقتصادية الدولية. ولا ينبع هذا الاهتمام العالمي المتزايد من مجرد كونها ثاني أكبر قارات العالم مساحة وسكاناً، بل من موقعها اللوجستي الاستراتيجي المحاذي للممرات المائية الحاكمة للتجارة العالمية؛ بدءاً من قناة السويس ومضيق باب المندب وخليج عدن، وصولاً إلى امتداداتها المحيطية في الأطلسي والهندي. وإلى جانب المقومات الجغرافية، تمتلك القارة ثروات طبيعية هائلة ومخزوناً بشرياً شاباً، فضلاً عن عمق حضاري وتاريخي تشهد عليه الاكتشافات الأنثروبولوجية والأحفوريات في شرق أفريقيا، والتي تعزز الفهم العلمي لتطور البشرية. مع وفاة الرئيس السوداني الأسبق عبد الرحمن سوار الذهب في الرياض عن عمر ناهز 83 عاماً، تُطوى صفحة رمزيّة من تاريخ السياسة الأفريقية؛ حيث مثّل الانتقال السلمي للسلطة في تجرّبته استثناءً نادراً في بيئة إقليمية غلب عليها اضطراب الحكم. وتسلّط هذه اللحظة الفارقة الضوء على المعضلة الهيكلية التي تعاني منها أفريقيا: "غياب المركز...

ديناميكيات الهيمنة الإقليمية: التباين الهيكلي بين النموذج الصيني في شرق آسيا والنفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية

تكتسب المقاربات السياسية أبعادها الحقيقية عندما تُدرس من خلال نتائجها البنيوية على الجغرافيا السياسية واقتصادات الشعوب. إن نظرة فاحصة على خريطة الصراعات والنفوذ الدولي تكشف عن تباين جوهري في كيفية إدارة القوى العظمى لمجالاتها الحيوية والإقليمية. فبينما قدمت الصين أنموذجاً يقوم على التكامل الاقتصادي ونشر التنمية الموازية في شرق آسيا، يقف النفوذ الأمريكي في أمريكا الوسطى والكاريبي أمام مأزق بنيوي تتجلى آثاره في أزمات اللجوء والهجرة الجماعية، وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المسؤولية الإقليمية للقوى النافذة. أولاً: شرق آسيا والنموذج الصيني: التنمية كأداة للهيمنة المستقرة لم يكن صعود الصين كقوة مؤلفة لموازين القوى وليد الصدفة، ولا نتاج توسع عسكري مباشر، بل جاء حصيلة نهضة داخلية امتدت آثارها إلى المحيط الإقليمي. تعتمد الفلسفة الاستراتيجية لبكين على مبدأ الشراكة التنموية المتبادلة؛ فالبناء الهيكلي للاقتصاد الصيني يدرك تماماً أن الاستقرار الدائم يتطلب بيئة إقليمية مزدهرة، استناداً إلى الحكمة القائلة بأن القوة المنفردة تظل عرضة للانكسار ما لم تُحط بنطاق يستند إلى مقومات النمو ذاتها. يتجلى ه...