وسعوا من وش (العقلاء)!

الصحة النفسية كركيزة للأمن القومي والتنمية المستدامة: مقاربة تحليلية في تشخيص «الشمولية» وتفكيك المفهوم القاصر

تستدعي معالجة قضايا الصحة النفسية في الخطاب العام العربي صرامة منهجية تتجاوز الاختزال السائد والرؤى السطحية، وتنتقل من إطار «التوعية الموسمية» إلى سياق السياسات العامة الجادة. ففي كل عام، تتجدد المناسبات التوعوية في شهر أكتوبر، بدءاً من يوم الفتاة إلى يوم اللاعنف، وصولاً إلى العاشر من أكتوبر—اليوم العالمي للصحة النفسية. غير أن التعاطي السائد مع هذا الملف في المنطقة العربية غالباً ما يرتطم بجدار من التوجس الاجتماعي، أو النزعات الارتيابية التي تفسر المبادرات الدولية بعقلية «المؤامرة» و«التشتيت عن القضايا المصيرية». إن هذا التوصيف لا يأتي من باب جلد الذات، بل يستند إلى قراءة واقعية تشير إلى تعثر البنى المؤسسية في دمج الصحة العقلية ضمن متطلبات الأمن الاجتماعي والاقتصادي.

أولاً: البنية الهيكلية للإنسان.. إعادة قراءة هرم ماسلو وفكرة «الشمولية»

تُظهر أدبيات علم النفس التنموي أن النظرة القاصرة لمتطلبات البقاء تؤطر الإنسان في حدود البعد الفيزيولوجي المجرد (النوم، التغذية، الوظائف الحيوية). وهذه المقاربة تتوقف عند القاعدة الأولى لـ «هرم أبراهام ماسلو» للاحتياجات الإنسانية. بيد أن التحليل البنيوي لوظائف الدماغ يشير إلى أن تلبية الحاجات البيولوجية الأساسية لا تمثل سوى الشق التشغيلي الأولي للمنظومة العصبية؛ إذ لا يمكن الحديث عن انتقال الفرد إلى مراحل الإدراك العليا، والموازنة بين العاطفة والمنطق، دون سلامة الاستقرار النفسي.

وفي هذا السياق، تُعرّف «منظمة الصحة العالمية» (WHO) الصحة النفسية والعقلية بأنها: «حالة من العافية يدرك فيها الفرد قدراته الخاصة، ويمكنه التعامل مع ضغوط الحياة العادية، والعمل بشكل منتج ومثمر، والمساهمة في مجتمعه».

إن المحور الارتكازي في هذا التعريف هو مفهوم «التجانس» أو «الكاملية»، والذي يتقاطع مباشرة مع المفهوم العلمي لـ الشمولية (Holism). ينص هذا المفهوم على أن النظم—سواء كانت بيولوجية، أو فيزيائية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو عقلية—هي وحدات متكاملة لا يمكن فهم خصائصها عبر تجزئتها إلى عناصر منفصلة. ومن ثمّ، فإن التعامل مع الفرد بمعزل عن بيئته النفسية والاجتماعية يمثل خللاً منهجياً في إدارة الموارد البشرية.

ثانياً: الصحة النفسية في أجهزة العدالة الجنائية.. مقارنة بين النموذج الإصلاحي والردعي

منذ منتصف القرن العشرين، اتجهت الدول المتقدمة في أوروبا الشمالية (كالنماذج الإسكندنافية)، إضافة إلى ألمانيا واليابان وفرنسا وبريطانيا، نحو إدماج أبحاث الصحة النفسية وعلم الجريمة (Criminology) في أجهزة العدالة والأنظمة العقابية.

ويتطلب التحليل الموضوعي تقييم الإيجابيات والسلبيات في تطبيق هذه النظرة:

 * الجانب الإيجابي (النموذج الإصلاحي): تعتمد دول كالدنمارك والسويد على مفهوم «التأهيل النفسي والسلوكي» للمجرمين، انطلاقاً من تشخيص الاضطرابات النفسية كعامل مسبب للسلوك الإجرامي. ويؤدي ذلك إلى خفض معدلات أود العود للإجرام (Recidivism) بشكل ملحوظ مقارنة بالمعدلات العالمية، وإعادة دمج الأفراد كعناصر منتجة.

 * الجانب النظري النظير (المآخذ والنقد): في المقابل، يرى بعض نقاد المدرسة الجنائية التقليدية أن الإفراط في «أنْسَنَة» العقاب وعزوه كاملاً إلى الاعتلالات النفسية قد يضعف الردع العام، ويتجاهل المسؤولية الفردية والإرادة العاقلة للفاعل، مما يخلق تحديات في توازنات العدالة الموجّهة للضحايا.

غير أن الفرق الفارق بين المنظومات المتقدمة والمنظومات التقليدية يكمن في وجود مسح تشخيصي دقيق يفرق بين «المجرم المترصد»، و«المتعثر اجتماعياً»، و«المريض النفسي»، وهو ما تفتقده الكثير من المؤسسات العقابية في العالم العربي التي تدير السجون بمنطق احتجازي مجرد لا إصلاحي.

ثالثاً: التشخيص المبكر والأبعاد البيولوجية للذكاء العاطفي

تؤكد البيانات الموثقة لدى منظمة الصحة العالمية أن نحو 50% من اضطرابات الصحة النفسية تبدأ بحلول سن 14 عاماً، غير أن معظم الحالات تبقى دون تشخيص أو علاج في المراحل المبكرة. وتترتب على هذا الإهمال تبعات خطيرة؛ إذ يُعد الانتحار المسبب الرئيسي الثاني للوفاة بين الشباب في الفئة العمرية (15-29 عاماً) عالمياً، حيث يحصد أرواح مئات الآلاف سنوياً نتيجة غياب الوعي التشخيصي والتدخل المبكر.

وعلى المستوى الكيميائي العصبي، ترتبط إدارة الضغوط والمرونة الفكرية بالتوازن الهرموني والنواقل العصبية التي تشكل ما يُعرف بديناميكية المزاج والاستجابة:

 * الدوبامين (Dopamine): الناقل العصبي المسؤول عن مسار المكافأة والتحفيز في الدماغ.

 * السيروتونين (Serotonin): المنظم الرئيسي للمزاج والنوم، والذي تعتمد عليه غالبية مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الاختيارية (SSRIs) المستخدمة في علاج مضادات الاكتئاب.

 * الأوكبيتوسين (Oxytocin): الهرمون المرتبط بالروابط الاجتماعية والأمان العاطفي، والذي يسهم في تخفيض مستويات مستجيبات الإجهاد.

 * الإستروجين (Estrogen): يؤثر تذبذبه في مستويات الطاقة والمزاج، وتؤدي انخفاضاته الحادة (كما في مرحلة انقطاع الطمث) إلى تحفيز إفراز الكورتيزول (هرمون التوتر).

 * البروجسترون (Progesterone): يلعب دوراً مهدئاً للجهاز العصبي المركزي، وينخفض مع تقدم السن أو تحت ضغوط الحياة النمطية وغير الصحية.

تُشبه أدبيات علم النفس المعرفي هذه المنظومة العصبية الكيميائية بـ «الأواني المستطرقة»؛ أي خلل أو استنزاف في جانب دون آخر يؤدي إلى اضطراب المنظومة كاملة، مما ينعكس على كفاءة الفرد القرارية والتكيفية.

رابعاً: الذكاء العاطفي كأداة لبناء المرونة والتكيف الاجتماعي

تستدعي معالجة التحديات النفسية الاعتماد على تطوير الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence)، وهو المفهوم الذي أطّره الخبير الأمريكي دانييل جولمان (Daniel Goleman). يرتكز الذكاء العاطفي على أربعة أبعاد أساسية: الوعي بالذات، إدارة الذات، الوعي الاجتماعي، وإدارة العلاقات.

إن امتلاك الفرد للذكاء العاطفي والمرونة المعرفية يتيح له التعامل مع الضغوط اليومية والتقلبات المهنية بمنطق التحليل والحلول، بدلاً من الارتهان للاستجابات الانفعالية. فالوعي المستند إلى القراءة المستمرة والتحليل العلمي الذاتي ليس مجرد رفاهية فكرية، بل هو المعيار الأساسي للوقاية من التراكمات السلبية والتسمم العاطفي.

خاتمة واستنتاج

إن استحقاقات المرحلة الراهنة تتطلب إعادة النظر في ملف الصحة النفسية والعقلية، والتعامل معه باعتباره متطلباً تنموياً لا ينفصل عن الأداء الاقتصادي والأمن الاجتماعي. إن استمرار التردد في دمج الرعاية النفسية ضمن منظومات التعليم، والعمل، والعدالة، يُبقي المجتمعات في دوامة الانفعالية وتراجع الإنتاجية. إن بناء مجتمع مرن وقادر على المواجهة يتطلب الاعتماد على الحلول العلمية، والاستثمار في العقل البشري بوصفه المحرك الأساسي لكافة تفاصيل الحياة.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

The Resident Power Paradox: A Critical Analysis of France’s Indo-Pacific Strategy