Posts

Showing posts from June, 2021

«طباخ السم لابد أن يتذوقه»: تفكيك المفارقة الهيكلية في التجربة السياسية للعدالة والتنمية

تُشير دراسة التحولات السياسية في دول الشرق الأوسط في الغالب إلى مفارقة جوهرية: كيف يمكن للمشاريع الإقليمية الطموحة أن تنهار ليس فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل نتيجة لاختلالات هيكلية داخلية في أسلوب الحكم واتخاذ القرار؟ تشكل التجربة السياسية لحزب "العدالة والتنمية" في تركيا نموذجًا تحليليًا دقيقًا لهذه الأزمة، حيث تحول المشروع من الرؤية الجيوسياسية المعتمدة على "القوة الناعمة" والتنمية الإقليمية إلى نظام سلطوي يتغذى على الأزمات، ويعتمد على تقديس الذات والدعاية الفردية. الرؤية الناعمة والعمق الاستراتيجي: صعود الهيكلية النظرية بدأت المقاربة التركية المعاصرة من خلال العقل الاستراتيجي لأحمد داود أوغلو، الذي صاغ أطرها النظرية في كتابيه النماذج البديلة (1993) والعمق الاستراتيجي (2001). ارتكزت هذه الرؤية على فرضية مفادها أن النفوذ الجيوسياسي لتركيا لا يتحقق عبر المواجهة العسكرية أو الانغلاق القومي، بل عبر التمدد الناعم المستند إلى:  * التكامل الاقتصادي والتجاري مع الجوار العربي والإسلامي.  * الدبلوماسية الثقافية والتعليمية كأداة لبناء نفوذ مستدام.  * المرونة الديمقراطية والتف...

من وحي الحقوق: التقييم الأخلاقي والهيكلي للشيوعية في إطار الجيوسياسية المعاصرة

تُشكل العودة المتسارعة للتنافس بين القوى العظمى أحد أبرز معالم المشهد الاستراتيجي الراهن. فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، بدا وكأن النظام الدولي المتعدد الأطراف يتجه نحو هيمنة أحادية القطبية تقودها الولايات المتحدة عبر نموذج الشفافية والتجارة الحرّة. غير أن حالة الركود أو الاسترخاء الاستراتيجي التي رافقت تلك الفترة أتاحت مساحة لظهور صعود منتظم لقوى شمولية ومستبدة—وعلى رأسها الصين وروسيا—نجحت في تفادي السقوط المؤسسي وصياغة نماذج حوكمة هجينة تجمع بين السيطرة الصارمة وتكييف أدوات السوق خدمةً للبقاء السياسي. في هذا السياق، يتصاعد في بعض أوساط الناميات تساؤل مبسط: "إذا كانت التجربة مع الغرب الرأسمالي لم تحقق التنمية المنشودة، فلماذا لا يتم تجربة النموذج الشيوعي الصيني؟" إن هذا الطرح يغفل حقيقة بنيوية مفادها أن القوى العظمى، بغض النظر عن لافتاتها الأيديولوجية، تعمل وفق مقتضيات المصالح الجيوستراتيجية وموازين القوى، وليس وفق أبعاد إيثارية. والأهم من ذلك، أنه يستدعي مراجعة تفكيكية واضحة لمدى صلاحية الفكر الشيوعي من منظور حقوقي وأخلاقي. الفجوة البنيوية بين النوايا والسلوك التنظيمي تقوم ا...

اختبار الشرعية في أرض ممزقة: تحليلات حول مأزق الاستحقاق الانتخابي الإثيوبي‏

تواجه إثيوبيا مفترق طرق حاسماً مع توجه الناخبين إلى صندوق اقتراع يأتي في توقيت بالغ التعقيد. ففي الوقت الذي يسعى فيه رئيس الوزراء آبي أحمد لاستغلال هذا الاستحقاق للحصول على تفويض شعبي يثبت شرعيته الإصلاحية بعد ثلاثة أعوام من صعوده للسلطة، تتجه البلاد نحو عملية انتخابية مبتورة تجري تحت وطأة نيران حرب أهلية في الشمال، ومخاوف مجاعة وشيكة، واعتكاف معارض عريض يشكك في نزاهة اللعبة برمتها. من منظور التحليل الجيوسياسي القائم على قراءة موازين القوى وبنية المؤسسات، لا يمكن التعامل مع هذه الانتخابات باعتبارها ممارسة ديمقراطية تقليدية، بل باعتبارها أداة سياسية صممت لتعيد هندسة النظام الفيدرالي الإثيوبي وتوحيد المركز في أديس أبابا على حساب الأقاليم. أولاً: واقع انتخابي مجزأ وثقوب في النسيج الفيدرالي كان المُقترح الأولي يهدف إلى تقديم هذه الانتخابات كأنها الأكثر ديمقراطية وشفافية في تاريخ البلاد. غير أن الواقع اللوجستي والأمني فرض معطيات مغايرة؛ إذ تشير البيانات إلى أن عملية الاقتراع لن تشمل ما يقارب خمس الدوائر الانتخابية في البلاد (نحو 110 دوائر من أصل 547 دائرة). تتوزع أسباب هذا التعثر بين:  ...

الواقع بين سندان الحقيقة ومطرقة التغيير: إعادة تعريف "الاستقرار الاستراتيجي العالمي"

مثّلت قمة جنيف بين الرئيسين الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين محطة مفصلية في مشهد السياسة الدولية؛ حيث اتفق الطرفان على إطلاق حوار شامل ومكثف حول "الاستقرار الاستراتيجي". غير أن هذا التوافق الشكلي يطرح سؤالاً بنيوياً حول المفهوم ذاته: في أي مساقات يمكن فهم الاستقرار الاستراتيجي اليوم؟ وهل ما زالت أدوات القرن العشرين قادرة على احتواء ديناميكيات الصراع في القرن الحادي والعشرين؟ ارتبط مفهوم الاستقرار الاستراتيجي (Strategic Stability) تاريخياً ببيئة القطبية الثنائية خلال الحرب الباردة، وتحديداً عبر آلية الردع النووي المتبادل بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ارتكز ذلك التوازن على فلسفة "الدمار المؤكد المتبادل" (MAD)، والتي صاغت وثيقة عام 1990 المشتركة مفادها الحقيقي: غياب الحوافز لدى أي من الطرفين لشن ضربة نووية أولى. لكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وما تلاه من تفكك لحلف وارسو، تبدلت المعالم المعيارية للقوة الدولية. شهدت بداية القرن الحالي تصدعاً متسارعاً في هذا الإطار. ففي عام 2002، أعلنت واشنطن انسحابها الأحدي من معاهدة الدفاع الصاروخي (ABM) لعام 1972، مد...