«طباخ السم لابد أن يتذوقه»: تفكيك المفارقة الهيكلية في التجربة السياسية للعدالة والتنمية
تُشير دراسة التحولات السياسية في دول الشرق الأوسط في الغالب إلى مفارقة جوهرية: كيف يمكن للمشاريع الإقليمية الطموحة أن تنهار ليس فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل نتيجة لاختلالات هيكلية داخلية في أسلوب الحكم واتخاذ القرار؟ تشكل التجربة السياسية لحزب "العدالة والتنمية" في تركيا نموذجًا تحليليًا دقيقًا لهذه الأزمة، حيث تحول المشروع من الرؤية الجيوسياسية المعتمدة على "القوة الناعمة" والتنمية الإقليمية إلى نظام سلطوي يتغذى على الأزمات، ويعتمد على تقديس الذات والدعاية الفردية. الرؤية الناعمة والعمق الاستراتيجي: صعود الهيكلية النظرية بدأت المقاربة التركية المعاصرة من خلال العقل الاستراتيجي لأحمد داود أوغلو، الذي صاغ أطرها النظرية في كتابيه النماذج البديلة (1993) والعمق الاستراتيجي (2001). ارتكزت هذه الرؤية على فرضية مفادها أن النفوذ الجيوسياسي لتركيا لا يتحقق عبر المواجهة العسكرية أو الانغلاق القومي، بل عبر التمدد الناعم المستند إلى: * التكامل الاقتصادي والتجاري مع الجوار العربي والإسلامي. * الدبلوماسية الثقافية والتعليمية كأداة لبناء نفوذ مستدام. * المرونة الديمقراطية والتف...