الواقع بين سندان الحقيقة ومطرقة التغيير: إعادة تعريف "الاستقرار الاستراتيجي العالمي"

مثّلت قمة جنيف بين الرئيسين الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين محطة مفصلية في مشهد السياسة الدولية؛ حيث اتفق الطرفان على إطلاق حوار شامل ومكثف حول "الاستقرار الاستراتيجي". غير أن هذا التوافق الشكلي يطرح سؤالاً بنيوياً حول المفهوم ذاته: في أي مساقات يمكن فهم الاستقرار الاستراتيجي اليوم؟ وهل ما زالت أدوات القرن العشرين قادرة على احتواء ديناميكيات الصراع في القرن الحادي والعشرين؟
ارتبط مفهوم الاستقرار الاستراتيجي (Strategic Stability) تاريخياً ببيئة القطبية الثنائية خلال الحرب الباردة، وتحديداً عبر آلية الردع النووي المتبادل بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ارتكز ذلك التوازن على فلسفة "الدمار المؤكد المتبادل" (MAD)، والتي صاغت وثيقة عام 1990 المشتركة مفادها الحقيقي: غياب الحوافز لدى أي من الطرفين لشن ضربة نووية أولى. لكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وما تلاه من تفكك لحلف وارسو، تبدلت المعالم المعيارية للقوة الدولية.
شهدت بداية القرن الحالي تصدعاً متسارعاً في هذا الإطار. ففي عام 2002، أعلنت واشنطن انسحابها الأحدي من معاهدة الدفاع الصاروخي (ABM) لعام 1972، مدفوعة بتقدير مفاده أن القيود المتبادلة لم تعد تخدم تفوقها التكنولوجي والعسكري أمام منافس لم تعد تراه مكافئاً. قاد ذلك إلى رد فعل روسي ركز على تطوير منظومات هجومية استراتيجية ذات سرعات فرط صوتية لتجاوز المحاسب الدفاعية الأمريكية. وتوالت التطورات بانهيار معاهدة القوات النووية متوسطة المدى (INF) عام 2019، مما وضع معاهدة "نيو ستارت" (New START) -التي تقرر تمديدها لاحقاً- كآخر خط دفاع مؤسسي يمنع انفلات سباق تسلح جديد.
إن القراءة النقدية التحليلية تدل على أن المفهوم لم يعد مقتصراً على التوازن الثنائي التقليدي. ففي عام 2016، طرحت موسكو وبكين مفهوم "الاستقرار الاستراتيجي العالمي" كبديل للإطار القديم، حاشدةً ضمنه جوانب غير نووية كالأسلحة السيبرانية، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والتوازن العسكري التقليدي.
تظهر تجليات هذا الطرح الروسي بوضوح في إقليم شمال أوروبا وحوض البلطيق. تنظر المخيلة الاستراتيجية الروسية إلى الشمال الأوروبي كعمق جيو-استراتيجي عازل. وفي عقيدتها العسكرية، تُعامل موسكو التحركات الغربية وفق مفهومين أساسيين:
 * التراكم العسكري المفرط (Military Build-up): أي نشاط يعزز القدرات التشغيلية لحلف الناتو على مقربة من الحدود الروسية.
 * استعادة التوازن القسري: اعتبار الإجراءات الروسية المضادة ردوداً "مجبورة" لإعادة التوازن الحرج.
من هذا المنطلق، لا تنظر موسكو إلى التمارين العسكرية الرمزية للناتو أو تعزيز البنية التحتية -مثل رادار "فاردو" في شمال النرويج- كإجراءات دفاعية، بل كتحديات مباشرة لردعها الاستراتيجي. بالمقابل، يكشف هذا التحليل عن خلل في المنطق الروسي؛ إذ يُعطي لنفسه الحق في التحديث العسكري الشامل ويرى فيه حقاً سيادياً، بينما يُصنف المحاولات الدفاعية المستقلة للدول المجاورة كأنشطة مُزعزعة للاستقرار.
بين التحليل البنيوي والمآلات المستقبلية
تقتضي الموضوعية إبراز مكامن القوة والضعف في وجهات النظر المتصارعة:
 * الإيجابيات: يُحسب للمقاربة الحديثة دفعها بضرورة شمول مجالات جديدة في مفاوضات الحد من التسلح (كالذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والأسلحة الفضائية)، وتجاوز الاختزال النووي الضيق. كما أن إعادة تفعيل الحوار الاستراتيجي يمنع الانزلاق غير المقصود نحو المواجهة.
 * السلبيات: تتجلى السلبية الكبرى في غياب الثقة المؤسسية، وفي المعضلة الأمنية (Security Dilemma) حيث يُفكر كل طرف بعقلية المعادلة الصفرية (Zero-Sum Game). فضلاً عن ذلك، فإن بروز الصين كقوة نووية وتكنولوجية صاعدة يجعل من العسير بناء نظام استقرار عالمي مستدام يستثني الثقل الآسيوي.
إن الاستقرار الاستراتيجي لم يعد حالة استاتيكية تُصاغ عبر معاهدات ثنائية مغلقة، بل هو عملية ديناميكية متغيرة تعتمد على القراءة الواقعية للمعطيات العلمية والجيوسياسية. إن صياغة أمن عالمي متماسك تتطلب الانتقال من سياسات محاور القرن الماضي إلى نماذج ردع مرنة، قائمة على الشفافية التقنية والحوار العقلاني، بعيداً عن الرؤى الأيديولوجية الضيقة.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?