اختبار الشرعية في أرض ممزقة: تحليلات حول مأزق الاستحقاق الانتخابي الإثيوبي‏

تواجه إثيوبيا مفترق طرق حاسماً مع توجه الناخبين إلى صندوق اقتراع يأتي في توقيت بالغ التعقيد. ففي الوقت الذي يسعى فيه رئيس الوزراء آبي أحمد لاستغلال هذا الاستحقاق للحصول على تفويض شعبي يثبت شرعيته الإصلاحية بعد ثلاثة أعوام من صعوده للسلطة، تتجه البلاد نحو عملية انتخابية مبتورة تجري تحت وطأة نيران حرب أهلية في الشمال، ومخاوف مجاعة وشيكة، واعتكاف معارض عريض يشكك في نزاهة اللعبة برمتها.
من منظور التحليل الجيوسياسي القائم على قراءة موازين القوى وبنية المؤسسات، لا يمكن التعامل مع هذه الانتخابات باعتبارها ممارسة ديمقراطية تقليدية، بل باعتبارها أداة سياسية صممت لتعيد هندسة النظام الفيدرالي الإثيوبي وتوحيد المركز في أديس أبابا على حساب الأقاليم.
أولاً: واقع انتخابي مجزأ وثقوب في النسيج الفيدرالي
كان المُقترح الأولي يهدف إلى تقديم هذه الانتخابات كأنها الأكثر ديمقراطية وشفافية في تاريخ البلاد. غير أن الواقع اللوجستي والأمني فرض معطيات مغايرة؛ إذ تشير البيانات إلى أن عملية الاقتراع لن تشمل ما يقارب خمس الدوائر الانتخابية في البلاد (نحو 110 دوائر من أصل 547 دائرة).
تتوزع أسباب هذا التعثر بين:
 * الانهيار الأمني: انتشارات النزاعات العرقية والمواجهات المسلحة في مناطق عدة، مما حال دون وصول اللجان أو تسليم البطاقات الانتخابية.
 * العجز اللوجستي: أخطاء طباعية متكررة في أوراق الاقتراع وتأخيرات إدارية منحت المجلس الوطني للإنتخابات مبرراً لتأجيل العملية في تلك المناطق.
 * تغليب الخيار العسكري في الشمال: يستثنى إقليم تيغراي بالكامل (والذي يمثل 38 مقعداً برلمانياً) من هذا الاستحقاق. سبعة أشهر من القتال الشرس عقب دخول القوات الفيدرالية لخلع جبهة تحرير شعب تيغراي تحولت إلى أزمة إنسانية كارثية وتوثيقات لانتهاكات حقوقية تقر بها تقارير الأمم المتحدة، حيث يواجه نحو 350 ألف شخص خطر المجاعة المباشر، وسط تجاهل دولي يستشعر العجز أمام الأزمة الإنسانية لستة ملايين مواطن إقليمي.
إن إجراء استحقاق برلماني في غياب خُمس المقاعد البرلمانية تقريباً يُفرغ مفهوم "التفويض الشامل" من معناه، ويمنح النتائج بُعداً إقصائياً قد يفاقم التوتر الشعبي بدلاً من احتواه.
ثانياً: شلل المعارضة وغياب الرقابة الدولية
إن الشرعية الانتخابية لا تنبع فقط من كثرة أعداد المقترعين، بل من التنافسية السياسية وحيدة الأطراف. وتتأثر القيمة السياسية لهذه الانتخابات بوجود عاملين أساسيين:
 * مقاطعة القوى الرئيسية: شهدت أقاليم رئيسية مثل "أوروميا" المقاطعة من قبل أحزاب معارضة ثقيلة الوزن (مثل جبهة تحرير أورومو ومؤتمر أورومو الفيدرالي)؛ احتجاجاً على اعتقال قياداتها وتضييق المساحات العامة. هذا الانكفاء يفرغ صندوق الاقتراع من محتواه التنافسي، ويجعل من فوز "حزب الرخاء" الحاكم تحصيلاً لحاصل ومجرد ممارسة شكليّة للاستحواذ على السلطة.
 * انسحاب الرقابة الدولية المعتمدة: شكّل قرار الاتحاد الأوروبي بإلغاء بعثته لمراقبة الانتخابات ضربة موجهة لمصداقية العملية برمتها. رفض الحكومة الإثيوبية تقديم ضمانات تتعلق باستقلالية المراقبين وتوفير اتصالات آمنة للتغطية يعكس نهجاً حذراً يبتعد عن المعايير الشفافة المقبولة دولياً، وهو ما أضعف الرهان الغربي على شخصية آبي أحمد كصانع للسلام في المنطقة.
ثالثاً: التسريبات السياسية والتحولات في الحلفاء
في ظل هذا الاحتقان، تصاعدت حرب الوثائق والمعلومات. حيث انتشر تسريب صوتي يُنسَب لرئيس الوزراء باللغة الأمهرية يؤكد فيه - حسب التسريب - امتناعه عن تسليم السلطة وتفضيله الموت على تركها. وعلى الرغم من أن مكتب رئيس الوزراء والمؤسسات الإعلامية الرسمية سارعا بنفي صحة التسريب وأكدا أنه تسجيل مفبرك تم تجميعه وتعديله من مقاطع لخطابات ومناقشات متعددة لإثارة الفتنة؛ إلا أن التفاعل الشعبي والسياسي مع التسريب عكس أزمة ثقة عميقة بالخطاب الرسمي.
وعلى الصعيد الدولي والإقليمي، لم تعد البيئة المحيطة برئيس الوزراء على القدر نفسه من الدعم:
 * تغير التوازنات الدولية: أظهرت التطورات السياسية في واشنطن والقمم الدولية الأخيرة تغيراً في اللهجة الأمريكية القادمة من البيت الأبيض نحو استراتيجية حازمة تطالب بوقف القتال في تيغراي وتؤكد على ملف الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك ملف سد النهضة.
 * الضغوط الإقليمية: التغيرات في المشهد السياسي في الشرق الأوسط وإفريقيا تركت الحكومة الإثيوبية في مواجهة عزلة تدريجية، حيث تزداد التحفظات الأوروبية والأمريكية بشأن الانتهاكات الحقوقية ومخاطر الفوضى المسلحة.
رابعاً: السيناريوهات المستقبلية والتأثير الإقليمي
إن القراءة النقدية الهادئة للمعطيات الراهنة تفيد بأن فوز "حزب الرخاء" بأغلبية برلمانية وتشكيل الحكومة المقبلة أصل حتمي بحكم الواقع التنافسي المبتور. بيد أن السؤال الجوهري لا يتعلق بنتيجة الصندوق، بل بكلفة اليوم التالي لانتهاء الاقتراع:
 * السيناريو الأول: فوز بلا شرعية متكاملة وموجة احتجاجات
   إن انتزاع الأغلبية البرلمانية عبر انتخابات مقاطعة ومبتورة سيعزز رؤية المعارضة والأقاليم لمنظومة الحكم الحالية باعتبارها سلطة أحادية التفويض. قد يقود هذا المسار إلى اتساع نطاق العصيان المدني والمواجهات العرقية، لا سيما مع شعور مكونات ديمغرافية رئيسية بالتهميش السياسي.
 * السيناريو الثاني: انعكاس الأزمة على ملفات جوهرية (سد النهضة)
   تشكل الصلابة والتعنت السياسي عادة ملجأً للأنظمة التي تعاني من أزمات شرعية داخلية. وبالتالي، فإن حكومة أديس أبابا قد تتخذ موقفاً أكثر تشدداً في الملفات الخارجية الكبرى - وعلى رأسها ملف سد النهضة - لتعبئة الشارع حول "الرمزية الوطنية" ولتشتيت الانتباه عن التعثرات التنموية والأمنية في الداخل.
 * السيناريو الثالث: الانهيار المؤسسي والضغط العسكري
   إذا استمر النهج العسكري كحل أولي للنزاعات العرقية، وخاصة في تيغراي وأوروميا، فإن الاقتصاد الإثيوبي قد لا يصمد أمام استنزاف الموارد وضياع الفرص الاستثمارية، ما يهدد بانهيار تدريجي لبنية الدولة وتمدد الفوضى نحو القرن الإفريقي.
الخاتمة
تقف إثيوبيا في هذه اللحظة بين خيار بناء دولة المؤسسات عبر الحوار الوطني الشامل، وبين فرض السيطرة عبر صناديق اقتراع افتقرت للشمول والشفافية. إن الانتخابات المحسومة النتائج مسبقاً لن تكون دواءً لأزمات إثيوبيا البنيوية، بل قد تكون حلقة جديدة في مسلسل التعقيد السياسي الذي سيخيم بظلاله على استقرار الشرق الإفريقي برمته.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?