Posts

Showing posts from 2019

العلاقات التركية–الإيرانية في إفريقيا: ديناميات التقارب المصلحي وإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي

تمهيد: تحول الفاعلين وتفكيك جيوسياسية النفوذ تعتمد العلاقات الدولية المعاصرة على مصفوفة معقدة من المصالح التي تتداخل فيها الحسابات البراغماتية للنظم السياسية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للشرائح الحاكمة. وفي هذا السياق، لا يمكن تقييم العلاقات التركية–الإيرانية وفق النموذج المفهومي التقليدي للخصومة التاريخية أو التحالف الأيديولوجي الثابت؛ بل هي حالة متقدمة من "المنافسة التعاونية" (Cooperative Competition) التي تتأرجح بين التكتيك المرحلي والتنسيق الاستراتيجي. يرتبط هذا التداخل بالامتداد الجغرافي والاجتماعي المباشر، وببنية أنظمة الحكم في أنقرة وتهران. وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، يبدو أن القارة الإفريقية باتت تُشكل الساحة الأبرز لتلاقي هذه المصالح، خصوصاً مع تراجع النفوذ القاري التقليدي لبعض القوى الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، مقابل صعود أدوار قوى دولية كبرى كشاركتين آنيتين لأنقرة وتهران (روسيا والصين)، مما يتيح لكلا البلدين إعادة تعريف موقعهما في النظام الإقليمي والدولي. أولاً: الدوافع الاستراتيجية والنفوذ المتقاطع في القارة السمراء يمتد التواجد الإيراني والتر...

كش ملك ...

إعادة رسم الخريطة السياسية البريطانية: تفكيك العجز الأيديولوجي ولعبة التوازن الإستراتيجي تشكل نتائج الانتخابات العامة البريطانية تحولاً نفعياً حاسماً في بيئة الحكم والسياسة. لم تكن هذه الجولة الانتخابية مجرد اقتراع عابر لحسم أزمة الاستعصاء البرلماني حول ملف "البريكست"، بل كانت استفتاءً عميقاً على طبيعة الهوية السياسية للمملكة المتحدة، وتفكيكاً هيكلياً للاستقطابات التي سادت خلال السنوات الأخيرة. العجز الأيديولوجي وانكشاف "وهم المعرفة" لدى اليسار شهدت المنظومة الحزبية انكساراً واضحاً للنموذج الذي قدمه حزب العمال تحت قيادة جيرمي كوربن. تتجلى المعضلة التحليلية لهذا التيار في عجزه عن تقديم قراءة واقعية للتحولات البنيوية في الخطاب العام. فعند التعاطي مع الأزمات الأمنية والمجتمعية الحادة، بما فيها حوادث الطعن التي شهدتها بريطانيا، ظهر الخطاب القيادي متنزعاً من السياق المؤسسي والدولاتي. وبدلاً من تقديم إدانة حازمة وحلول إجرائية تدعم سيادة القانون، انزوى الخطاب إلى العزف على أوتار أيديولوجية راديكالية تُرجع كل الاختلالات الهيكلية إلى "عثرات الرأسمالية" بشكل مبسط، م...

الصفعة التي لا نتعلم منها نستحقها مجدداً في فلك الممنوع ... عفوا في فلك الغاز

موازين الغاز وضغوط السيادة: قراءة نقدية في اندفاعة أنقرة بشرق المتوسط تطرح التطورات الجارية في حوض شرق المتوسط تساؤلاً هيكلياً حول قدرة الفاعلين الإقليميين على فرض الأمر الواقع في منطقة تتداخل فيها الجيوسياسات النظرية مع المكتسبات الاقتصادية الصلبة. وفي هذا السياق، يستدعي المشهد الممتد بين أنقرة والقاهرة وطرابلس مقولة المفكر أدونيس حول خطورة امتلاك "الحقيقة المطلقة" بوصفها مصدراً للقمع والافتراس السياسي؛ حيث يتحول الاعتقاد بالجزمية إلى أداة لفرض النفوذ بالقوة، وهو ما يتجلى في محاولات إعادة رسم الخرائط البحرية عبر اتفاقيات تتجاوز الأطر الإقليمية القائمة. إن مذكرتي التفاهم الموقعتين بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس بشأن التنسيق الأمني وترسيم الحدود البحرية لا يمكن فصلهما عن سعي تركيا لكسر حالة العزلة البحرية التي فرضها تشكيل "منتدى غاز شرق المتوسط". ومما يجدر تصحيحه مفاهيمياً وعلمياً، فإن التقديرات المعتمدة عالمياً — وفق الهيئة الأمريكية للماسيح الجيولوجية (USGS) — تشير إلى احتواء حوض شرق المتوسط على نحو 122 تريليون قدم مكعب (أي ما يعادل نحو 3.45 تريليون متر م...

الاسلاموفوبيا وكذبة شموليتها ...

شماعة "الإسلاموفوبيا" وتناقضات خطابات الشرعية: تفكيك تحليلي لقمة كوالالمبور تُقدّم القراءة السوسيولوجية للمفكر العراقي علي الوردي مدخلاً بنيوياً لفهم السلوك الجمعي والخطاب السياسي؛ إذ يرى أن "الإنسان يبحث عن تقدير المجتمع، فإن كان المجتمع يقدّر رجال الدين كثُر المتدينون، وإن كان يقدّر اللص كثُر اللصوص". هذا الطرح يناقض التفسيرات الإعظاظية التبسيطية للنزاعات، مؤكداً أن الصراع الإنساني ليس مواجهة بين "الخير والشر" بقدر ما هو صدام بين اعتبارين مختلفين للخير، حيث يُسقط كل طرف تصوره الخاص للأخلاقية ويطالب بالقداسة لشعاراته. يبدو هذا التأطير مناسباً لتفكيك المبادرة الإعلامية التي انبثقت عن الحراك السياسي المقترن بـ "قمة كوالالمبور" (ديسمبر 2019)، والتي جمعت قيادات من تركيا، وماليزيا، وقطر، وإيران، إلى جانب طرح باكستاني سابق لتأسيس منصة إعلامية ناطقة بالإنجليزية لمواجهة ما يُعرف بـ "الإسلاموفوبيا". ورغم الترويج للمبادرة كخطوة لتصحيح الصورة الذهنية عن الإسلام في الغرب، فإن التدقيق التحليلي ينطوي على تناقض مفاهيمي وسياسي: كيف يمكن لأطراف تُعاني ...

لنجعل العالم يرتدي اللون البرتقالي ...

تفكيك البنية المؤسسية للعنف وضبط الفجوة السياساتية بين ضفتي المتوسط يُمثّل الحملة العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة محطة سنوية مكررة لتقييم كفاءة النظم القانونية والمؤسسية ومدى قدرتها على استيعاب الحقوق الأساسية للفرد وحمايتها. وفي حين تشهد العواصم الأوروبية مثل بروكسل وباريس حراكاً جماهيرياً متزايداً يطالب بتشديد العقوبات وتوسيع أطر الحماية الجنائية والإدارية، تكشف هذه الحراكات عن فارق جوهري في طبيعة الاستجابة الرسمية بين النموذج الغربي والأنظمة القائمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أولاً: واقع الاستجابة المؤسسية: تجربة السياسات العامة في فرنسا في الوقت الذي تخرج فيه التظاهرات في فرنسا مطالبة بالحد من ظاهرة العنف ضد النساء، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب (Édouard Philippe) عن حزمة من الإجراءات التنفيذية والتشريعية المتكاملة. تضمنت هذه القرارات خططاً سريعة لمعالجة العنف الأسري والمجتمعي، تمثلت في:  * سحب الحضانة وتجريد الحقوق الأبوية: تعليق أو إسقاط الحضانة الآلية عن الأب بمجرد وجود ادعاءات مؤكدة أو إجراءات قضائية مرتبطة بالاعتداءات الجسيمة داخل ال...

ممالك النار ...

تستعرض القراءة التحليلية للمشهد الدرامي والسياسي في الشرق الأوسط كيف تحولت الدراما التاريخية الضخمة من مجرد أداة للترفيه إلى جبهة اشتباك جيوسياسي وإدراك معقد للتاريخ والمستقبل. يمثل عرض مسلسل "ممالك النار" نقطة تحول مفصلية في استراتيجيات الإنتاج الإعلامي العربي، حيث ينتقل المنظور من حالة الاستهلاك والتلقي للروايات التاريخية الوافدة إلى صياغة سردية مضادة تستند إلى قراءة إقليمية مستحدثة. شهدت الساحة الإعلامية العربية منذ تسعينيات القرن الماضي تحولات هيكلية قادتها المؤسسات الإعلامية الخليجية، وفي مقدمتها مجموعة MBC. أسهمت هذه المؤسسات في تشكيل الوجدان الجمعي العربي عبر استيراد أنماط درامية متنوعة من أمريكا اللاتينية وشرق آسيا والهند، إلى جانب دعم المدرسة الدرامية الكويتية والإنتاج الدرامي السوري والمصري. ومع حلول عام 2008، أدى انسياب الدراما التركية إلى الشاشات العربية إلى إعادة تشكيل الفضاء الثقافي الإقليمي، إلا أن هذا الانسياب أخذ دلالات أعمق مع تصاعد استخدام الدراما التركية كأداة للالقوة الناعمة. وظفت أنقرة إنتاجات مثل "قيامة أرطغرل" و"عاصمة عبد الحميد" لل...

اللغة والمناورة الاستراتيجية: قراءة في الموزاييك الفرانكو-ألماني ومستقبل الناتو

تقتضي الواقعية السياسية عند تفكيك السلوك الأوربي في لحظات التحول الدولي تجاوز القراءات الانطباعية التي تقف عند حدود التصريحات السطحية، والغوص عميقاً في ديناميكيات القوة وموازين المصالح. تجلى هذا بوضوح عقب التصريح الشهير للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقابلته مع مجلة "الإيكونوميست" حول "الموت الدماغي" لحلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ حيث صدم الإطار التقليدي للعلاقات العابرة للأطلسي، معلناً بداية رحلة البحث عن "المستقل الاستراتيجي الأوربي" في بيئة دولية تتسم بالتحول المتسارع نحو التعددية القطبية. الشرخ الظاهري والمصالح المتكاملة: بين العصا والجزرة يتعامل الكثير من المحللين مع المواقف الصادرة من باريس وبرلين باعتبارها تبايناً جوهرياً يعكس عجزاً عن التوافق، إلا أن الفحص البنيوي لسياسات المحور الفرانكو-ألماني يظهر توزيعاً أدوار متقناً يتأرجح بين "العصا الفرنسية" و"الجزرة الألمانية". فبينما يندفع ماكرون بطموح نابع من الإرث الديجولي لإعادة صياغة الأمن الأوربي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، تمارس برلين هدوءاً استراتيجياً يحفظ خطوط التواصل مع كافة ا...

الاتكال على حمارك أفضل من الاتكال على حصان جارك ...

أزمة الحلف المترهل: هل تشهد السياسة الأوروبية بداية الانفصال الاستراتيجي عن واشنطن؟ مقدمة: تشخيص الحالة الاستراتيجية في المثل الشعبي القديم قيل: "الاتكال على حمارك أفضل من الاتكال على حصان جارك"؛ حكم مكثفة تلخص فلسفة الاعتماد على الذات وتقديم الموارد الذاتية وإن كانت متواضعة على الرهان على قوة خارجية قد تتخلى عنك في لحظة حاسمة. ينطبق هذا المنطق تماماً على واقع الأمن الأوروبي المعاصر؛ ففي مقابلة تاريخية مدوية مع مجلة الإيكونوميست (The Economist)، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصفه المباشر لـ "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) بأنه يعاني من حالة "موت دماغي" (Brain Death). لم يكن تصريح ماكرون مجرد زلة لسان سياسية أو انفعال عابر، بل جاء تجسيداً لإدراك عميق بخطورة ارتهان القرار الأوروبي لمظلة أمنية أمريكية أضحت مشوبة بالتقلب والضبابية، لا سيما في ظل التطورات المتسارعة المتصلة بالسلوك التركي في شمال سوريا والتخفيض التدريجي للالتزام الأمريكي المباشر. برلين وباريس: مناورة أدوار أم تصادُم رؤى؟ بالتوازي مع التصريحات الفرنسية الحادة من قلب العاصمة الصينية بكين، شهدت ا...

#متلازمة_الشعراوي ...

ظاهرة "الرمزية الشعبية" ومطبّات العقل الجمعي: قراءة تحليلية في سوسيولوجيا السلطة الدينية والذاكرة الجمعية تُشكل الثقافة الجمعية في المنطقة العربية نمطاً معقداً من الاستجابات الفكرية والسلوكية تجاه أشكال الرمزية والمُقدّس، حيث تتداخل الرموز الاستهلاكية البسيطة مع الرموز الدينية المؤثرة في تشكيل الوجدان العام. ومن مظاهر الذاكرة الثقافية في الأردن، على سبيل المثال، الارتباط الذهني العفوي لاسم "الشعراوي" بعلامة تجارية لمنتج زهيد الثمن (علكة الشعراوي)، والتي استمرت في الأسواق لعقود بسعر ثابِت دون الحاجة إلى حملات تسويقية أو إعلانات رقمية. وفي المقابل، تحيل الكلمة ذاتها في المخيلة المصرية والعربية إلى حالة من "الرومانسية الفكرية" والدينية تجاه شخصيات أصبحت تُشكّل جزئياً هوية العقل الجمعي، على غرار تصوير العلاقة الوجدانية بالرموز والاحتياجات في الدراما الاجتماعية العربية، كما في حديث الشخصيات عن اللحوم كرمز للرغبة والاشتياق النفسي في الأعمال الدرامية الناقدة. عند العودة إلى جذور هذه الظاهرة، يتبيّن أن السجالات التي تدور من حين إلى آخر حول شخصية الشيخ محمد متولي ا...

واقعية برلين المعقدة: كيف تشكّل "Realpolitik" العلاقات الألمانية-الهندية في ظلال معضلة كشمير

تطرح التطورات الأخيرة في منطقة جنوب آسيا—وبالأخص التوترات المتصاعدة حول إقليم جامو وكشمير ولاداخ—تساؤلات جوهرية لدى مراقبي السياسة الدولية؛ لا سيما حول الموقف الألماني والأوروبي العام من هذا الملف الشائك. يُثار التساؤل غالباً في صورة مفارقة: كيف لبلد مثل ألمانيا، يضع مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية في صلب عقيدته السياسية الخارجية، أن ينتهج مساراً هادئاً، بل وشديد التوازن، تجاه السياسات الهندية في كشمير، مفضلاً الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية على التصعيد الدبلوماسي؟ لتحليل هذا التوازن، يجب تجاوز القراءات الانفعالية أو الحديث الإعلامي الخاطف، والتوجه نحو تفكيك البنية Geopolitics المنطقية لبرلين، واستكشاف المسار التاريخي للسياسة الخارجية الهندية، إلى جانب الجذور الجيوسياسية الممتدة لشبه القارة الهندية. أولاً: العقلانية الألمانية و"السياسة الواقعية" (Realpolitik) تعتمد الدبلوماسية الألمانية منهجية مبنية على حسابات الفرص والمخاطر وتوازنات القوى. وفي الحالة الكشميرية، تتجلى هذه العقلانية في مستويين:  * الردع النووي وحسابات عدم الاستقرار:    تعي برلين أن إسلام آباد تمتلك ترسانة...

هندسة النظام العالمي الجديد: براغماتية القوة وشبكات المصالح العابرة للمحاور

يشهد المشهد الجيوسياسي والجيواقتصادي لحظة تحول هيكلي تتجاوز مجرد التغيرات الدورية في علاقات القوى العظمى. إن اندفاع الفاعلين الدوليين والإقليميين نحو إعادة كتابة قواعد اللعبة لا يعكس مجرد رغبة في التكيف، بل يمثل سعيًا صريحًا للهروب من استحقاقات نظام دولي قديم بدأت مؤسساته تعاني من هشاشة المفهوم والممارسة. بين أروقة مؤتمر "مبادرة الاستثمار للمستقبل" في الرياض، والتحركات الاستراتيجية الألمانية في جنوب آسيا، والتمدد الروسي-الصيني المتزايد في العمق الأفريقي، تتشكل ملامح خريطة جيوسياسية مرنة، تقوم على سياسات براغماتية صلبة وتكتلات متعددة الأقطاب، وتحتكم لمبادئ المنفعة المتبادلة والابتكار بدلاً من الإيديولوجيات الصلبة. الرياض والديناميات الجيواقتصادية: تحولات القوة في الشرق الأوسط لم يعد مؤتمر "مبادرة الاستثمار للمستقبل" مجرد منتدى اقتصادي لجمع رؤوس الأموال، بل استحال إلى منصة هندسة سياسية تُعيد تعريف موقع المنطقة في الاقتصاد العالمي. إن الجمع بين صُنّاع القرار، والقيادات التنفيذية، ورؤساء الدول—من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو إلى ال...

نقطة نظام ...

مأزق "عقلية الـ 67" وتراجع البراغماتية السياسية: قراءة تحليليّة في الأزمة الأردنية–الإسرائيلية وتفكيك الخطاب الراديكالي تأتي الخطوة غير المسبوقة التي اتخذتها الدبلوماسية الأردنية في نهايات أكتوبر 2019 باستدعاء سفيرها من تل أبيب، احتجاجاً على سلب الحرية الإداري وتمديد الاعتقال التعسفي للمواطنين الأردنيين هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي، لتفتح ملفاً أعمق من مجرد تصعيد دبلوماسي عابر بين دولتين تجمعهما معاهدة سلام رسمية. إن الإجراء الإسرائيلي المتمثل بالاعتقال الإداري — وهو آلية قانونية غير إنسانية تتيح الاحتجاز دون لائحة اتهام محددة أو محاكمة علنية شفافة بناءً على "ملفات سرية" — يشكّل خرقاً لالتزامات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. غير أن معالجة الأزمة من منظور المؤسسات الدولية وقواعد العلوم السياسية تتطلب تجاوز ردود الفعل السطحية، والغوص في البنية الفكرية والسياسية التي تحكم تفاعلات الإقليم. أولاً: الثبات الإدراكي وعقدة عام 1967 في أحدث أطروحاته الفكرية "غرق الحضارات" (Un naufrage des civilisations)، يشرّح المفكر والأديب الفرنسي-اللبناني أمين معلوف أزمة...

براغماتية المؤسسات واختبار النظام الدولي: تقييم تحليلي لمسار الشراكة الهندية-الألمانية

تتجه أنظار صناع القرار في العلاقات الدولية نحو القمم الثنائية المتلاحقة بين برلين ونيودلهي، حيث يتجاوز هذا التفاعل الإطار البروتوكولي العادي ليصل إلى إعادة رسم خرائط التوازنات الجيوسياسية. إن العلاقات بين «دولة الماكينات» وثاني أكبر تكتل ديموغرافي في العالم لم تكن يوماً وليدة الصدفة الحزبية أو التغيّرات اللحظية؛ بل هي نتاج تراكمي أرسى دعائمه المستشار الأول لألمانيا الاتحادية كونراد أديناور، القائل إن السياسة الخارجية المستدامة تبدأ من بناء الثقة عبر المؤسسات لا الأفراد. لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه وسط التحولات الراهنة: هل نجحت هذه الشراكة في التحول من إطار الاقتصاد المتبادل إلى قوة فاعلة تشكّل نواتج النظام الدولي الجديد؟ التاريخ المؤسسي: من الدبلوماسية الهادئة إلى الشراكة الاستراتيجية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، كانت نيودلهي من أوائل العواصم التي استعادت علاقاتها مع بون قبل أن تتوج هذه العلاقات مع برلين الموحدة. اتبعت الهند حينها فلسفة القوة الناعمة وسياسة رد الفعل بدلاً من المبادأة الحادة، معتمدة على عدم الانحياز الذي أتاح لها مناورة متوازنة مع قطبي الحرب الباردة...

مأزق البريكست وتفكيك الجغرافية السياسية: إعادة قراءة للتحولات الهيكلية بين لندن وبروكسل

تمر العلاقات الأطلسية وأوروبا اليوم بلحظة تدقيق بنيوية غير مسبوقة؛ حيث لا تعكس أزمة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي ("البريكست") مجرد استعصاء إجرائي في أروقة داونينغ ستريت وبدائل بروكسل، بل تكشف عن صدع أعمق في هيكلية النظام الليبرالي الغربي وسيادة الدولة الوطنية أمام تكامل الأسواق. أسطورة "المناورة": جذور الخلاف وموازين القوى من الناحية التاريخية والسياسية، فإن الجدل حول انضمام وتخارج بريطانيا لم يكن وليد الاستفتاء الشهير؛ بل يمثل صراعاً مفاهيمياً حول طبيعة "السيادة". تشير المرويات السياسية إلى تحذيرات صريحة تبادلها القادة الأوروبيون والبريطانيون منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث كان المستشار الألماني الأسبق هلموت كول يدرك تماماً أن دمج بريطانيا في السوق الأوروبية الموحدة عام 1986 عبر "الوفاق الأوروبي الموحد" (Single European Act) سيرتب عليها استحقاقات سياسية ومؤسسية وسيادية لا يمكن التراجع عنها بسهولة. في المقابل، تعاملت المحافظة الراديكالية مارغريت ثاتشر مع المشروع بمنطق اقتصادي أدواتي، ظناً أن لندن قادرة على جني ثمار السوق الحرة دون الت...

التصميم على تراتبية الديمقراطية انتاج فهما خاصا لها عن #تشيلي أتحدث ...

تُمثّل التجربة التشيلية في التحول الاقتصادي والسياسي إحدى أكثر الحالات تعقيداً في تاريخ أمريكا اللاتينية الحديث؛ فهي تجمع بين نجاح مؤشرات الاقتصاد الكلي واستقرار المؤسسات من جهة، وبين التبعات الهيكلية العميقة لغياب العدالة الاجتماعية والضغط على العقد الاجتماعي من جهة أخرى. إن القراءة المتأنية للواقع التشيلي تتطلب تجاوز القراءات الإيديولوجية التبسيطية للوصول إلى تحليل بنيوي يوازن بين الديناميات الداخلية والتدخلات الجيوسياسية، مع تفكيك الآليات التي تشكّل بها هذا النموذج. ١. الجذور التاريخية والبيئة المؤسسية (ما قبل ١٩٧٣) شهدت تشيلي في منتصف القرن الماضي إرثاً مدنياً ومؤسسياً متقدماً مقارنة بقريناتها في القارة. وخلال عهود سياسية متعاقبة، أبرزها فترة حكم أرتورو ألساندري، تحققت ممارسات ديمقراطية واستثمارات حكومية في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية. غير أن هذا النموذج الواعد اصطدم بتجاذبات معقدة مع المؤسسة العسكرية، إضافة إلى استقطاب إيديولوجي متزايد شهدته فترة الخمسينيات والستينيات. مع وصول سلفادور أيليندي إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية عام ١٩٧٠ ببرنامج الاشتراكي التحرري لتأميم الق...

بين مركزية بروكسل ومحور «آخن»: هل تعيد الثنائية الألمانية-الفرنسية صياغة العقد الأوروبي؟تحليل السياسات

تقف القارة الأوروبية اليوم عند نقطة تقاطع استراتيجية حارجة؛ فاختبار الصمود الذي يواجه الاتحاد الأوروبي لم يعد يقتصر على توازنات الاقتصاد الكلي أو معالجة تداعيات الانقسامات الداخلية، بل يتجاوز ذلك إلى السؤال الوجودي الأصيل: هل يتجه المستقبل نحو تعزيز السيادة الفيدرالية لمنظومة بروكسل، أم نحو المراهنة على محركات ثنائية تتقدمها الشراكة الصلبة بين برلين وباريس؟ عند قراءة التطورات الراهنة، يستحضر المراقب ما صرّح به المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول إبان التوقيع على معاهدة ماستريخت عام 1993، حين أكد أن الوحدة الألمانية عام 1990 كانت الدافع الأساسي لإرساء الدعائم القانونية للاتحاد، مشدداً على أن الإرادة السياسية عندما تستند إلى قوة القانون تصبح التزاماً شاملاً لا خياراً اختيارياً. اليوم، تجسد قيادات ألمانية بارزة خرجت من المدرسة السياسية لنفس التيار — وفي مقدمتهن أورسولا فون دير لاين في قيادة المفوضية الأوروبية، وأنغريلا كرامب كارينباور على رأس وزارة الدفاع الألمانية — امتداداً لهذا الفكر الذي يرى في استقرار برلين وباريس الركيزة الأساسية لأي مشروع سياسي قاري. المحور الأنجلو-فرانكوفوني وعقبا...

أبعاد الصراع مع التجانس القسري: المسألة الكردية واغتيال هفرين خلف

تتبدى المسألة الكردية في الشرق الأوسط كواحدة من أكثر الأزمات التركيبية تعقيداً في Geopolitics المنطقة، حيث تتشابك فيها الهوية والقومية مع حدود الدولة الوطنية الحديثة. تشبه هذه القضية في عمقها ومأزقها البنيوي الحبكات المعقدة في الأدب الكلاسيكي، مثل «دون كيخوته» لـ «ميغيل دي سيرفانتس»، حيث الصراع المستمر ضد أوهام السيطرة ومواجهة أزمات تجانس هشة. تماثل هذه المسألة بؤراً جيوسياسية مزمنة في العالم الحديث، مثل قضية كشمير أو النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ غير أن المحرك الأساسي هنا يتجاوز مجرد النزاع على الأرض إلى صراع أعمق حول نموذج الدولة ورغبة سلطات المنطقة القسرية في صهر المكونات المتنوعة. فلسفة "النوعية" ومأزق الدولة القومية في الشرق الأوسط تطرح المسألة الكردية إشكالاً بنيوياً بوجه فكرة "التجانس القسري" التي أقامتها أنظمة المنطقة عقب العصر العثماني. يعيش اليوم نحو 40 مليون كردي يتوزعون عبر أربع دول مركزية (تركيا، إيران، العراق، وسوريا). لكن المعيار الحقيقي للفاعل السياسي لا يكمن في الديموغرافيا المجردة ("الكم") بل في القدرة الديناميكية على البقاء وصياغة النموذج...

هندسة الوصاية الاستبدادية: كيف يُعيد مرسوم هيكلة "الحشد" صياغة مفهوم الدولة في العراق؟

تتداخل المفارقات السياسية والأخلاقية في المشهد العراقي على نحو غير مسبوق؛ حيث أصبحت أدبيات الوطنية والإخلاص تُستخدم كغطاء أيديولوجي لممارسات تفكيك مؤسسات الدولة لحساب أطراف خارجية. في الوقت الذي يخرج فيه آلاف الشباب العراقيين إلى الشوارع في احتجاجات عارمة، متجاوزين الانقسامات الطائفية والدينية للمطالبة بأبسط مقومات الحياة الإنسانية—كالكهرباء والماء وفرص العمل—تواجه السلطة السياسية وحلفاؤها الإقليميون هذه المطالب بآلية أمنية مفرطة، بالتوازي مع تعميق الشراكات الأمنية والعسكرية مع طهران. ميزان القوى والإسناد الإقليمي تشير القراءة التحليلية للمشهد إلى أن الرهان الإيراني على العراق يتجاوز الشراكة التقليدية؛ إذ يتعامل التخطيط الاستراتيجي في طهران مع الساحة العراقية باعتبارها "الرئة الاقتصادية والأمنية" للجمهورية الإسلامية في مواجهة الضغوط الدولية والتقلبات الإقليمية. وتتداول الأوساط التحليلية تقديرات متقاطعة حول طبيعة الدعم الاستشاري والأمني الذي تقدمه أجهزة مثل "الحرس الثوري" لمنظومة الحكم والنفوذ في بغداد. ويتركز هذا الدعم بشكل خاص في أربعة محاور أساسية:  * الأمن السيبر...

في فلك المحرمات!!! ...

في تسعينيات القرن الماضي، أطلق المعلق الرياضي التونسي عصام الشوالي عبارته الشهيرة: "لا تكلم العرب أكثر مما يتحملون.. دعهم يحللون، دعهم غارقون". وبينما قيلت هذه الجملة في سياق الرياضة والموهبة الاستثنائية، فإنها تفرض نفسها بقوة كعدسة تحليليّة لمشاهد السياسة الشرق أوسطية، حيث تُمارَس "لعبة الأمم" بأساليب تعتمد على المناورة التكتيكية وتوظيف الهشاشة البنيوية للإقليم. في خريف عام 2019، وفي خضم الحديث عن صياغة اللجنة الدستورية السورية، برزت تقاطعات معقدة توهم بانتصار نظري لتحالف مصلحي براغماتي بين أنقرة وطهران وموسكو، على حساب المحور الغربي التقليدي. غير أن النظرة التحليلية المتعمقة للخطوات السياسية والعسكرية تظهر أن هذه التفاهمات ليست سوى هشاشة استراتيجية حتمية، تقود المشهد نحو معادلات صفرية. إعادة التموضع الأمريكي: تفكيك تكتيك ترامب عند فحص قرار الإدارة الأمريكية بإعادة تحريك قواتها شمال شرق سوريا، يتضح أنه لم يكن انسحاباً كلياً أو هزيمة استراتيجية للشركاء المحليين، بل خطوة تموضع تكتيكي محتسبة. تسعى واشنطن من خلال هذا التكتيك إلى تقليل الكلفة المباشرة مع الحفاظ على المق...

العراق عند مفترق الطرق: بين هيمنة "الدولة العميقة" وآفاق الصدمة السياسية

تظل قدرة بلاد الرافدين على تغيير المعادلة السياسية الإقليمية سؤالاً جوهرياً ومفتوحاً في أروقة التحليل الاستراتيجي: هل يمتلك الشرق الأوسط أدوات "العلاج بالصدمة السياسية" لكسر الجمود القائم؟ في هذا السياق، تبرز التظاهرات الشعبية المتصاعدة في العراق كصدمة غير محسوبة قد تعيد رسم خريطة النفوذ، وتحدّ من تمدد أحد أبرز أضلاع المربع الإقليمي (إيران، السعودية، تركيا، وإسرائيل). تفكيك الديموغرافيا وهيكلة النفوذ شهد العراق تحولات ديموغرافية وعرقية عميقة؛ حيث أدّت موجات العنف والاضطهاد إلى تهجير أعداد غفيرة من المكونات الأصيلة، كالسيحيين والإيزيديين والصابئة، باتجاه أوروبا والولايات المتحدة، إلى جانب تهجير ونزوح أعداد كبيرة من المكون السنّي نحو دول الجوار أو إعادة توطينهم قسراً في مناطق ذات غالبية مختلفة. هذا الواقع أنتج هندسة مجتمعية جديدة أعادت توزيع القوة لصالح أحزاب السلطة. تزامن هذا التحول الديموغرافي مع تمويل وتوجيه ممنهج للموارد الرسمية نحو مراكز معينة؛ حيث ركّزت القوى الحاكمة على الإنفاق الهائل على المناسبات والرموز الدينية على حساب البنية التحتية الأساسية. وفي الوقت الذي تُرصد في...

الانتفائية الأخلاقية وتسييس حقوق الإنسان: قراءة في المهرجانات السياسية لمأساة خاشقجي

تُجسد المشاهد الدرامية المعقدة في الأدب والفنون أحياناً الواقع السياسي بأبعاد واقعية دقيقة. في أحد مشاهد المسلسل المصري "العراف"، تدور مواجهة بين ضابط سابق وخبير استراتيجي صاعد كان ينشط سابقاً كمهندس عمليات احتيال متمرس. عندما سأله الضابط عن كيفية تحوله إلى ضيف دائم على الشاشات كمرجعية تحليلية، جاء الرد مختصراً لواقع الحالة: الواقع يمر بحالة من السيولة، والمرحلة تتطلب خطاباً معيناً يتماشى مع السائد. تعكس هذه المستملحة الدرامية جوهر التحولات الراديكالية التي تشهدها الخطابات الحقوقية والإعلامية الدولية عند التعاطي مع الأزمات الكبرى، حيث تتداخل المبادئ بالإملاءات الاستراتيجية والتجييش الإعلامي. تأتي الذكرى السنوية الأولى لمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي لتكشف عن اتساع الفجوة بين مبادئ حقوق الإنسان كمنظومة أخلاقية مجردة، وبين توظيفها كأداة للضغط الجيوسياسي. إن إدانة الجريمة من منظور إنساني وقانوني تحصيل حاصل لا يقبل التجزئة؛ فالاعتداء على حياة أي صحفي يشكل انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية. بيد أن إرساء معايير عدالة شمولية يتطلب الامتناع عن انتقائية الملفات، وتجنب منح أطراف ذات سجل...