الاسلاموفوبيا وكذبة شموليتها ...

شماعة "الإسلاموفوبيا" وتناقضات خطابات الشرعية: تفكيك تحليلي لقمة كوالالمبور
تُقدّم القراءة السوسيولوجية للمفكر العراقي علي الوردي مدخلاً بنيوياً لفهم السلوك الجمعي والخطاب السياسي؛ إذ يرى أن "الإنسان يبحث عن تقدير المجتمع، فإن كان المجتمع يقدّر رجال الدين كثُر المتدينون، وإن كان يقدّر اللص كثُر اللصوص". هذا الطرح يناقض التفسيرات الإعظاظية التبسيطية للنزاعات، مؤكداً أن الصراع الإنساني ليس مواجهة بين "الخير والشر" بقدر ما هو صدام بين اعتبارين مختلفين للخير، حيث يُسقط كل طرف تصوره الخاص للأخلاقية ويطالب بالقداسة لشعاراته.
يبدو هذا التأطير مناسباً لتفكيك المبادرة الإعلامية التي انبثقت عن الحراك السياسي المقترن بـ "قمة كوالالمبور" (ديسمبر 2019)، والتي جمعت قيادات من تركيا، وماليزيا، وقطر، وإيران، إلى جانب طرح باكستاني سابق لتأسيس منصة إعلامية ناطقة بالإنجليزية لمواجهة ما يُعرف بـ "الإسلاموفوبيا". ورغم الترويج للمبادرة كخطوة لتصحيح الصورة الذهنية عن الإسلام في الغرب، فإن التدقيق التحليلي ينطوي على تناقض مفاهيمي وسياسي: كيف يمكن لأطراف تُعاني من أزمات بنيوية في الحريات والحوكمة أن تبني خطاباً كينونياً يهدف إلى نقد الآخر الغربي وتقييم معاييره الأخلاقية؟
التناقضات البنيوية لدى الفاعلين
تتضح الفجوة بين الخطاب الموجه للخارج والممارسات الداخلية عند فحص الواقع السياسي للدول المحركة لهذا التوجه:
 * باكستان والتحديات التشريعية: يُظهر الملف القضائي لـ "آسيا بيبي" (المواطنة الباكستانية المسيحية التي بُرئت عام 2018 بعد سنوات من الاحتجاز بتهمة ازدراء الأديان) حجم التوتر بين الدولة والمجموعات الراديكالية. ورغم أن تبرئة المحكمة العليا أظهرت قدرة المؤسسة القضائية الرسمية على ممارسة الاستقلالية في لحظات حاسمة، إلا أن التعبئة الشعبية العنيفة التي تلت الحكم كشفت عن استقطاب مجتمعي حاد وحاجة ماسة لمعالجة القوانين التي تُستغل محلياً ضد الأقليات.
 * تركيا وملف الحريات الإعلامية: تُشير تقارير منظمات حماية الصحفيين (مثل CPJ) إلى استمرار التضييق على بيئة العمل الصحفي في تركيا، حيث تصنّف البلاد بين الأكثر احتجازاً للصحفيين عالمياً. هذا الانكماش في المساحات المدنية، إلى جانب الاستقطاب السياسي الداخلي، يضعف من قدرة الخطاب الرسمي التركي على تقديم نفسه كنموذج للحريات أمام المجتمع الدولي.
 * ماليزيا وإدارة التنوع: تواجه ماليزيا تحدياً متوازناً بين الحفاظ على الاستقرار السياسي وإدارة التنوع العرقي والديني. وظهر هذا التوتر جلياً في ملف الداعية الهندي ذاكر نايك، الصادرة بحقه مذكرات قانونية في بلاده؛ إذ اضطرت السلطات الماليزية لفرض حظر على أنشطته الخطابية العامة تجنباً لإثارة النعرات الطائفية داخل المجتمع المكون من إثنيات متعددة.
مأزق "المظلومية البنيوية" وغياب المرجعية المؤسسية
تُعاني المقاربة الراهنة لمفهوم "الإسلاموفوبيا" من ثغرة تحليلية تمثلت في تحويل المفهوم إلى "شماعة سياسية" تُستخدم لتفسير أي نقد موجه للممارسات والتطبيقات التنظيمية داخل العالم الإسلامي.
تنشأ هذه الأزمة من غياب مرجعية قانونية ومؤسسية محدودة للخطاب. وفي غياب هذه المرجعية، يغدو السلوك السائد هو إطلاق تصريحات فضفاضة تنفي العلاقة بين الأفعال المتطرفة والدين عبر مقولة "هذا لا يمثل الإسلام"، دون تقديم قراءة نقدية جادة للأسباب الفكرية والاجتماعية التي تنتج التطرف.
نحو إعادة تعريف واقعية
تقتضي العقلانية التحليلية الابتعاد عن البروباغندا الإعلامية والتركيز على الإصلاح المؤسسي والفكري الداخلي. إن تسويق خطاب "محاربة الإسلاموفوبيا" عبر أدوات إعلامية لن يحقق نتائج ملموسة ما لم يرافقه:
 * إصلاح تشريعي وحقوقي: حماية حقوق الأقليات، وضمان حرية التعبير، وتطوير المناهج التعليمية لتعزيز قيم المواطنة وسيادة القانون.
 * فصل التقييم السياسي عن الرمزي: التمييز بين النقد الموجه للسياسات الحكومية أو الأيديولوجيات السياسية وبين الكراهية الموجهة للأفراد على أساس الهوية.
 * تأسيس معايير مسؤولة للحوكمة: الانشغال ببناء مجتمعات قائمة على العلم، والتنمية، وسيادة القانون، كونه السبيل الأنجع لتغيير الانطباعات الدولية وإسقاط الأحكام المسبقة.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban