كش ملك ...
إعادة رسم الخريطة السياسية البريطانية: تفكيك العجز الأيديولوجي ولعبة التوازن الإستراتيجي
تشكل نتائج الانتخابات العامة البريطانية تحولاً نفعياً حاسماً في بيئة الحكم والسياسة. لم تكن هذه الجولة الانتخابية مجرد اقتراع عابر لحسم أزمة الاستعصاء البرلماني حول ملف "البريكست"، بل كانت استفتاءً عميقاً على طبيعة الهوية السياسية للمملكة المتحدة، وتفكيكاً هيكلياً للاستقطابات التي سادت خلال السنوات الأخيرة.
العجز الأيديولوجي وانكشاف "وهم المعرفة" لدى اليسار
شهدت المنظومة الحزبية انكساراً واضحاً للنموذج الذي قدمه حزب العمال تحت قيادة جيرمي كوربن. تتجلى المعضلة التحليلية لهذا التيار في عجزه عن تقديم قراءة واقعية للتحولات البنيوية في الخطاب العام. فعند التعاطي مع الأزمات الأمنية والمجتمعية الحادة، بما فيها حوادث الطعن التي شهدتها بريطانيا، ظهر الخطاب القيادي متنزعاً من السياق المؤسسي والدولاتي.
وبدلاً من تقديم إدانة حازمة وحلول إجرائية تدعم سيادة القانون، انزوى الخطاب إلى العزف على أوتار أيديولوجية راديكالية تُرجع كل الاختلالات الهيكلية إلى "عثرات الرأسمالية" بشكل مبسط، متبنياً تحليلاً شبيه بالنماذج السوفيتية التقليدية أو أدبيات الحزب الشيوعي الكلاسيكي في منتصف القرن الماضي.
هذا الانفصال عن الواقع يعكس حالة من "وهم المعرفة الواقعية" (Illusion of Explanatory Depth)؛ حيث يظن الفاعل السياسي أنه يمتلك تفسيراً شاملاً لتعقيدات المجتمع الحديث عبر قوالب اشتراكية جامدة. وبالمقارنة مع حقبة توني بلير، التي اتسمت بالبراغماتية والتكيّف مع ديناميكيات اقتصاد السوق والوسطية السياسية، يبدو حزب العمال اليوم وقد فقد مرونته التكتيكية، مما أدى إلى تآكل قواعده التاريخية في المناطق العمالية والشمالية (ما يُعرف بالجدار الأحمر) لصالح اليمين.
النفعية السياسية وسلوك الناخب البريطاني
على الجانب الآخر، لم يكن الفوز الذي حققه حزب المحافظين بقيادة بوريس جونسون ناتجاً عن تفوق أيديولوجي كاسح أو حالة من الرضا العميق لدى الناخب، بل كان تعبيراً جلياً عن سلوك الاقتراع النفعي، أو مبدأ "اختيار الخيار الأقل سوءاً" لضمان الاستقرار المؤسسي وتفادي الضبابية السياسية.
لم يُحسم النصر عبر رقم النتيجة الصماء في صناديق الاقتراع فحسب، بل عبر اتساع الفجوة وتعمقها بين الشارع البريطاني وحزب العمال. لقد عكس الشارع رغبة حاسمة في إنهاء حالة الخلل الشلي التي أصابت "داونينغ ستريت" والغرفة رقم 10، مؤكداً استعداده لمنح التفويض لمن يطرح شعاراً تنفيذاً واضحاً وإن كان محفوفاً بالمخاطر.
وتتجلى هذه الخريطة الانتخابية بوضوح في الأرقام الحاكمة لنتائج الاقتراع؛ حيث حسم حزب المحافظين الأغلبية المطلقة بـ 365 مقعداً (بنفس تمثيل قدره 56.2% من إجمالي مقاعد البرلمان)، بينما تراجع حزب العمال إلى 202 مقعداً (31.1%).
أما على صعيد القوى الأقليمية والديمقراطية الوسطية، فقد استثمر الحزب القومي الاسكتلندي (SNP) الحالة لصالح هيمنته المحلية بحصده 48 مقعداً (7.4%)، في حين اكتفى الليبراليون الديمقراطيون بـ 11 مقعداً (1.7%)، واختفى التمثيل النيابي المباشر لحزب "بريكست" برصيد صفر مقاعد.
قراءة حذرة في الخريطة الانتخابية: دلالة "حزب بريكست" والأقاليم
تقتضي المنهجية التحليلية تدقيق الأرقام بدقة؛ فحزب "بريكست" بزعامة نايجل فاراج، وعلى عكس ما يُروج له أحياناً بكونه تلاشى بلا أثر، استطاع حشد نحو 640 ألف صوت بنسبة بلغت 2% من إجمالي الأصوات المصرّح بها على مستوى البلاد. إلا أن طبيعة النظام الانتخابي البريطاني (نظام الفائز الأول / First-Past-The-Post) حرمته من ترجمة هذه الأصوات إلى مقاعد برلمانية، حيث انتهى به المطاف بـ (صفر) من المقاعد.
تكمن الدلالة السياسية لهذه النتيجة في أن الشارع البريطاني يُفضّل الخروج المنظم عبر المؤسسات القائمة، ويرفض أطروحات الخروج القاسي الكارثي "بلا اتفاق" التي جاهر بها اليمين الشعوي، وهو ما وضع حدوداً حاسمة أمام أي شطط إستراتيجي.
في الوقت نفسه، تبرز معضلة التماسك الداخلي للمملكة المتحدة. ففي اسكتلندا، صوت أكثر من 60% من الناخبين لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي خلال استفتاء 2016، وعزز الحزب القومي الاسكتلندي (SNP) موقعه باكتساح أغلبية المقاعد الاسكتلندية في هذه الانتخابات. هذا التباين، إلى جانب الوضع المعقد في أيرلندا الشمالية، يعيد التحدي إلى ما قبل توقيع معاهدة "ماستريخت" عام 1992؛ حيث أصبحت الأولوية القصوى تتجاوز مجرد التفاوض حول الفك والإبرام مع بروكسل، لتطال مسألة صيانة الهوية الوطنية والوحدة الاتحادية للمملكة.
الاستجابة الأوروبية وديناميكيات السوق الحر
من جانبها، أدركت العواصم الأوروبية وفي مقدمتها بروكسل أن الخروج بات تحصيلاً حاصل وركيزة أساسية للواقع الجديد. ولذا، جاءت برقيات التهنئة الصادرة عن القادة الأوروبيين محددة ومباشرة، حيث ركزت بشكل منفرد على بناء شراكات نوعية ثنائية وتعميق العلاقات مع لندن خارج الأطر التجميعية القديمة.
يتأسس هذا الموقف على إدراك متبادل بأن لندن تشكل عمقاً إستراتيجياً ومالياً لبروكسل، بقدر ما تشكل الأسواق الأوروبية عمقاً حيوياً للمملكة المتحدة. ونظراً لأن الدستور البريطاني يُعد دستوراً مرناً وغير مكتوب، فإن الحفاظ على تماسك أجزاء المملكة يقتضي حتمية الوصول إلى اتفاق يضمن الانخراط في صيغة سوق مالية مشتركة وتجارة حرة، بعيداً عن أوهام الانعزالية الاقتصادية.
التقييم النظري والآفاق المستقبلية
* السلبيات والإخفاقات:
* حزب العمال: دفع ثمن الأيديولوجيا الجامدة والقيادة التي تفتقر إلى الحس الإستراتيجي الواقعي، مما تسبب في قطيعة عميقة مع طبقات العمال التقليدية.
* حزب المحافظين: يواجه مخاطر الانزلاق نحو حلول تبسيطية لأزمات معقدة، مع ترسيخ الانقسام المناطقي داخل المملكة المتحدة بين إنجلترا والأقاليم الأخرى.
* الإيجابيات والفرص:
* استعادة القدرة التشغيلية: يمنح تفوق المحافظين الحكومة هامشاً كبيراً للتفاوض وإنهاء حالة الشلل السياسي.
* إعادة الاعتبار للوسطية: كشفت النتائج عن تهميش القوى الشعوية المتطرفة (صفر مقاعد لحزب بريكست)، مما يفتح المجال لتبني خيارات السوق الحر والبراغماتية الاقتصادية.
تتطلب المرحلة المقبلة من إقامة العلاقات بين داونينغ ستريت وبروكسل قدرة عالية من المرونة والحوار المستمر. إن التحدي الحقيقي أمام القيادة المحافظة لا يكمن فقط في إنجاز ملف الخروج، بل في إعادة صياغة العقد الاجتماعي الاقتصادي وفق مبادئ حرية التبادل والكفاءة المؤسسية، بعيداً عن الشعارات الشعبوية والتنظيرات الراديكالية التي أثبت الاستحقاق الانتخابي الأخير أفولها.
Comments
Post a Comment