Posts

Showing posts from June, 2019

ورشة البحرين والأطر الاقتصادية للنزاع: قراءة تحليليّة في هندسة "السلام من أجل الإزدهار" ومآلاتها البنيوية

تُمثّل "ورشة البحرين" (المعنونة رسمياً بـ "السلام من أجل الإزدهار") لحظة مفصلية في أدبيات التعاطي الدولي مع النزاع العربي-الإسرائيلي؛ إذ تسعى الخطة، التي صممها المستشار الأمريكي جارد كوشنير بالتعاون مع المبعوث جيسون غرينبلات والسفير ديفيد فريدمان، إلى إحداث تحول بنيوي عبر الانتقال من نموذج "الأرض مقابل السلام" التقليدي إلى صيغة "الاقتصاد أولاً". لتفكيك هذه المبادرة ومآلاتها الاستراتيجية، يلزم ابتداءً التمييز المنهجي بين مسارين متوازيين ولكنهما منفصلان: الصراع العربي-الإسرائيلي بجهته الإقليمية، والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بجهته البنيوية. أولاً: تفكيك المسارات الحدودية والسياسية للشرق الأوسط على العكس من الانطباع الشائع بوجود صراع عربي-إسرائيلي أحادي، يُظهر التحليل الجيو-سياسي أن المسارات الثنائية للدول العربية الحدودية سلكت ديناميكيات مختلفة تماماً، ويمكن تبويبها كالآتي:  * المسار المصري: أسست اتفاقية "كامب ديفيد" (1978) لسلام بارد ولكن استراتيجي، أثمر عن استعادة سيناء كاملة وصولاً إلى التحكيم الدولي حول طابا عام 1989. وعلى الرغم من است...

نقطة نظام ... تعريف الديمقراطية نسبي كما أي تعريف حياتي لا تعرف بحسب المزاج العام!!!

ما بعد "النموذج السنغافوري": تفكيك الاختزالية الديموغرافية والوهم الديمقراطي في هندسة الدولة تُصاب السجالات السياسية في الشرق الأوسط بين الحين والآخر بحالة من "السطحية التبسيطية" التي تختزل تجارب النهوض الحضاري في مؤشرات أرقام صماء، أو في الهوية الدينية والشخصية لرموز السلطة. ولعل موجة الاحتفاء المتزايدة بالتجربة السنغافورية، والتركيز العاطفي على صعود السيدة حليمة يعقوب كأول امرأة مسلمة لتولي سدة الرئاسة في هذا البلد الآسيوي، تُعد نموذجاً صارخاً لهذه المغالطات المعرفية. إن هذا الطرح الوعظي—الذي يفترض أن سنغافورة قدمت نموذجاً لـ "الديمقراطية المطلقة" المقترنة بالرخاء المادي لمجرد وجود رئيسة مسلمة أو امتلاك أقوى جواز سفر—يتجاهل كلياً البنية المؤسسية والهندسية للسياسة، ويقدم قراءة تسطيحية لا تصمد أمام المنهج التحليلي البنيوي. لتفكيك هذه الظاهرة، ينبغي العودة إلى الأساس الفلسفي لتشكل الدولة السنغافورية حديثة العهد. حين انفصلت سنغافورة عن الاتحاد الماليزي عام 1965، لم تكن سوى شبه جزيرة معزولة بلا موارد طبيعية خامة وبمساحة لا تتجاوز 730 كيلومتراً مربعاً. لم يتجه...

مأزق الرئاسة التركية في الصراع الجيوسياسي الإقليمي: قراءة تحليليّة في الهشاشة الهيكلية والمناورة الحدودية

تتداخل التطورات الجيوستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط لتعكس أزمة عميقة في صلب صياغة القرار السياسي لدى أنقرة. وبينما تصر الإدارة التركية تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان على الانشغال بقضايا ذات طابع أيديولوجي وسياسي إقليمي، مثل قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي أو التضامن مع تيار الإسلام السياسي المتمثل في تجربة محمد مرسي في مصر، تأتي مسألة الدفاع والتسليح—وعلى رأسها إصرار أنقرة على تسلم منظومة الدفاع الجوي الروسية "S-400"—لتضع الدولة التركية في مواجهة مباشرة مع حلفائها التقليديين في الغرب. يقف الاقتصاد التركي اليوم أمام اختبار حقيقي مع استعداد مؤسسات صنع القرار في واشنطن—عبر البيت الأبيض، والكونغرس بمجلسيه، والدوائر الاستخباراتية والأمنية—لفرض حزمة من العقوبات الاقتصادية المشددة تحت مظلة قانون "قمع أداء أعداء أمريكا من خلال العقوبات" (CAATSA). ووفقاً للتقارير الواردة عن وكالة "بلومبيرغ"، فإن واشنطن تدرس خيارات عقابية صممت لتستهدف قطاع الدفاع التركي بشكل يحرم الشركات المحلية من المنظومة المالية الأمريكية ومكونات التكنولوجيا الغربية. وتكمن رمزية هذا التحرك في أنه...

شرعية الصندوق وتفكيك القدسية: تحليلات في البنية السلطوية واستغلال الدين في التجربة المصرية

تثير اللحظات الفاصلة في تاريخ الشرق الأوسط الأزمة الممتدة بين مفهوم الدولة الوطنية والتوظيف السياسي للدين. مع إسدال الستار على حقبة الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، لم تكن حالة الاستقطاب المحتدمة مجرد رد فعل على رحيل رجل دولة، بل كشفت عمق المأزق الذي يُواجهه الفكر السياسي الإسلاموي حين يُصدم بمتطلبات العقد الاجتماعي الحديث. إن تحويل الشؤون السياسية إلى مساحات من القداسة يُعيد إلى الأذهان التساؤل الجوهري: هل تُدار الدولة المعاصرة بالشرعية الدستورية والمؤسسية، أم بشرعية التفويض الروحي والهياكل الموازية؟ أدلجة المؤسسات وفخ الأسطورة يميل السلوك الجمعي في المجتمعات المغيبة مؤسسياً إلى البحث عن "البطل المخلص"، وهي ظاهرة لم تقتصر على الحركة الإسلاموية بل امتدت تاريخياً إلى تجارب قومية ويسارية متعددة. فكما سعى الكاتب والكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر إلى تفكيك الهالة الأسطورية التي تحيط بشخصيته لتشريح تجربته بأسلوب نقد علمي، يفرض الواجب التحليلي التعامل مع فترة حكم الإخوان المسلمين بعيداً عن المظلوميات العاطفية أو أسطرة الأشخاص. إن مزج الدين بالسياسة، وإنح...

تحول موازين القوة وتفكيك البنى التقليدية: قراءة تحليليّة في الهندسة السياسية والاجتماعية للسعودية الجديدة

في المأساة الشيكسبيرية الشهيرة، يقف أمير الدنمارك "هامليت" أمام لحظة وجودية فارقة تختصرها مقولته الخالدة: "نكون أو لا نكون". إنها ليست مجرد صياغة أدبية للتأمل الفلسفي، بل هي توصيف دقيق للحظات الحتمية في تاريخ الدول والمجتمعات، عندما تجد القيادات نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام لقصور الذات وضغوط المحيط، أو إعادة هندسة الواقع برمتها. ينطبق هذا النموذج التحليلي على التحول الجذري الذي تخوضه المملكة العربية السعودية تحت قيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والذي تجلى بوضوح في حواره الشامل مع صحيفة "الشرق الأوسط" بإدارة الإعلامي غسان شربل. يقدم هذا الحوار، الصادر في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، وثيقة سياسية تفكك الركائز التقليدية لمدخلات القوة في الخليج العربي، وتعلن الانتقال المباشر من مرحلة التخطيط النظري إلى مرحلة التنفيذ الهيكلي حازم الملامح. أولاً: تفكيك النموذج الريعي والصورة النمطية (العوامل الداخل-خارجية) لطالما عانت القراءة الغربية والعربية السائدة للمملكة من اختزال بنيوي قائم على فرضية "الدولة الريعية المطلقة"، وهي الرؤية ...

من العلمانية الإجرائية إلى الهيمنة التنفيذية: تفكيك آليات السلطة والمحاسبة في تركيا

تشكل المسألة الهيكلية لطبيعة الحكم والتداخل بين شبكات النفوذ غير الرسمية ومؤسسات الدولة المعاصرة المادة الأساسية لتقييم الاستقرار السياسي في دولة بحجم تركيا. عند فحص آليات التوازنات الدستورية والتنفيذية عبر التجربة الغربية والتجربة التركية، يتضح أن الحصانة الحقيقية للدول لا تنبع من كاريزما القيادة أو الشعار السياسي، بل من صلابة دولة القانون والاستقلال المؤسسي للقضاء. سيادة القانون بين التجربة الغربية والإشراف المؤسسي في النظم الديمقراطية القائمة على تقاليد حوكمة راسخة، تعتمد استدامة الدولة على خضوع جميع الفاعلين السياسيين لمنظومة قاطعة من المحاسبة والشفافية. يظهر ذلك جلياً في التاريخ السياسي الإيطالي الحديث؛ حيث واجه النموذج الإيطالي تحدي تداخل المافيا والمال بالسياسة في تسعينيات القرن الماضي. ورغم الملاحظات المتكررة على أداء المؤسسات، فإن تحقيقات القضاء والادعاء العام، والتي كشفت شهادات عناصر من المافيا مثل "غاسباري سباتوزا" بشأن صلات مفترضة بين شبكات المنظمات الإجرامية ورموز رياضية وسياسية، برهنت على أن الرقابة القضائية تظل قادرة على إخضاع كبار المسؤولين للمحاكمة. وعلى العك...

أزمة القيادة والانتقال الحضاري في السودان: قراءة تحليلة في العقدة الداخلية والمعادلة الدولية

تُشكل القيادة السياسية في أوقات الانتقال الحرجة جوهر الفارق بين نجاح الدول في معابراتها الحضارية أو سقوطها في دوامات عدم الاستقرار الممتد. ينطبق ذلك بصورة جليّة على الحالة السودانية عقب الحراك الشعبي الذي أطاح بنظام عمر البشير؛ إذ لا تكمن الأزمة مجرد تقاسم للسلطة بين مدنيين وعسكريين، بل تعكس تعثراً هيقلياً في إدارة الانتقال من نموذج الدولة الثيوقراطية-العسكرية إلى دولة مدنية حديثة قائمة على الكفاءة وسيادة القانون. المثلث الحضاري وإشكالية النموذج الإفريقي تقتضي المنهجية التحليلية الرصينة دراسة التحول السياسي في إفريقيا عبر سُلّم التطوّر البنيوي؛ إذ تشير أطروحات التنمية الاقتصادية والتاريخ الحضاري إلى أن التحول النمطي المستدام يستلزم التدرج البنيوي عبر القطاعات: من القطاع الزراعي كقاعدة أمن غذائي ورأس مال أولي، مروراً بـ التصنيع لرفع قيمة الإنتاج، وصولاً إلى اقتصاد المعرفة والمعلوماتية المدعوم بالتكنولوجيا. استطاعت تجارب إفريقية رائدة الاستفادة من هذا التدرج، وتقديم نماذج تحول ناجحة:  * جنوب إفريقيا: تجاوزت تعقيدات التنوع العرقي والمكون الاستعماري بعد مسار شاق امتد عقوداً من الاستقلا...

مصير اليسار الوسط في ألمانيا: هل انتهى عصر الاشتراكيين الديمقراطيين؟

تتوقف حكمة الديمقراطية واستمراريتها على مدى قدرتها على التكيف والمرونة. كان هذا المبدأ الحاكم لدى السياسي الديمقراطي الاجتماعي هربرت فايخمان، الذي رأى في العمل السياسي عرساً من الفن المعقد بدلاً من كونه معادلة علمية صماء. وفي السياق نفسه، عكس فريدريش إيبرت—أحد أبرز مجددي اليسار الألماني والمستشار الأول لجمهورية فايمار—رؤية أعمق لبنية الدولة الديمقراطية، حيث لا تعمل المؤسسات كأدوات مجردة للسلطة، بل كإطار يدعم الوجود الإنساني عبر الحوار العقلاني والتوازن المؤسسي. لكن بعيداً عن هذا الإرث الفكري العريض، يواجه الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني (SPD) اليوم أزمة وجودية طاحنة تسائل نجاعة ماكينته السياسية التاريخية: هل ترجل الفارس الاشتراكي الديمقراطي حقاً؟ وما هي التداعيات الإستراتيجية لضعف اليسار الوسطي على الاستقرار الديمقراطي لبرلين ولأوروبا بأسرها؟ مسار تاريخي من المراجعة الفكرية يُعد الحزب الديمقراطي الاجتماعي أعرق الأحزاب الألمانية وأكثرها تجذراً في التجربة السياسية للبلاد منذ أكثر من قرن. تأسست النواة الأولى للحزب عبر اندماج التيارين الاشتراكيين البارزين في مؤتمر غوتا عام 1875: التيار...

مأزق البنية الحزبية والتجاذبات الجيوسياسية: قراءة في الشلل السياسي الإسرائيلي وإعادة تموضع طهران

تعكس الحالة السياسية الإسرائيلية المأزق البنيوي الذي يواجه نموذج الحوكمة والتكتلات الحزبية؛ حيث لم يعد الانتصار الانتخابي البسيط كافياً لصناعة استقرار سياسي أو تشكيل ائتلاف حكومي متماسك. إن الإخفاق في استثمار المكاسب السياسية الخارجية وترجمتها إلى أغلبية برلمانية مريحة يسلط الضوء على تآكل القواعد التقليدية للعبة السياسية داخل تل أبيب، ويطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة النظام البرلماني الإسرائيلي على التكيف مع استقطاب داخلي متصاعد. أولاً: واقعية الاستقطاب ورد الفعل العماني ضد الهيمنة اليمينية من منظور التحليل السياسي المؤسسي، يمر المجتمع الإسرائيلي بحالة فريدة من الإنهاك الناجم عن استمرار حالة الصراع الدائم والسياسات الأيدولوجية اليمينية المتطرفة التي تركز على عسكرة الدولة وحسابات الانقسام الداخلي. لقد سعى حزب «الليكود» اليميني لاستغلال سلسلة من الخطوات الإستراتيجية التي قدمتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي مقدمتها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بدعم تام من المحافظين والشرائح المانحة في واشنطن، بالإضافة إلى الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل. ومع ذلك...