نقطة نظام ... تعريف الديمقراطية نسبي كما أي تعريف حياتي لا تعرف بحسب المزاج العام!!!
ما بعد "النموذج السنغافوري": تفكيك الاختزالية الديموغرافية والوهم الديمقراطي في هندسة الدولة
تُصاب السجالات السياسية في الشرق الأوسط بين الحين والآخر بحالة من "السطحية التبسيطية" التي تختزل تجارب النهوض الحضاري في مؤشرات أرقام صماء، أو في الهوية الدينية والشخصية لرموز السلطة. ولعل موجة الاحتفاء المتزايدة بالتجربة السنغافورية، والتركيز العاطفي على صعود السيدة حليمة يعقوب كأول امرأة مسلمة لتولي سدة الرئاسة في هذا البلد الآسيوي، تُعد نموذجاً صارخاً لهذه المغالطات المعرفية. إن هذا الطرح الوعظي—الذي يفترض أن سنغافورة قدمت نموذجاً لـ "الديمقراطية المطلقة" المقترنة بالرخاء المادي لمجرد وجود رئيسة مسلمة أو امتلاك أقوى جواز سفر—يتجاهل كلياً البنية المؤسسية والهندسية للسياسة، ويقدم قراءة تسطيحية لا تصمد أمام المنهج التحليلي البنيوي.
لتفكيك هذه الظاهرة، ينبغي العودة إلى الأساس الفلسفي لتشكل الدولة السنغافورية حديثة العهد. حين انفصلت سنغافورة عن الاتحاد الماليزي عام 1965، لم تكن سوى شبه جزيرة معزولة بلا موارد طبيعية خامة وبمساحة لا تتجاوز 730 كيلومتراً مربعاً. لم يتجه المؤسس "لي كوان يو" نحو تطبيق أدبيات الديمقراطية الليبرالية بصيغتها الغربية التقليدية، بل ذهب نحو بناء نموذج يقوم على "الاستبداد التكنوقراطي الصارم" (Technocratic Authoritarianism) أو ما يُعرف أدبياً بـ "الدولة التنموية الاستبدادية".
من منظور نقد الممارسة السياسية، لا يمكن وصف سنغافورة بالديمقراطية المطلقة، ولا بالشمولية الفاشية، بل هي "دولة المؤسسات الفائقة" التي قدمت الهندسة الاجتماعية على الحقوق السياسية المدنية. لقد أدرك لي كوان يو أن التعدد العرقي بين الصينيين (الذين يشكلون الأغلبية)، والمالايو، والهنود، يشكل قنبلة موقوتة، ففرض نظام الحصص الإثنية الشامل في السكن الحكومي (HDB) لمنع تشكل غيتوهات عرقية، وضبط الفضاء العام بقوانين جنائية شديدة القسوة تسلب الفرد جزءاً من حريته الشخصية لصالح الانضباط الجمعي.
وهنا تبرز أولى المغالطات المعرفية المروج لها في السجال العربي حول شخصية الرئيسة حليمة يعقوب؛ حيث يُسقط الخطاب الشعبي أدوار السلطة التنفيذية على المنصب الرئاسي. في النظام السياسي السنغافوري القائم على النموذج البرلماني البريطاني (وستمنستر)، تُعتبر الرئاسة منصباً رمزياً وسيادياً تشريفياً محكوماً بضوابط شاقة، في حين تتركز السلطة التنفيذية والإجرائية الكاملة في يد رئيس الوزراء والحزب الحاكم—حزب العمل الشعبي (PAP)—الذي يحتكر السلطة عملياً منذ استقلال البلاد. بل إن إقرار "الرئاسة المحجوزة" (Reserved Election) عام 2016 عبر تعديل دستوري—والذي حصر الترشح لانتخابات 2017 في المكون الإثني للمالايو لضمان التداول العرقي للرمزية الوطنية—كان خطوة هندسية موجهة من الحزب الحاكم، وأثارت انتقادات حقوقية وسياسية واسعة داخل سنغافورة نفسها باعتبارها تقييداً للمنافسة الانتخابية الحرّة وليست مظهراً للديمقراطية الفائقة.
أما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فإن نجاح سنغافورة في تحقيق دخل فردي يتجاوز القمم العالمية لم يأتِ نتيجة صدفة ظرفية، بل عبر تطبيق صلب لليبرالية الاقتصادية القائمة على حماية الملكية الفردية، وفتح الأسواق، وتنظيف بيئة الاستثمار لتبلغ درجات متقدمة في مؤشرات منظمة الشفافية الدولية. غير أن هذه الحرية الاقتصادية الاقترانية صاحبتها بنية اجتماعية براغماتية حادة؛ فالنموذج السنغافوري يوازن بصرامة بين التسامح الاجتماعي والقانون التشريعي.
وفي هذا الصدد، تتداول بعض الطروحات الشائعة ادعاءات غير دقيقة حول الحريات المدنية في سنغافورة؛ إذ لا يزال القانون السنغافوري يحظر زواج المثليين رسمياً، كما أن المادة (377A) من قانون العقوبات—الموروثة عن الاستعمار البريطاني والخاصة بتجريم العلاقات المثلية—ظلت سارية ومحل جدل قانوني وسياسي حاد دون إلغاء، مما يوضح أن الدولة تمنح أولوية مطلقة للحقوق الاقتصادية والأمن المجتمعي على حساب الحريات الفردية الغربية. وبالمثل، يخضع تنشيط القطاعات الخدمية غير التقليدية—كالتراخيص المحدودة لبيوت الدعارة في مناطق محددة أو تنظيم الكازينوهات—لرقابة أمنية وطبية وفيدرالية صارمة، هدفها الإخضاع القانوني والمؤسسي لا الإباحية العشوائية.
كذلك، يرتكز الاقتدار المؤسسي للجواز السنغافوري وصدارته للمؤشرات العالمية إلى ركيزتين بنيويتين:
* المؤشر الأمني الصفري: تطبيق سياسات الأمن الداخلي وتتبع حركة الأموال والأفراد بقسوة استخباراتية تجعل معدلات التهديد الإرهابي أو العابر للحدود قريبة من الصفر.
* الحياد الاستراتيجي البراغماتي: بناء علاقات متوازنة مع القوى العظمى (الولايات المتحدة والصين) عبر دبلومسية الوقوف على مسافة واحدة، مما يجعل المواطن السنغافوري عبئاً أمنياً منعدماً بالنسبة للدول المستقبِلة.
إن المراجعة الموضوعية للنموذج السنغافوري تكشف عن تجربة غنية بالدروس ولكنها مجردة من المثالية. الإيجابية الكبرى تتمثل في التحول الذكي من محنة شح الموارد إلى بناء اقتصاد خدمات وتكنولوجيا عالي المرونة والشفافية. أما السلبية الهيكلية فتكمن في تجريف الحياة السياسية المعارضة، والهندسة القسرية للمجتمع، وتقييد حريات التعبير والتجمع تحت ذريعة الاستقرار التنموي.
إن اختزال تجارب الدول في الهويات العقدية للرموز التشريفية هو ارتداد عن الفكر العلمي البنيوي. فالتقدم ليس "مانفستو" أيديولوجياً يُستنسخ، بل هو محصلة سيادة القانون، والحرية الاقتصادية المُدارة بعقلانية تكنوقراطية، وإبعاد الخطاب العاطفي عن إدارة الدولة لصالح الكفاءة والقياس الرقمي الدقيق.
Comments
Post a Comment