شرعية الصندوق وتفكيك القدسية: تحليلات في البنية السلطوية واستغلال الدين في التجربة المصرية

تثير اللحظات الفاصلة في تاريخ الشرق الأوسط الأزمة الممتدة بين مفهوم الدولة الوطنية والتوظيف السياسي للدين. مع إسدال الستار على حقبة الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، لم تكن حالة الاستقطاب المحتدمة مجرد رد فعل على رحيل رجل دولة، بل كشفت عمق المأزق الذي يُواجهه الفكر السياسي الإسلاموي حين يُصدم بمتطلبات العقد الاجتماعي الحديث. إن تحويل الشؤون السياسية إلى مساحات من القداسة يُعيد إلى الأذهان التساؤل الجوهري: هل تُدار الدولة المعاصرة بالشرعية الدستورية والمؤسسية، أم بشرعية التفويض الروحي والهياكل الموازية؟
أدلجة المؤسسات وفخ الأسطورة
يميل السلوك الجمعي في المجتمعات المغيبة مؤسسياً إلى البحث عن "البطل المخلص"، وهي ظاهرة لم تقتصر على الحركة الإسلاموية بل امتدت تاريخياً إلى تجارب قومية ويسارية متعددة. فكما سعى الكاتب والكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر إلى تفكيك الهالة الأسطورية التي تحيط بشخصيته لتشريح تجربته بأسلوب نقد علمي، يفرض الواجب التحليلي التعامل مع فترة حكم الإخوان المسلمين بعيداً عن المظلوميات العاطفية أو أسطرة الأشخاص.
إن مزج الدين بالسياسة، وإنحرافه ليتحول إلى "استغلال وظيفي" (Instrumentalization)، لا يُضر فقط بفرص بناء مجتمع علمانی أو ليبرالي يُقر بالتعددية، بل يفكك عصب الدولة الوطنية. فالدين بطبيعته يستند إلى المطلق واليقين الصارم، بينما تقوم السياسة على النسبية، المساومة، والتكيف المؤسسي. وعندما تُسقط الشريعة أو الشعارات الدينية على الصراع السياسي، يتحول الخصم السياسي من منافس في البرامج إلى "عدو للقيم"، مما ينسف أسس المساواة والمواطنة التي يقوم عليها العقد المجتمعي.
النموذج التركي: احتكار الدولة للدين
تُظهر المراجعات التاريخية أن الشغف الإسلاموي بتسخير الدين لأغراض السلطة ليس حصراً على الجماعات غير الرسمية، بل استخدمته الدولة الوطنية الشمولية ذاتها. يظهر ذلك جلياً في التجربة التركية بعد تحول السلطنة إلى جمهورية علمانية. ففي عام 1924 (وليس 1928 كما يُشاع غالباً)، أنشأ مصطفى كمال أتاتورك "رئاسة الشؤون الدينية" (Diyanet) لإخضاع المؤسسة الدينية تماماً لسلطة الدولة. ومع حلول أربعينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1941، أصبحت خطب الجمعة تُوزع بنص موحد صادر عن العاصمة أنقرة.
توضح هذه التجربة أن تأطير الدين ضمن مؤسسات الدولة المركزية لم يهدف إلى إشاعة الحرية الفكرية، بل كان احتكاراً سلطوياً لمفهوم "المقدس". وفي هذا السياق، لم تكن محاولات التيارات الإسلامية العربية سوى استمرار لهذه العقلية الأحادية، حيث تُستبدل أدوات الدولة الشمولية بهياكل حركية تهدف إلى إعادة توجيه المجتمع نحو غايات أيديولوجية محددة.
ثلاثية الحكم والإرادة: تفكيك تجربة مرسي
لتكثيف القراءة النقدية لتجربة الإخوان المسلمين في مصر، يجب تشريح الوضع عبر ثلاث إشكاليات رئيسية:
1. شرعية الصناديق مقابل الشرعية الدستورية:
لا تُستمد الشرعية في الدولة الليبرالية الحديثة من نتائج أجهزة الاقتراع فحسب؛ فالصندوق هو آلية إجرائية لتداول السلطة، لكنه يظل محكوماً بالالتزام بضوابط سيادة القانون، وحماية حقوق الأقليات، والحفاظ على التعددية السياسية. عندما تتجاهل السلطة المنتخبة الضمانات الدستورية وتفرض إعلانات دستورية تحصن قراراتها من الرقابة القضائية - كما حدث في نوفمبر 2012 - فإنها تفقد المضمون الجوهري لشرعيتها وتتحول إلى "استبداد الأغلبية".
2. ازدواجية السلطة وثقل مكتب الإرشاد:
تكشف الأدبيات السياسية وشهادات صناع القرار المطلعين، ومنهم دبلوماسيون دوليون وقيادات سابقة في الجماعة مثل عبد المنعم أبو الفتوح، أن قرار الرئاسة لم يكن يتخذ بشكل مستقل داخل القصر الرئاسي. بل صُمم مركز القرار ليكون خاضعاً لتوازنات داخلية يقودها مراكز نفوذ حركية ومالية، أبرزها النائب الأول للمرشد خيرت الشاطر والتنظيم القُطبي داخل الجماعة. هذه الازدواجية بثت إرباكاً شديداً في أجهزة الدولة الرسمية، حيث باتت القرارات المصيرية والملفات الاقتصادية تُدار من مقرات حركية خارج إطار المساءلة البرلمانية والرسمية.
3. المؤسسة العسكرية وصناعة البديل:
أمام تآكل القدرة على الحوكمة وتزايد الاحتقان الشعبي، وجدت المؤسسة العسكرية نفسها في موقع المتلقي للمطالب الشعبية بإنهاء الحكم الأيديولوجي. إن تعامل العسكرية المصرية مع المشهد لم يكن مجرد صراع شخصي على السلطة، بل كان انعكاساً لمعادلة تاريخية أصلها المرشد الثاني للجماعة حسن الهضيبي، عندما أدرك أن الجماعة تبني قواعدها الموازية في مواجهة بطش السلطة بدلاً من التحول إلى حزب سياسي مدني كامل الملامح. وعليه، فإن عودة المؤسسة العسكرية للمشهد الرئاسي جاءت كتعبير عن فشل النخب السياسية مدنية وإسلامية في بناء عقد اجتماعي مدني ومستقر.
موعد مع التاريخ: انغلاق باب النبوة
إن استدعاء مفاهيم القداسة أو نعت القيادات السياسية بصفات تفوق البشر - كما ظهر في بعض الخطابات التي شبّهت الأحداث بالابتلاءات النبوية - يعكس أزمة بنيوية عميقة في الفكر السياسي الإسلاموي. فالدولة الوطنية الحديثة لا تُبنى على "الأنبياء الورقيين" ولا على الأسطرة العاطفية، بل على البرامج الاقتصادي، والكفاءة التكنوقراطية، وإرساء قيم الحرية وسيادة القانون.
لقد أغلق التاريخ باب النبوة، ولكن التجربة تشير إلى أن الخطاب الأيديولوجي يحاول فتحه باستمرار كلما احتاجها لتبرير الفشل الإداري أو إضفاء مشروعية ميتافيزيقية على صراعات سياسية دنيوية. إن تجاوز هذا الانسداد الحضاري يتطلب الشجاعة لفصل السياسي عن القدسي، والانتقال بالمجتمعات من ضيق الاستقطاب العقائدي إلى اتساع الدولة المدنية القائمة على العقل والعلم والمواطنة.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban