أزمة القيادة والانتقال الحضاري في السودان: قراءة تحليلة في العقدة الداخلية والمعادلة الدولية
تُشكل القيادة السياسية في أوقات الانتقال الحرجة جوهر الفارق بين نجاح الدول في معابراتها الحضارية أو سقوطها في دوامات عدم الاستقرار الممتد. ينطبق ذلك بصورة جليّة على الحالة السودانية عقب الحراك الشعبي الذي أطاح بنظام عمر البشير؛ إذ لا تكمن الأزمة مجرد تقاسم للسلطة بين مدنيين وعسكريين، بل تعكس تعثراً هيقلياً في إدارة الانتقال من نموذج الدولة الثيوقراطية-العسكرية إلى دولة مدنية حديثة قائمة على الكفاءة وسيادة القانون.
المثلث الحضاري وإشكالية النموذج الإفريقي
تقتضي المنهجية التحليلية الرصينة دراسة التحول السياسي في إفريقيا عبر سُلّم التطوّر البنيوي؛ إذ تشير أطروحات التنمية الاقتصادية والتاريخ الحضاري إلى أن التحول النمطي المستدام يستلزم التدرج البنيوي عبر القطاعات: من القطاع الزراعي كقاعدة أمن غذائي ورأس مال أولي، مروراً بـ التصنيع لرفع قيمة الإنتاج، وصولاً إلى اقتصاد المعرفة والمعلوماتية المدعوم بالتكنولوجيا.
استطاعت تجارب إفريقية رائدة الاستفادة من هذا التدرج، وتقديم نماذج تحول ناجحة:
* جنوب إفريقيا: تجاوزت تعقيدات التنوع العرقي والمكون الاستعماري بعد مسار شاق امتد عقوداً من الاستقلال في عام 1910 حتى الدستور الدائم لعام 1996، متحوّلة إلى القاطرة الاقتصادية والدستورية للقارة.
* رواندا وإثيوبيا: اعتمدتا الإدارة التنموية الموجهة لبناء البنية التحتية وجذب الاستثمارات، مما أتاح لهما الابتعاد عن اضطرابات العقد العقائدي أو العسكري.
في المقابل، ظلّ السودان بالرغم من موقعه الجيواستراتيجي المتفرد على حوض النيل ومحاذاة البحر الأحمر وقربه من المضايق الحيوية، يُعاني تعثراً في تحويل ثرواته الطبيعية ومكتسباته الحضارية والتاريخية الممتدة منذ العهد النوبي إلى نموذج تنموي ناجح. ويرجع هذا التعثر بصفة أساسية إلى الفشل الاستراتيجي في بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الاستقطاب، وفي استيعاب المزج بين المكونات المحلية والنخب الحاكمة.
السودان وإخفاقات الهجينة الثيوقراطية-العسكرية
تجلت المعضلة السياسية للخرطوم خلال العقود الثلاثة التي سبقت التحول الأخير في التحالف الوثيق بين العقائدية الدينية والمؤسسة العسكرية (تجربة حسن الترابي وعمر البشير عقب انقلاب عام 1989). أدّى هذا الامتزاج إلى تجريف أجهزة الدولة، وتقويض التعددية الحزبية، وإضعاف الشخصية الوطنية الجامعة، وهو ما أفضى في نهاية المطاف إلى الشلل التنموي وانفصال جنوب السودان عام 2011 كأبرز معالم الانكسار الهيكلي للدولة الحديثة.
ويرتبط تصحيح السرد التاريخي بالنظر إلى التحولات السياسية السابقة؛ إذ تشير المصادر التاريخية والوثائقية لثورة أبريل 1985 إلى أن الفريق أول جعفر النميري أُطيح به عبر انتفاضة شعبية وانحياز عسكري قيادي لتسليم السلطة للحكومة المدنية، ولم تكن عملية تسليم طوعية منه.
أما تجميد أو تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي، فيأتي ضمن آلية مؤسسية منصوص عليها في "الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم" (الأنشطة المناهضة للدستور)، وهو إجراء وقائي معياري يُطبق تلقائياً عقب أي تغيير غير دستوري للحكم، كما حدث في حالات سابقة كغينيا ومدغشقر وجمهورية إفريقيا الوسطى، ولا يُعد عقوبة استثنائية بقدر ما هو أداة ضغط استراتيجية للعودة إلى المسار الدستوري.
التحديات السياسية وسيناريوهات الانتقال
تتسم خريطة الصراع الراهن بالتعقيد المتزايد نتيجة تقاطع المؤثرات الداخلية والخارجية:
* التدافع الدولي والإقليمي:
* المحور الشرقي (روسيا والصين): ينطلق من حماية المصالح الاقتصادية والعسكرية المباشرة، ويميل إلى تقديم الأولوية للاستقرار الأمني وتأمين الاستثمارات والمنافذ البحرية.
* المحور الغربي: يضغط باتجاه التسليم الفوري للسلطة إلى المكون المدني لضمان بناء مؤسسات ديمقراطية.
* الهشاشة الداخلية والقطبية الحزبية:
* تتطلب إدارة المرحلة الانتقالية الابتعاد عن الأحادية؛ إذ إن انفراد أي طرف بالقرار – سواء المكون العسكري أو كتل سياسية محدودة – يحجب الرؤية الاستراتيجية الشاملة.
* لا تكمن الحكمة الديمقراطية في نقل السلطة صورياً وبشكل فوري لكوادر مدنية تفتقر إلى الجاهزية المؤسسية للتعامل مع المكونات العسكرية والأمنية، بل في بناء مسار انتقالي متزن.
أركان العقد الاجتماعي المطلوب
لتجنب سيناريوهات التفكك الهيكلي أو إعادة إنتاج الأنظمة الشمولية بأوجه جديدة، يتوجب على الفاعلين السودانيين والقوى الإقليمية اعتماد استراتيجية انتقال قائمة على المقومات التالية:
* صياغة عقد اجتماعي متكامل: يضمن التوافق بين القوى المدنية المتعددة والمكون العسكري، ويمنع إقصاء الأطراف الوطنية الفاعلة، ترسيخاً للعدالة الناجزة والمواطنة بلا تمييز.
* الموازنة بين الشرعية والأداء: ربط السلطة بالكفاءة التكنوقراطية والرؤية الاقتصادية الحديثة، بدلاً من المحاصصة السياسية الأيديولوجية.
* تأسيس بيئة استثمارية قائمة على النزاهة العلمية والسوق الحر: البدء الفوري بإصلاح القطاعات الإنتاجية الكبرى وفي مقدمتها القطاع الزراعي، واستجلاب التقنيات الحديثة لتحويل السودان إلى مركز تنموي حيوي.
* استدامة الحوار الوطني: الاستفادة من مبادرات التهدئة والرؤى الوطنية الداعية للحكمة والتريث (كمبادرات القوى الوطنية والحزبية)، لتفادي الارتهان لأجندات الصراع الإقليمي.
إن بناء دولة مدنية مستدامة في السودان ليس عملية خاطفة تُنجز بين ليلة وضحاها، بل هو مسار بناء مؤسسي يتطلب أمد زمني متأنٍ وقائم على التكيف الذكي، والواقعية السياسية، والتخطيط العلمي المتين لتجاوز تركة العقود الماضية.
Comments
Post a Comment