مأزق البنية الحزبية والتجاذبات الجيوسياسية: قراءة في الشلل السياسي الإسرائيلي وإعادة تموضع طهران
تعكس الحالة السياسية الإسرائيلية المأزق البنيوي الذي يواجه نموذج الحوكمة والتكتلات الحزبية؛ حيث لم يعد الانتصار الانتخابي البسيط كافياً لصناعة استقرار سياسي أو تشكيل ائتلاف حكومي متماسك. إن الإخفاق في استثمار المكاسب السياسية الخارجية وترجمتها إلى أغلبية برلمانية مريحة يسلط الضوء على تآكل القواعد التقليدية للعبة السياسية داخل تل أبيب، ويطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة النظام البرلماني الإسرائيلي على التكيف مع استقطاب داخلي متصاعد.
أولاً: واقعية الاستقطاب ورد الفعل العماني ضد الهيمنة اليمينية
من منظور التحليل السياسي المؤسسي، يمر المجتمع الإسرائيلي بحالة فريدة من الإنهاك الناجم عن استمرار حالة الصراع الدائم والسياسات الأيدولوجية اليمينية المتطرفة التي تركز على عسكرة الدولة وحسابات الانقسام الداخلي. لقد سعى حزب «الليكود» اليميني لاستغلال سلسلة من الخطوات الإستراتيجية التي قدمتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي مقدمتها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بدعم تام من المحافظين والشرائح المانحة في واشنطن، بالإضافة إلى الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل.
ومع ذلك، أثبتت التجربة الانتخابية أن هذه المكاسب الخارجية لم تكن كافية لردم الفجوة الداخلية. لقد أدى القلق المتزايد بين القوى العلمانية والوسطية من المساس بدستورية الدولة والتعدي على النظام القضائي لخدمة مصالح سياسية وشخصية إلى نشوء معارضة شرسة. ظهر ذلك جلياً في صعود تحالف «تحالف الأزرق والأبيض» (كاحول لافان) بقيادة بيني غانتس ويائير لابيد؛ وهو ائتلاف يجمع بين خلفية عسكرية أمنية يمثلها كبار الضباط المتقاعدين وخلفية ليبرالية وسطية.
لقد طرح هذا التحالف صيغة قومية وسطية تسعى لإعادة التوازن المؤسسي وتقييد نفوذ الأحزاب الدينية المتشددة التي سعت لممارسة نوع من «الثيوقراطية التشريعية» عبر الكنيست. ودعم هذا التوجه الشارع الإسرائيلي الذي خرج في مظاهرات حاشدة في قلب تل أبيب رفضا لمشروعات قوانين الحصانة والتفاف بنيامين نتنياهو على التحقيقات القضائية بتهم الفساد والرشوة وخيانة الأمانة—وهي التهم التي تذكر بالمسار القانوني الذي واجهه رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت.
(ملاحظة توثيقية حول السياق السياسي: تجدر الإشارة إلى أن الفجوة الرئيسية التي حالت دون تشكيل الائتلاف لم تكن فقط طعونات المعارضة، بل نتجت أساساً عن الخلاف الجوهري حول قانون تجنيد الحريديم بين رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان والأحزاب الدينية، ما دفع الكنيست إلى التوصيت على حل نفسه والذهاب إلى انتخابات مبكرة جديدة).
ثانياً: إعادة التموضع الإقليمي وحسابات طهران الإستراتيجية
على صعيد التوازنات الإقليمية، يُحدث الشلل السياسي الإسرائيلي وتشتت التركيز التنفيذي نافذة فرص مؤقتة للمنافسين الإقليميين، وفي مقدمتهم النظام الإيراني. إن تراجع الضغط الإسرائيلي المباشر نتيجة الأزمات الداخلية يدفع طهران إلى مراجعة تكتيكاتها، لا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية الناجمة عن حملة «أقصى ضغط» التي تمارسها إدارة ترامب.
في هذا السياق، تدرك طهران أن المواجهة المفتوحة غير مجدية، مما يدفعها لمحاولة فتح قنوات حوار، سواء بشكل مباشر أو عبر وسائط إقليمية ودولية، للتفاوض حول شروط الشروط الإستراتيجية للتهدئة (بما فيها الشروط الـ12 التي حددها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو). يفسر هذا التوجه استجابة المنطقة لعقد قمم إقليمية متتالية—مثل القمم الثلاث في مكة المكرمة—كإشارة إلى البحث عن صيغ استقرار إقليمي وتهدئة التوتر، خاصة مع تغليب واشنطن للخيار الدبلوماسي والردع الاقتصادي واستبعاد الطروحات الأكثر راديكالية التي كان يتبناها مستشار الأمن القومي جون بولتون.
ثالثاً: التقييم النقدي والنظرة المستقبلية
من خلال تطبيق منهجية تحليل المخاطر والتوازنات الهيكلية، يمكن تلخيص المشهد في عدة نقاط أكسيومية (بديهية) نقدية:
السلبيات والمخاطر الهيكلية:
* الانكشاف المؤسسي: استغلال الخطاب القومي والديني لحماية المكاسب الشخصية يعرّض استقلالية القضاء وسيادة القانون لاهتزازات خطيرة.
* الدوامة الانتخابية: عجز التكتلات عن حسم الأغلبية يكرس حالة عدم الاستقرار الدائم، مما يضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات إستراتيجية طويلة المدى على الصعيدين الاقتصادي والأمني.
الإيجابيات وفرص التوازن:
* حيوية المجتمع المدني: أظهرت ردود الفعل الجماهيرية قدرة القوى المدنية والعلمانية على تقييد التغول السياسي وحماية مرتكزات الدولة القانونية.
* صعود التيار البرجماتي: يتيح تراجع الهيمنة اليمينية المتطرفة فرصة لبروز قيادات ذات خلفيات أمنية وسياسية عقلانية قادرة على إدارة ملفات المنطقة بلغة أكثر مرونة وقابلية للحوار في الملفات الثانوية، دون المساس بالمصالح الإستراتيجية العليا.
الخلاصة:
إن المشهد السياسي المقبل يشير إلى نهاية عصر الهيمنة المطلقة لليمين العقائدي التقليدي. وحتى مع ظهور شخصيات جديدة أو إعادة تشكيل التحالفات القائمة، فإن الإدارة السياسية القادمة ستكون محكومة بضرورة الاعتماد على العقلانية البرجماتية والتوازن المؤسسي، مما يحول السياسة الإقليمية والدولية من منطق الفرض القسري إلى مساحات الحوار والمساومة الإستراتيجية.
Comments
Post a Comment