Posts

Showing posts with the label Media

مفارقة النفوذ والقوة الناعمة: تفكيك ظاهرة العداء الإقليمي تجاه المملكة العربية السعودية

تشهد منطقة الشرق الأوسط ظاهرة جيوسياسية وسيكولوجية فريدة؛ تتلخص في الفجوة الواسعة بين حجم الدور التنموي والاقتصادي الذي تلعبه المملكة العربية السعودية، وبين مستوى الإدراك السلبي والعدائي المتراكم تجاهها في المخيال الجمعي لقطاعات واسعة من الشعوب العربية. إن العداء للرياض لا يعبر عن مجرد ردود فعل عفوية أو تحولات مرحلية طارئة، بل يمثل نتاج هندسة إدراكية ممتدة عبر العقود، تلاقت فيها الأيديولوجيات القومية والراديكالية والإسلاموية، مستغلة هشاشة البنية الثقافية والعاطفية للمجتمعات الإقليمية. أولاً: التراكم التاريخي للآلة الإعلامية وتأطير المخيال الجمعي بدأت عملية التجييش ضد القوى المحافظة في الخليج العربي كإستراتيجية للتغطية على الإخفاقات التنموية والعسكرية للأنظمة الثورية.  * المد القومي وصوت العرب:    شكّلت الحقبة الناصرية في ستينيات القرن الماضي الدعامة الأولى لإستراتيجية تصدير الأزمات. كرّست الإذاعات الموجهة -وعلى رأسها "صوت العرب"- سردية تُحمّل السعودية مسؤولية الانكسارات العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين، مستهدفة السعودية والنظام الملكي في الأردن.  * الأنظمة البعثية وال...

ما وراء الظلال الإستراتيجية: الواقعية السياسية وتوظيف الأزمات في الشرق الأوسط

تنطلق الواقعية السياسية في تحليل الجيوسياسية الشرق أوسطية من افتراض أساسي مفاده أن الدولة الوطنية كيان عقلاني يتحرك بدوافع المصلحة والأمن القومي المباشر، بعيدًا عن الشعارات الأيديولوجية والخطابات الحقوقية المجرّدة. إن المقولة الفلسفية لل إمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس بأن «كل ما نسمعه مجرد وجهة نظر وليس الحقيقة، وكل ما نراه منظور وليس الواقع» تجد تطبيقها الأمثل في البيئة الدولية المعاصرة؛ إذ تُشَكّل آليات التوجيه الإعلامي والضغط الدبلوماسي أداة لإدارة الصراعات وليست منبرًا لنشر الحقائق المجردة. اليمن: الجغرافيا السياسية والأمن الاستراتيجي المقارَن من الناحية الجيوإستراتيجية، يمثّل التدخل السعودي في اليمن نموذجًا تقليديًا لسياسات صيانة أمن الحدود والممرات البحرية الحيويّة. فالمملكة تتشارك حدودًا برية تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر مع اليمن، مما يجعل استقرار الجار الجنوبي ضرورة أمنية قصوى لمرتكزات الاقتصاد الوطني وحركة التجارة الدولية عبر مضيق باب المندب وموانئ البحر الأحمر وخليج عدن. إن سيطرة جماعة الحوثي — وهي حركة راديكالية ذات بنية عقائدية مغلقة وأبعاد إقليمية واضحة — على صنعاء حوّلت ...

مبادلة الهيمنة بالبراغماتية: قضية خاشقجي وتعديل أوتار التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط

بقلم: ميّار شحاده  تضع قضية اختفاء ومقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول النظام الإقليمي والدولي أمام لحظة مفصلية تُعيد رسم العلاقات الجيوسياسية بين واشنطن والرياض وأنقرة، مع فتح ثغرات استراتيجية تتطلع موسكو وبكين لاستغلالها. لا تُقرأ هذه الأزمة باعتبارها حدثاً جنائياً عابراً، بل كمحفز استراتيجي يعرّي هشاشة التوازنات القائمة ويختبر مدى مرونة التحالفات التقليدية في مواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة. أولاً: المعادلة المثلثية للواشنطن: البيت الأبيض، الكونغرس، ومجتمع الاستخبارات لتحليل الموقف الأمريكي بدقة، يجب تفكيك آلية صناعة القرار في واشنطن، والتي تتمحور حالياً حول ثلاثة مراكز قوى ذات توجهات متضاربة:  * البيت الأبيض (البراغماتية الاقتصادية المعاملاتية): يتعامل الرئيس دونالد ترامب مع العلاقة مع الرياض برؤية رجل الأعمال. تشكل الصفقات الاقتصاديّة والسيادية المقدرة بنحو 450 مليار دولار — والتي تتضمن صفقات تسليح بقيمة 110 مليارات دولار تم الاتفاق عليها منذ عام 2017، فضلاً عن مشاريع عملاقة كشراكات مشروع "نيوم" والمحادثات حول بناء المحطات النووية الس...

أزمة المعيار في الإعلام الجماهيري وسيكولوجية الحشود: تحولات الخطاب السياساتي بين الهندسة النفسية والبراغماتية الأداتية

مقدمة: مفارقة الوعي والارتهان الجمعي تتجلى إحدى أكثر صور المشهد الاجتماعي والسياسي إرباكاً في المفارقة التناقضية بين تضخم الأدوات المعرفية والوسائط الإعلامية من جهة، وانتكاس وعي الجماهير وقابليتها للانقياد من جهة أخرى؛ حيث يتسيد المشهد من يفتقر إلى الفضيلة الأخلاقية والفكرية، بينما يُنحى الفاضل والعميق جانباً. هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة البحتة، بل هي نتيجة صيرورة تاريخية وبنيوية شهدت تطور تقنيات التأثير الاجتماعي والسياسي. فقد تحولت الوسائل الإعلامية والاتصالية من أدوات لنقل المعرفة والتنوير إلى آليات للهندسة النفسية وضبط المجال العام، مما يطرح تساؤلات جادة حول مصير التحليل العقلاني في ظل سيادة البراغماتية الأداتية وفقدان المعايير التقييمية الصلبة. أولاً: الديناميات النفسية للجماهير وآليات التضليل الاجتماعي عند التفتيش في الجذور النظرية لظاهرة الانقياد الجماهيري، يستحضر التحليل الاجتماعي أطروحات الفرنسي غوستاف لوبون في مؤلفه التأسيسي "سيكولوجية الجماهير" (Psychologie des Foules). يذهب لوبون إلى أن الفرد، بمجرد انصمامه إلى المجموع الجماهيري، يفقد قدرته على المحاكمة العقلاني...