ما وراء الظلال الإستراتيجية: الواقعية السياسية وتوظيف الأزمات في الشرق الأوسط
تنطلق الواقعية السياسية في تحليل الجيوسياسية الشرق أوسطية من افتراض أساسي مفاده أن الدولة الوطنية كيان عقلاني يتحرك بدوافع المصلحة والأمن القومي المباشر، بعيدًا عن الشعارات الأيديولوجية والخطابات الحقوقية المجرّدة. إن المقولة الفلسفية لل إمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس بأن «كل ما نسمعه مجرد وجهة نظر وليس الحقيقة، وكل ما نراه منظور وليس الواقع» تجد تطبيقها الأمثل في البيئة الدولية المعاصرة؛ إذ تُشَكّل آليات التوجيه الإعلامي والضغط الدبلوماسي أداة لإدارة الصراعات وليست منبرًا لنشر الحقائق المجردة.
اليمن: الجغرافيا السياسية والأمن الاستراتيجي المقارَن
من الناحية الجيوإستراتيجية، يمثّل التدخل السعودي في اليمن نموذجًا تقليديًا لسياسات صيانة أمن الحدود والممرات البحرية الحيويّة. فالمملكة تتشارك حدودًا برية تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر مع اليمن، مما يجعل استقرار الجار الجنوبي ضرورة أمنية قصوى لمرتكزات الاقتصاد الوطني وحركة التجارة الدولية عبر مضيق باب المندب وموانئ البحر الأحمر وخليج عدن.
إن سيطرة جماعة الحوثي — وهي حركة راديكالية ذات بنية عقائدية مغلقة وأبعاد إقليمية واضحة — على صنعاء حوّلت الشريط الحدودي إلى مسرح للتهديدات المباشرة. وتندرج التحركات العسكرية للرياض ضمن مفهوم "الأمن الإقليمي المباشر" الذي تُطبقه القوى الدولية عالميًا:
* الولايات المتحدة: تأمين حدودها الجنوبية من خلال آليات حماية صارمة ومبادرات أمنية استباقية.
* الاتحاد الأوروبي: عقد اتفاقيات أمنية وهيكلية مع دول جوار البحر الأبيض المتوسط للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية ومخاطر العابرين للحدود.
*روسيا واليابان: إدارة ملف الممتلكات البحرية والحدود المائية ضمن منظور استقراري طويل الأمد يضمن الأمن القومي الاستراتيجي.
بالتالي، فإن إدارة ملف الحرب في اليمن تتبع ديناميكيات التوازن الإقليمي واستدامة المصالح الاقتصادية والأمنية، بعيدًا عن القراءات المبسطة التي تختزل النزاع في أبعاد طائفية أو إنسانية فقط.
قضية خاشقجي: بين التدويل السياسي والتوظيف الإعلامي
تطرح قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي إشكالية حادة تتجاوز البعد الإنساني والحقوقي إلى أبعاد الصراع الإعلامي والنفوذ الموازي. وفي حين أن استهداف الصحفيين أو المعارضين يمثل انتهاكًا للمواثيق الدولية والمعايير القانونية المستقرة، فإن القراءة التحليلية لطبيعة إدارة الأزمة تقود إلى تفكيك الخطاب الإعلامي المحيط بها:
* استراتيجية التسريب والتأثير السيادي: اعتمدت السلطات التركية على سياسة التسريب قطرةً بقطرة عبر وسائل الإعلام لضمان إبقاء القضية تحت أضواء الصحافة العالمية لأطول فترة ممكنة، واستخدامها كأداة للضغط الجيوسياسي ودعم الأجندات الإقليمية لبعض الأطراف المنخرطة في الخلاف الخليجي آنذاك.
* التداخل بين العمل الصحفي والأجندات السياسية: كشفت وثائق ورسائل نصية نشرتها صحيفة واشنطن بوست نفسها لاحقًا عن ارتباطات بين خاشقجي ومؤسسة "قطر الدولية" عبر المدير التنفيذي ماجي ميتشيل سالم؛ حيث أظهرت التغطيات التحليلية أن بعض المقالات والأفكار الموجهة للرأي العام الأمريكي كانت تتلقى توجيهًا وتدقيقًا من أطراف إقليمية ذات منافسة صريحة مع الرياض.
* إعادة هيكلة الاقتصاد والتحولات الداخلية: تتزامن حركة المعارضة الخارجية غالبًا مع التحولات الهيكلية الداخلية. فقد شهدت المملكة حملة واسعة لمكافحة الفساد في فندق "ريتز كارلتون" قادها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وأسفرت عن استعادة أموال ضخمة لخزينة الدولة. ورغم الانتقدات الغربية لتلك الإجراءات، إلا أنها مثّلت نقطة تحول في إعادة بناء مؤسسات الدولة وتأكيد سلطة القانون المالي والتنظيمي على الجميع دون استثناء.
التحقيق الدولي والواقعية الجنائية
تجلت ثغرات الأداء الإقليمي والدولي في طريقة تعاطي بعض الجهات التابعة للأمم المتحدة مع القضية. فقد واجهت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، أنييس كالامار، انتقادات واضحة بشأن الحيادية والموضوعية السياسية نتيجة مواقفها المعلنة مسبقًا. إضافة إلى ذلك، فإن الخلط بين الملفات الإنسانية — كملف المساعدات في اليمن — وبين التحقيقات الجنائية المستقلة، أدى إلى توظيف الأدوات الحقوقية كأوراق تقايض سياسي.
تدرك الإدارة الأمريكية والمؤسسات الإستراتيجية في واشنطن أن العلاقات الدولية لا تُبنى على التفاصيل الجنائية الفردية فقط، بل على الشراكات الاستراتيجية الصارمة والأمن المتبادل. فالرياض تُشكل ركيزة أساسية لأسواق الطاقة العالمية ومكافحة الإرهاب والسيطرة على التوازنات في الشرق الأوسط.
التقييم التحليلي: الإيجابيات والسلبيات
* الإيجابيات (مكاسب الواقعية السياسية): نجحت الرياض في تثبيت أركان تحولها الداخلي عبر رؤية اقتصادية شاملة، مع المحافظة على ثوابت أمنها الحدودي واستمرارية تحالفاتها الدولية الحيوية رغم حملات التدويل الإعلامي.
* السلبيات (التكلفة السياسية والإعلامية): أدى الاستغلال الإعلامي والأخطاء الإجرائية في التعامل الأول مع الأزمات إلى منح المنافسين الإقليميين مكاسب تكتيكية وتسهيل فرض ضغوط سياسية مؤقتة على الدبلوماسية السعودية في المحافل الغربية.
خلاصة
إن قراءة مشهد الشرق الأوسط بعقلية تحليلية مجردة تتطلب فصل الشعارات عن الآليات الفردية لعمل الدول. الحقيقة الجيوسياسية المطلقة لا توجد في التقارير الإخبارية أحادية الجانب؛ بل تكمن في فهم موازين القوى، وحسابات المصلحة الوطنية، وسعي الدول لتأمين مجالاتها الحيويّة واستقرارها الداخلي في نظام دولي قائم على القوة والتنافس الإستراتيجي.
Comments
Post a Comment