هندسة السلام الاقتصادي: هل يعيد كوشنر إنتاج نموذج أوسلو بلغة رأس المال؟
تستدعي المشاهد الراهنة للتحركات الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط ذاكرة التاريخ القريب. يُذكرنا الإصرار الذي يُبديه مستشار البيت الأبيض جاريد كوشنر لفرض رؤيته لما يُعرف بـ "صفقة القرن" باللحظات الحاسمة التي سبقت توقيع اتفاقية أوسلو بين ياسر عرفات وشمعون بيريز تحت رعاية بيل كلينتون. كان كلينتون، الساعي لربط اسمه بمنجز تاريخي، يرى في نزاعي الشرق الأوسط وكشمير مدخلاً لترسيخ الهيمنة الأمريكية أحادية القطب في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. اليوم، يعود المشهد ذاته لكن بلغة مختلفة: لغة صفقات الاستثمار بدلاً من المعاهدات السياسية.
من منظور تحليل النظم والواقعية السياسية، لا تخرج تحركات واشنطن الأخيرة عن كونها محاولة لإعادة صياغة أدوات إدارة الصراع، إلا أن هذه المحاولة تتداخل مع تعقيدات حادة في الداخل الإسرائيلي، ومناورات إقليمية تتجاوز الفاعلين التقليديين.
معادلة الانتخابات الإسرائيلية: نتنياهو وضغوط الحلفاء
يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغوطاً انتخابية متصاعدة في ظل تجاذبات حادة داخل ائتلافه وقوى اليمين. تُشبه هذه الحالة، إلى حد بعيد، المخاطر الحزبية التي واجهتها حكومة بيريز قبيل اتفاق أوسلو. يدفع هذا المأزق الانتخابي نتنياهو إلى تسريع تواصله مع واشنطن لتوظيف الدعم الأمريكي ككتلة تصويتية حاسمة في الداخل.
وهنا يبرز التساؤل: هل تمثل جولات كوشنر ضغطاً أميركياً لتمرير الخطة، أم أنها استجابة لمصلحة مشتركة بين الطرفين؟
تقتضي الملاحظة المنطقية الإقرار بوجود "علاقة تكافلية" بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو؛ فالأولى تسعى لتحقيق انتصار خارجي ملموس يعتمد مقاربة "المال يحل النزاعات الممتدة"، بينما يحتاج الثاني إلى غطاء سياسي أمريكي يتيح له احتواء الخصوم الداخليين دون تقديم تنازلات جوهرية في ملفات السيادة والحدود.
محور أنقرة-واشنطن: القراءة الدبلوماسية للإشراك التركي
أثار إدراج أنقرة في جدول أعمال جولة كوشنر، واشتراطه حضور وزير الخزانة والمالية التركي براءت البيرق إلى جانب الرئيس رجب طيب أردوغان، علامات استفهام متعددة حول أبعاد هذه المحادثات.
تُفسَّر هذه الخطوة بكونها نتاج تقييم واشنطن للموقف العربي الإقليمي، الذي تحول إلى الامتناع عن الانفراد بقرار لا يحظى بغطاء فلسطيني جامع. أدرك كوشنر أن الاستثمار الإقليمي لن يؤتي أُكله دون التوصل إلى صيغة تضمن استقرار الوضع الإجمالي، وهنا تتجلى أهمية الدور التركي عبر مسارين مترابطين:
ينطلق المسار الأول من الشق الاقتصادي المباشر، حيث يهدف إشراك البيرق إلى تقديم حوافز استثمارية لتركيا وسط ظروفها الاقتصادية الراهنة، وربط تلك الحوافز بمسار التهدئة الإقليمي. بينما يمثل المسار الثاني البُعد الدبلوماسي الموجه نحو القطاع؛ إذ تُعد أنقرة إحدى القنوات الإقليمية الأساسية المتصلة بقيادة حماس، وتستند واشنطن إلى هذا النفوذ لتمرير الترتيبات الاقتصادية القادمة، مع الامتداد نحو الاستفادة من تقاطع المصالح بين أنقرة وطهران لممارسة ضغط غير مباشر يُقنع الحركة بالانخراط في المعادلة.
السلام الاقتصادي كبديل للحل السياسي: قراءة نقدية
تستند رؤية كوشنر إلى افتراض مفاده أن خلق واقع اقتصادي متكافئ نسبياً وتدفق الاستثمارات الضخمة سيتكفلان بتقليص أهمية الحدود والملفات السياسية الشائكة. غير أن هذا الطرح يحمل في طياته نقاط قوة وضعف هيكلية:
* الإيجابيات المفترضة (وفق المفهوم الوظيفي):
* تحسين مستويات المعيشة والحد من معدلات الفقر في الأراضي الفلسطينية.
* تقليل فرص التصعيد العسكري عبر تحفيز البيئة الاقتصادية ورأس المال.
* تجاوز الانسداد السياسي المزمن الذي خلفته مفاوضات الحل النهائي.
* السلبيات والقصور الهيكلي:
* تجاهل الهوية والسيادة: اختزال صراع جيوسياسي ومصيري في أبعاد مالية يتجاهل التطلعات الوطنية المشروعة للطرفين، وهو ما يهدد بانهيار المقاربة عند أول اختبار سياسي حقيقي.
* التشابك الجغرافي: استمرار التوسع الاستيطاني يجعل القضايا الميدانية معقدة للغاية، مما يحول دون قيام كيان اقتصادي مستقل ومستدام.
* مخاطر أوسلو 2: إن إعادة إنتاج نموذج أوسلو بصيغة اقتصادية دون ضمانات سياسية حقيقية قد تؤدي إلى استنزاف محلي جديد بدلاً من تحقيق استقرار دائم.
السيناريوهات المستقبليّة: نحو أي أفق يتجه الصراع؟
يقف الصراع أمام مسارين أساسيين في حال استمرار هذا النهج:
* السيناريو الأول (فشل الهندسة الاقتصادية): يتجسد في الاصطدام بالواقع السياسي الميداني وتردد الأطراف المعنية في تقديم التنازلات المتبادلة. سينتج عن هذا المسار استمرار الوضع القائم، مع مزيد من القضم التدريجي للأراضي وتراجع خيار الدولتين عملياً لصالح ترتيبات أمنية غير مستقرة.
* السيناريو الثاني (التكيّف المشروط): قبول الأطراف الإقليمية بالحد الأدنى من الترتيبات الاقتصادية لإدارة الصراع بدلاً من حله، وهو ما يضمن تهدئة مؤقتة دون حسم الملفات الأساسية.
تُظهر التحليلات المقارنة أن الإفراط في التركيز على الحلول الاقتصادية بمعزل عن المكتسبات السياسية التاريخية لا يصنع سلاماً متيناً، بل يؤجل الانفجار المحتمل. يبقى السؤال الحقيقي: هل نملك اليوم أدوات تفاوضية جديدة تشكل بديلاً عن شعارات الماضي، أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة استنزاف أطول وأكثر تعقيداً؟
Comments
Post a Comment