ما بعد صدمة كرايستشرش
المأزق البنيوي للإعلام الأيديولوجي في قراءة القيادة الحديثة
تكشف الأزمات الكبرى دائماً عن عورات الخطاب الإعلامي المؤدلج؛ إذ يعيد هذا الإعلام إنتاج الوقائع في قوالب اختزالية مجتزأة تُسقط من الاعتبار المعايير الإنسانية والمؤسسية لصالح التجييش الفكري. أزالت التغطية الإعلامية المنحازة لحادثة مسجدَي كرايستشرش الإرهابية في نيوزيلندا—والتي ارتكبها متطرف يميني أسترالي—الستار عن الفجوة المعرفية والأخلاقية بين نماذج الحكم الديمقراطي العماني القائم على سيادة القانون وحقوق الإنسان، وبين الخطابات الشعبوية ومنابر الإسلام السياسي التي توظف المظلومية السياسية لأغراضها الخاصة.
القيادة الإدارية وتفكيك المظلومية: النموذج النيوزيلندي
لم تكن الاستجابة الاستثنائية لرئيسة الوزراء النيوزيلندية السابقة، جاكيندا أردرن، مجرد نوبة عاطفية عابرة، بل جسدت تحركاً مؤسسياً رفيع المستوى يُدرس في فن إدارة الأزمات والقيادة العامة. أدارت أردرن الحادثة عبر حزمة من القرارات التنفيذية الحاسمة؛ فمن فرض قيود صارمة على تداول الأسلحة شبه الآلية في قياسي، إلى صياغة خطاب وطني احتواء شامل يتجاوز الانقسامات المجتمعية دون المساس بهوية الدولة الدستورية العلمانية.
ومع ذلك، يعمد الإعلام الحزبي—ولا سيما إعلام الإسلام السياسي—إلى تسليط الضوء حصراً على مشهد ارتداء الحجاب أو مواساة الضحايا، مفرغاً هذه اللفتات من سياقها الليبرالي القائم على المساواة والتعاطف الإنساني المجرد. يُغفل هذا الإعلام عمداً أن أردرن تمثل حكومة ديمقراطية تدافع عن حقوق كافة أطياف المجتمع دون استثناء؛ حيث تتجسد مبادئ الدولة الديمقراطية الحديثة في ركيزتين أساسيتين: حماية الأقليات وضمان الحرية الدينية للجميع من جهة، وترسيخ التنوع والحريات الفردية وحقوق الإنسان من جهة أخرى.
على سبيل المثال، فإن أردرن نفسها كانت قد شاركت رسمياً قبل ذلك بأشهر في مسيرة دعم حقوق المثليين في أوكلاند عام 2018 كأول رئيسة وزراء نيوزيلندية تقوم بذلك، في تأكيد واضح على أن قيم الحداثة الغربية لا تجزئ كرامة الإنسان بناءً على الجنس أو العرق أو التوجه.
الأثر الجيوسياسي والتشريعي: حوكمة الفضاء الرقمي وتطوير تشريعات مكافحة الإرهاب
تجاوزت تداعيات كرايستشرش حدود الداخل النيوزيلندي لتشكل نقطة تحول مفصلية في الأمن السايبيري والسياسات الدولية لمكافحة الإرهاب. فقد كشف البث المباشر للعملية الإرهابية عن ثغرة بنيوية عميقة في كيفية استغلال الجماعات المتطرفة للمنصات الرقمية المفتوحة كوسيلة للترويج واختراق الوعي الجمعي.
ورداً على هذا التحدي العابر للحدود، قادت نيوزيلندا بالشراكة مع فرنسا مبادرة "نداء كرايستشرش" (Christchurch Call)، والتي جمعت عشرات الدول وشركات التكنولوجيا الكبرى لوضع أطر تنظيمية ملزمة لمكافحة المحتوى المتطرف عبر الإنترنت. أدى هذا الحراك إلى إعادة تعريف مفهوم الإرهاب التشريعي دولياً؛ إذ لم يعد يقتصر على التنظيمات التقليدية المسلحة، بل امتد ليشمل شبكات التطرف العرقية والمفاهيمية اليمينية. كما فرض على غول الذكاء الاصطناعي وشركات التواصل الاجتماعي تعديل خوارزميات الانتشار والرقابة الفورية، مما وضع القواعد التأسيسية لتوازن جديد بين حماية حرية التعبير وحفظ الأمن القومي والكرامة الإنسانية في العصر الرقمي.
رموز الذاكرة الأنثروبولوجية وسرديات التحول
تُظهر النظرة التاريخية الفاحصة أن الذاكرة الجمعية البشرية لا تُبنى على الشعارات الفضفاضة، بل على محطات مفصلية أعادت تعريف المعايير الأخلاقية والسياسية:
* السرخس الفضي (Silver Fern): تجسد السلوك الاحتوائي لنيوزيلندا في رمزها الوطني التاريخي، "السرخس الفضي" (وهي نبتة استوائية متوطنة كُيّفت في الوجدان الشعبي كرمز للإضاءة والسلام)، والذي تحول في الموروث البصري للحادثة إلى رموز تلاحمية تجسد وحدة المجتمع رغم مصابه.
* خطاب "لدي حلم" (1963): أسس به مارتن لوثر كينغ للحقوق المدنية من أرضية الحقوق الطبيعية العابرة للأعراق، متجاوزاً الصراع إلى بناء المجتمع الشامل.
* إرث نيلسون مانديلا: تجاوز القائد الأفريقي عقدين من السجن ليؤسس لدولة المواطنة وينهي نظام الفصل العنصري دون الوقوع في مصيدة الانتقام الأيديولوجي.
* الإصلاح اللوثري وما بعده: فتحت ثورة مارتن لوثر الباب أمام إعادة تقييم العقلانية الغربية، مما هيأ الظهور لفلاسفة الحداثة ومفهوم العقد الاجتماعي والدولة المدنية كما صاغها باروخ سبينوزا.
* أيقونة آيلان كردي (2015): حفرت صورة الطفل السوري في الشواطئ التركية عمقاً أنثروبولوجياً زلزل الوجدان العالمي، وهزت السياسات الأورو-وسطية للجوء، بعيداً عن البروباغندا واستغلال السياسيين.
تناقضات الخطاب العربي وحتمية الإصلاح المؤسسي
يبدو المشهد الثقافي والإعلامي العربي في كثير من الأحيان مأزوماً في تعاطيه مع الأزمات؛ إذ يسود الميل نحو العاطفية المزيفة والكسب السياسي اللحظي بدلاً من الشروع في نقد ذاتي وبنيوي. ففي الوقت الذي يُحتفى فيه بالقيم الإنسانية المطبقة في الغرب، تُمارس في المجال العام المحلي أنماط من الإقصاء ضد المرأة، وتُهمش الأقليات، بل وحتى المسطحات الخدمية والعبادية تشهد غياباً للممارسات التنظيمية والجمالية الأساسية.
إن معالجة هذه الفجوة الحضارية لا تتم عبر استهلاك الخطابات الشعاراتية، بل تبدأ من تبني النموذج المؤسسي القائم على:
* الفصل التام بين الحقوق والاعتقاد: التعامل مع الفرد بصفته مواطناً له حقوق أصيلة مستقلة عن عرقه أو دينه أو توجهه.
* تعزيز البنية التحتية للقانون: الانتقال من مفهوم التسامح الممنوح إلى مفهوم "المساواة الصارمة" تحت مظلة القانون.
* ترسيخ الثقافة العقلانية العلمية: تطوير المناهج والمؤسسات الفكرية لتجاوز القراءات التراثية الرثة ونبذ النظريات التآمرية.
إن الدروس المستفادة من محطات مثل حادثة كرايستشرش تؤكد أن قوة الدول ومناعتها لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة مؤسساتها على تطبيق معايير حقوق الإنسان والعدالة بعقلانية وحياد؛ حيث الإنسان وحريته وكرامته هم الغاية والأساس.
Comments
Post a Comment