من الغريزة إلى الأيديولوجيا: كيف تُعيد البيولوجيا التطورية تشكيل الهندسة السياسية للعنصرية؟
تستدعي قراءة التاريخ السلوكي للبشرية العودة إلى الجذور التطورية التي شكلت المجتمعات الأولى؛ فالإنسان في أدبيات البيولوجيا التطورية والأنثروبولوجيا السياسية لم يبدأ وجوده ككائن أيديولوجي، بل ككائن غريزي مدفوع باستراتيجيات البقاء. وفي هذا السياق، يبدو الانقسام التقليدي بين "الغريزة" و"العنصرية" بحاجة إلى إعادة تفكيك بنيوية؛ فالغريزة ليست مجرد سلوك بدائي انقرض مع تحضر البشر، بل هي الركيزة الفسيولوجية والنفسية التي تُبنى عليها أنظمة التمييز الحديثة. إن التحول من مجتمعات الصيد والالتقاط إلى الدولة الوطنية الحديثة لم يلغِ الغريزة، بل قام بـ "مأسستها" وتحويلها من آلية حماية حيوية إلى أيديولوجيا إقصائية.
المنشأ الجيني والسلوكي: من "عصبية القبلية" إلى الفوبيا الاجتماعية
من منظور النفس الاقتصادي والتطوري، نشأت المجتمعات البدائية على قاعدة بسيطة: إدارة الموارد المحدودة وسط بيئة معادية. دفع هذا الواقع الإنسان الأول إلى تطوير سلوكيات دفاعية قائمة على ثنائية "الداخل والداخلين" (In-group) مقابل "الخارج والغرباء" (Out-group). هذه الثنائية، التي تُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ "الميول الإيثارية تجاه الجماعة والمقت تجاه الغرباء" (Parochial Altruism)، كانت شرطاً محوياً لضمان بقاء العشيرة أو المجموعة الصغرى.
هنا تبرز الفجوة التحليلية بين Concept الغريزة وConcept العنصرية:
* الغريزة (Instinct): هي الاستجابة البيولوجية والموروث السلوكي الجيني الذي ينظم آليات الخوف، الهيمنة، وطلب الأمان داخل المجموعة المغلقة. إنها آلية نفعية لا تحمل بالضرورة حمولة أخلاقية أو مفاهيمية مسبقة.
* العنصرية (Racism): هي الصياغة الثقافية والسياسية والمؤسسية لتلك الغريزة. إنها تحويل "الخوف الغريزي من الغريب" إلى منظومة فكرية تدعي وجود فروق عرقية أو جينية موروثة لتبرير علاقات القوة، السيطرة، أو التهميش.
وبالتالي، فإن الغريزة تُنتج النواة الأولى للتمييز، لكن "العنصرية" تدير هذا التمييز وتمنحه غطاءً قانونياً وفلسفياً.
من القوة البدائية إلى مأسسة التمييز: قراءة سينمائية للتاريخ
مع الانتقال من المشاعية البدائية والنظام القبلي القائم على الهيمنة المباشرة إلى تأسيس الدول والمدنيات، تحولت "غريزة السيطرة" إلى هيكل سياسي. تجلى ذلك تاريخياً في نموذج "إسبرطة" القديم، حيث فرضت أقلية عسكرية سيطرتها على غالبية من "الهيلوتس" (العبيد) عبر نظام عزل وقمع مؤسسي يُعد من أبكر أشكال الفصل العرقي والطبقي في التاريخ السياسي.
وفي العصر الحديث، تجسدت هذه الديناميكية في نماذج متعددة اعتمدت على تغذية الغريزة الميكانيكية للجمهور لتمرير سياسات التمييز:
* جنوب أفريقيا ونظام الفصل العنصري (Apartheid): لم يكن الفصل مجرد كراهية عرقية مجردة، بل كان مأسسة قانونية واقتصادية لغريزة السيطرة والاستحواذ على الموارد، حُولت إلى قوانين تُنظم السكن والعمل والمواطنة.
* المسألة اليهودية والشرق الأوسط: تجسد الصراع في المنطقة عبر تقاطعات معقدة؛ فبينما عانى اليهود في أوروبا من موجات "المذابح المدبرة" (Pogroms) والتصاعد اللاسامي الذي توج بالكارثة (الهولوكوست)، أدى صعود الحركة الصهيونية وتأسيس واقع سياسي جديد في فلسطين إلى خلق صراع بنيوي ممتد مع السكان العرب، تجسدت فيه آليات النزوح والفصل والصدام القومي المؤدلج.
* الاعتقال القسري لليابانيين في الولايات المتحدة (1942): عقب هجوم بيرل هاربر، أصدر الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الأمر التنفيذي رقم 9066، والذي أسفر عن احتجاز أكثر من 120 ألف شخص من أصول يابانية (غالبيتهم مواطنون أمريكيون). كان هذا الإجراء نتاجاً مباشرًا لخوف غريزي جمعي تم استثماره سياسياً لتجاوز الضمانات الدستورية والحريات الفردية.
* أواخر الدولة العثمانية وللتحولات القومية: شهدت المراحل الأخيرة للإمبراطورية العثمانية وصعود القومية التركية المتطرفة (عبر حركة "الاتحاد والترقي") تحولاً دراماتيكياً من التعددية الإمبراطورية إلى السياسات التمييزية والتطهير العرقي. نتج عن ذلك المذابح بحق الأرمن، الآشوريين، واليونانيين، بالإضافة إلى سياسات التتريك الضغطة على المكون العربي. وفي المدى الأقصر، تجسدت المظاهر القومية الراديكالية في أحداث "بوغروم إسطنبول" عام 1955 ضد الأقليات غير المسلمة.
* الإسلاموفوبيا والغرب بعد 11 سبتمبر: تحول الخوف الأمني الغريزي عقب الهجمات إلى نمط من التنميط الثقافي والقانوني ضد أبناء الشرق الأوسط والمسلمين في المجتمعات الغربية، مما أظهر سهولة ارتداد المجتمعات الليبرالية إلى ممارسات استثنائية عند الاهتزاز الأمني.
عنصرية الأفراد مقابل عنصرية الدولة: التفكيك البنيوي
تقتضي المنهجية التحليلية التمييز بين نمطين من التمييز المُمأسس:
* العنصرية المجتمعية (الفردية): تنشأ كظاهرة سلوكية بين الأفراد أو القوى الاجتماعية غير الرسمية. في المجتمعات ذات الأنظمة العلمانية والدساتير الليبرالية الحاكمة، تُعامل هذه الممارسات باعتبارها خروجاً عن القانون وانحرافاً يعاقب عليه العقد الاجتماعي، حيث تقف الدولة كمؤسسة محايدة تحمي الحقوق الفردية بغض النظر عن الانتماءات الأولية.
* العنصرية الرعائية (الدولتية): وتحدث عندما تبنى الدولة نفسها أيديولوجيا تمييزية تُدمج في الدساتير والقوانين. في بعض أنظمة العالم الثالث أو الدول ذات الصبغة الأيديولوجية الدينية/القومية، يُشرّع القانون تمييز جماعة على أخرى (سواء على أساس ديني أو عرقي)، فتتحول أجهزة الدولة من أداة لإنفاذ العدالة إلى أداة لحماية الامتيازات الفئوية.
توازن نقدي: الإيجابيات والسلبيات في فهم الظاهرة
* القيمة التحليلية لربط العنصرية بالغريزة: يُتيح هذا الطرح فهم العنصرية ليس كـ "شر مطلق" مفاجئ في التاريخ، بل كمرض سلوكي ناتج عن استغلال الآليات البيولوجية القديمة للسيطرة. هذا الفهم يفتح الباب لتطوير أدوات هندسة اجتماعية وتربوية تُفكك الخوف من الآخر بدلاً من الاكتفاء بالوعظ الأخلاقي.
* المخاطر المفهومية: ينطوي الإفراط في إرجاع العنصرية إلى الغريزة على خطر "التبرير البيولوجي" (Biological Determinism). إذا كانت العنصرية مجرد غريزة حتمية، فقد يُستغل ذلك للتنصل من المسؤولية الأخلاقية والسياسية للمؤسسات والدول التي تُغذّي هذه الأفكار وتستفيد منها.
خاتمة تحكمها العقلانية السياسية
إن الانتقال من الغريزة البدائية إلى المواطنة الحديثة يتطلب تعزيز سيادة القانون والمؤسسات العابرة للانتماءات الضيقة. إن العقلانية الليبرالية والقوانين المدنية المحايدة هي الأدوات الوحيدة الكفيلة بكبح الميول الغريزية نحو الإقصاء والهيمنة. عندما تفشل الدولة في تقديم نموذج قائم على التكافؤ التام والحريات الفردية، تتدحرج المجتمعات سريعاً نحو مكامنها الغريزية الأولى، لتستبدل مفاهيم العقد الاجتماعي بقوانين الغابة البدائية.
Comments
Post a Comment