من بان (on) لبان (off) هكذا عنونت بروكسيل قمتها الدقيقة في وقت حرج ...

من بان (On) لبان (Off)، معادلة معقدة اختزلت المشهد الجيوسياسي في قمة بروكسل الطارئة، حيث تحولت العاصمة البلجيكية إلى مركز ثقل لإدارة أزمات متقاطعة تتصادم فيها الحسابات العبرية والأطلسية مع المفهوم الأوروبي للاستقلالية الاستراتيجية. 

لم يكن جدول الأعمال المزدحم سوى انعكاس لتصدعات بنيوية أعمق؛ ففي الوقت الذي تشهد فيه لندن مخاضاً عسيراً لتمرير اتفاق الخروج برئاسة تيريزا ماي وسط تعنت البرلمان ومعارضة حزب العمال، كانت دوائر صنع القرار في القارة تتأهب لاستحقاقات الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي تسلمت برلين دفعتها الرئيسية على وقع تحولات سياسية فارقة.

تمثلت هذه التحولات في إعلان أنجيلا ميركل تخليها عن قيادة الحزب الديمقراطي المسيحي لصالح أنغريت كارنباور، في تروس انتقال هادئ للسلطة واكبته صياغة باريس وبرلين لرؤية موحدة حيال أدوات الردع المشتركة، لا سيما فيما يتعلق بضبط إيقاع الفيتو الفرنسي وتوسيع نطاق التنسيق خارج حدود منطقة اليورو.

على خط موازٍ، غاب عن التغطية الإعلامية السائدة في واشنطن ولندن الدلالات العميقة لتصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون بشأن الجاهزية لإبرام صفقة تجارية تفضيلية مع بريطانيا بمعزل عن الاتحاد الأوروبي. 

هذا التوجه يكشف بوضوح أن التيارات المحافظة في واشنطن -التي طالما نظرت بريبة لمقاربات الإدارة الديمقراطية السابقة وركزت أجندتها على تفكيك الهندسة المؤسسية الأوروبية- رأت في خروج المملكة المتحدة فرصة تاريخية لإيجاد موطئ قدم أطلسي يكسر المركزية الألمانية الفرنسية. 

لم يكن خروج بريطانيا مجرد تداعٍ لاستفتاء قاده نايجيل فراج، بل تحول إلى اختبار لمدى قدرة لندن على الموازنة بين هوية شعبية تميل ضمناً للاندماج الأوروبي، وقيادة سياسية ترتبط عضوياً بالمحور الأنجلو-أمريكي، وهو ما ظهر جلياً في اللهجة الحازمة التي واجهت بها العواصم الأوروبية محاولات الالتفاف على شروط الطلاق المؤسسي.

لم تكن جبهة المواجهة محصورة خلف أسوار المؤسسات، بل امتدت إلى الشوارع والمنابر الفكرية القريبة من شارع "رو دي لا لوي". فقد احتشد المتظاهرون رافعين شعارات مناهضة لشبكات التأثير اليمينية المتمثلة في المستشار الأمريكي السابق ستيف بانون، الذي قاد جولات مكثفة في العواصم الأوروبية لتوحيد صفوف التيارات الشعبوية، متبنياً استراتيجية عابرة للحدود لتفكيك العقيدة الليبرالية التقليدية من الداخل. 

إن ظهور بانون العلني إلى جانب شخصيات وازنة مثل زعيمة التجمع الوطني في فرنسا مارين لوبان ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في معاقل أوروبية كمرسيليا، تحت شعار إعادة تعريف الهوية الوطنية في مواجهة المؤسسات العابرة للوطنية، أثار قلقاً وجودياً لدى النخب الوسطية في القارة. 

هذا التداخل بين الضغط الخارجي لواشنطن واختراق الشعبوية اليمينية للنسيج الاجتماعي الأوروبي دفع بروكسل لإعادة تقييم مفهوم الحلف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، متساءلة عن مدى مشروعية الدعم الخفي الذي تقدمه الدوائر المحافظة في واشنطن لقوى تهدد الاستقرار الديمقراطي الأوروبي.

تجسد الرد المؤسسي الأوروبي على هذه التحديات المزدوجة في خطوات عمليّة حاسمة؛ أبرزها الشروع في تأسيس هيئة استراتيجية عليا لدراسة وتفكيك آثار التموضع اللندني والضغوط الأمريكية، تزامناً مع الاكتمال اللوجستي لأكبر مؤسسة استخباراتية في العالم بدنيًا ومؤسساتيًا في قلب العاصمة الألمانية برلين. 

إن نقل ثقل جهاز الاستخبارات الاتحادية (BND) من ضواحي ميونخ إلى مجمع ضخم يضاهي مساحة ملاعب كرة قدم متعددة في حي ميتي البيرليني، لا يمثل مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل يحمل رسالة جيوسياسية بالغة الصرامة تفيد بأن ألمانيا الموحدة وأوروبا صصنتا قرارهما السيادي، ولم تعودا مجرد حديقة خلفية لأي قوة عظمى، بل قطبًا دوليًا قادراً على حماية مجاله الحيوي ومواجهة حرب النفوذ بصمت وكفاءة عالية.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban