أزمة المعيار في الإعلام الجماهيري وسيكولوجية الحشود: تحولات الخطاب السياساتي بين الهندسة النفسية والبراغماتية الأداتية
مقدمة: مفارقة الوعي والارتهان الجمعي تتجلى إحدى أكثر صور المشهد الاجتماعي والسياسي إرباكاً في المفارقة التناقضية بين تضخم الأدوات المعرفية والوسائط الإعلامية من جهة، وانتكاس وعي الجماهير وقابليتها للانقياد من جهة أخرى؛ حيث يتسيد المشهد من يفتقر إلى الفضيلة الأخلاقية والفكرية، بينما يُنحى الفاضل والعميق جانباً. هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة البحتة، بل هي نتيجة صيرورة تاريخية وبنيوية شهدت تطور تقنيات التأثير الاجتماعي والسياسي. فقد تحولت الوسائل الإعلامية والاتصالية من أدوات لنقل المعرفة والتنوير إلى آليات للهندسة النفسية وضبط المجال العام، مما يطرح تساؤلات جادة حول مصير التحليل العقلاني في ظل سيادة البراغماتية الأداتية وفقدان المعايير التقييمية الصلبة. أولاً: الديناميات النفسية للجماهير وآليات التضليل الاجتماعي عند التفتيش في الجذور النظرية لظاهرة الانقياد الجماهيري، يستحضر التحليل الاجتماعي أطروحات الفرنسي غوستاف لوبون في مؤلفه التأسيسي "سيكولوجية الجماهير" (Psychologie des Foules). يذهب لوبون إلى أن الفرد، بمجرد انصمامه إلى المجموع الجماهيري، يفقد قدرته على المحاكمة العقلاني...