معضلة التحول السياسي والهندسة الجيوستراتيجية: تفكيك تجربة "الاستبداد البراغماتي" في أفريقيا
تظل الأزمات السياسية الهيكلية في المنطقة، سواء في السودان أو في المحيط الأفريقي بشقيه الشمالي وجنوب الصحراء، تجلياً واضحاً لغياب "العقد الاجتماعي" القائم على النفعية العقلانية والمؤسسية. إن الاستشهاد بالمرارة الشعبية المتجذرة في الفلكلور والوجدان الجمعي—حين يغدو إنصاف المظلوم مرجوناً إلى يوم القيامة—ليس مجرد تفريغ عاطفي، بل هو تشخيص دقيق لغياب دولة القانون، حيث تتحول العدالة من استحقاق مؤسسي واجبي إلى صدفة زمنية معلقة.
أولاً: ثنائية الشرعية والبراغماتية – قراءة في النموذج السوداني
تتجلى المعضلة النظامية في السودان في قدرة السلطة التنفيذية على التكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية عبر "التنازلات التكتيكية" دون التفريط في جوهر الاحتكار السياسي. والدستور الانتقالي لعام 2005 يحظر صراحة الترشح لولايات رئيسية تتجاوز الولايتين (المادة 57). غير أن سلوك حزب المؤتمر الوطني الحاكم للتمهيد لترشيح الرئيس عمر البشير لولاية جديدة يعكس نمطاً مألوفاً في الأنظمة الشمولية: إعادة هندسة البيئة التشريعية لتطويع النص القانوني خدمةً للاستمرار السياسي.
إن العقدة الاستراتيجية لا تكمن فقط في الإرادة السلطوية الداعمة للبقاء، بل في كيفية الموازنة بين مذكرات التوقيف الدولية الموجهة ضد رأس النظام من قبل المحكمة الجنائية الدولية منذ عام 2009، وبين شبكة المصالح الجيوستراتيجية التي جعلت إقصاءه كاملاً أمراً مكلفاً للقوى الدولية والإقليمية.
خلافاً للتصدي الإعلامي السائد، فإن التباين في التعامل الدولي بين معمر القذافي وعمر البشير لم يكن وليد صدفة أخلاقية، بل محصلة للحسابات العقلانية للسياسة الخارجية الدولية:
* العزلة الهيكلية مقابل المرونة التكتيكية: اتسم نظام القذافي في وسائله الأخيرة بقطيعة مع القواعد الجيوسياسية المتبعة، مما جعل كلفة الإبقاء عليه أعلى من كلفة إقصائه بالنسبة لحلف شمال الأطلسي (الناتو). في المقابل، يمارس النظام السوداني سياسة "البراغماتية المتذبذبة"؛ إذ أبدى مرونة عالية في الملفات الأمنية الحساسة، كشراكات مكافحة الإرهاب، والتنازلات الجيوستراتيجية المتعلقة بتجزئة الدولة (استقلال جنوب السودان عام 2011).
* إدارة المحاور والإقليم: نجحت الخرطوم في تطبيق سياسة موازنة القوى بين المحاور الإقليمية المتنافسة. فبينما نسقت مع قطر في ملف دارفور والرعاية الاقتصادية، حافظت على خطوط إستراتيجية مع محاور إقليمية أخرى عبر المشاركة العسكرية المباشرة في أزمات المنطقة، إلى جانب فتح مجالات مناورة اقتصادية وجيوسياسية مع أنقرة (كما ظهر في اتفاقية جزيرة سواكن). هذه المرونة جعلت النظام كارت تحكم إقليمياً يفضل الفاعلون الدوليون إدارته بدلاً من إسقاطه المفاجئ الذي قد ينتج عنه فراغ أمني في منطقة معقدة بين الساحل والقرن الأفريقي.
ثانياً: التحول المؤسسي في أفريقيا – مقارنة منهجية بين الشمال وجنوب الصحراء
تختلف مسارات التحول الديمقراطي والمؤسسي بين دول أفريقيا جنوب الصحراء وشمال أفريقيا نتيجة تباين الهياكل الاجتماعية، والإرث الاستعماري، وطبيعة المؤسسة العسكرية، والعوامل الجيوسياسية الإقليمية والدولية.
1. محددات التحول في شمال أفريقيا:
تتسم منطقة شمال أفريقيا بمركزية الدولة وعمق البيروقراطية التاريخية. وتُمثل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في دول مثل مصر والجزائر عمود الدولة الفقري والضامن الأساسي للاستقرار، مما جعل التحول نحو سلطة مدنية كاملة يصطدم برفض هذه المؤسسات التفريط في دورها السياسي والاقتصادي. كما ورثت المنطقة هيكلية سياسية تتنازعها اتجاهات إسلامية وأخرى علمانية/قومية، ما أدى إلى استقطاب حاد أضعف القدرة على بناء توافقات طويلة الأجل. وإلى جانب ذلك، يدفع موقعها الجاوي لأوروبا والشرق الأوسط القوى الدولية إلى تفضيل إدارة "الاستقرار السطحي" على حساب التحول الديمقراطي غير مضمون النتائج.
2. محددات التحول في أفريقيا جنوب الصحراء:
تتميز أفريقيا جنوب الصحراء بتنوع أوسع في أنماط الحكم؛ ففي دول مثل غانا، وبوتسوانا، وجنوب أفريقيا، أدى التنوع الإثني والقبلي إلى بناء نماذج توافقية اعتمدت الدستور كوثيقة لإدارة التنوع وضمان تداول السلطة. في المقابل، تسبب هذا التنوع في دول أخرى في اندلاع نزاعات أهلية عند غياب المؤسسات الحاكمة. كما تشهد المنطقة ظاهرة "العدوى الانقلابية"، حيث تعود المؤسسات العسكرية للواجهة مستغلة سخط الشارع من الفساد التنفيذي وفشل الأحزاب المدنية. بينما تلعب التكتلات الإقليمية مثل مجموعة "إيكواس" (ECOWAS) والتنمية لأفريقيا الجنوبية (SADC) دوراً أكثر فاعلية في فرض عقوبات أو ممارسة ضغوط دبلوماسية للحد من التراجع الديمقراطي.
3. المقارنة بين الإقليمين عبر المحاور الرئيسية:
* طبيعة المؤسسة العسكرية: تبرز في شمال أفريقيا كمؤسسات عريقة متغلغلة في السياسة والاقتصاد وتفضل إدارة السلطة مباشرة أو من خلف الساتر، بينما تتراوح في أفريقيا جنوب الصحراء بين جيوش مهنية محايدة (كما في جنوب أفريقيا) وجيوش مغامرة سياسياً (كما في دول الساحل).
* الديناميات الاجتماعية: يطغى على شمال أفريقيا استقطاب أيديولوجي (علماني/إسلامي) مع هيمنة الهوية القومية للدولة، في حين يسود جنوب الصحراء استقطاب إثني ومناطقي يتطلب هندسة دستورية تعتمد الفيدرالية أو المحاصصة التوافقية.
* الاستقرار المؤسسي: تتميز دول الشمال بمؤسسات دولة مركزية قوية تُستخدم غالباً لمنع التغيير الراديكالي، في حين يظهر تباين حاد في جنوب الصحراء بين مؤسسات راسخة (كتجربة بوتسوانا) ومؤسسات هشة معرضة للانهيار.
* الرعاية الدولية: تخضع منطقة الشمال لتدخلات إقليمية ودولية مكثفة تبحث عن الأمن والسيطرة على المعابر البحرية والطاقة، بينما يسود جنوب الصحراء تنافس دولي بين القوى التقليدية والقوى الصاعدة لتوسيع النفوذ.
ثالثاً: المواطنة، الصندوق، وأولوية الإصلاح المؤسسيالعقلاني
إن الادعاء بـ "عدم صلاحية الديمقراطية" للمجتمعات العربية والأفريقية يحتاج إلى تفكيك منهجي حذر. إن الصندوق الانتخابي في غياب مقومات السيادة القانونية والمؤسسات المدنية المستقلة لا ينتج ديمقراطية، بل يعيد إنتاج الاستبداد بآلية سياسية مختلفة؛ حيث يتحول الصندوق في ظل غياب الحريات إلى "ديكتاتورية أغلبية شفاهية"، ويتغذى الفساد الهيكلي في المكاتب الرسمية والمؤسسات المغلقة على تمركز السلطة وغياب المساءلة المستقلة.
إن أثبتت التجارب أن الديمقراطية الإجرائية (الانتخابات فقط) لا تصمد دون دعم اقتصادي، فإن تفكيك حلقة الأزمات المغلقة يقتضي الانتقال من منطق "الشخصنة السياسية" إلى منطق "المؤسسية السيادية". ولن تحقق مبادرات الحوار الوطني نتائجها المرجوة إذا ظلت مجرد أداة لتأجيل الأزمات وتوزيع المكاسب على النخب الحاكمة والمعارضة المستأنسة.
يتطلب التحول الحقيقي مراعاة ثلاثة أركان استراتيجية:
* دولة القانون الفردي: صيانة حرية الفرد والمواطنة المتساوية بعيداً عن الاستقطاب الأيديولوجي أو العقائدي.
* الفصل الصارم بين السلطات: إنهاء هيمنة المؤسسة العسكرية والتنفيذية على القضاء والتشريع، وتفعيل أجهزة رقابية مستقلة.
* السياسة الخارجية العقلانية: بناء علاقات قائمة على المصالح المتبادلة والنمو الاقتصادي، بدلاً من الارتهان للتقلبات المحورية والتكتيكية.
بدون هذه اللبنات، ستبقى الدورة السياسية متوقفة عند خيارين أحلاهما مر: إما استبداد سلطوي يدير الفساد ويمدد للولايات الرئاسية، وإما فوضى عارمة تخنق تطلعات التنمية والحرية.
Comments
Post a Comment