على ضفاف الدانوب: في المأزق الإثنوقومي وتناقضات البراغماتية السلطوية
على ضفاف نهر الدانوب في العاصمة المجرية بودابست، تقف مجسمات "الأحذية الحديدية" كشاهد صامت وأليم على واحدة من أبشع جنايات الفكر القومي المتطرف والنازية، حين أُجبر آلاف الأبرياء—وفي مقدمتهم ضحايا المحرقة من اليهود والمعارضين—على خلع أحذيتهم قبل إطلاق النار عليهم وإلقائهم في مجرى النهر على يد مليشيات "صليب السهم" الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية. هذه النصب ليست مجرد شواهد من الحديد والصلب، بل هي تذكير بنيوي متجدد بالثمن الكارثي الذي تدفعه المجتمعات عندما تنزلق نحو الشوفينية وتخليص الدولة من قيم حكم القانون والحرية الفردية.
غير أن المفارقة السياسية التي نعيشها اليوم في بودابست تتجلى في كيفية إعادة استخدام هذه الرموز؛ فبينما يرى التفكير الليبرالي التنويري في التاريخ درساً لبناء مجتمعات مفتوحة قائمة على العقلانية وسيادة القانون، يسعى رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان إلى إعادة هندسة المشهد السياسي عبر ما يسميه "الديمقراطية غير الليبرالية"، معلّقاً ممارساته السلطوية على شماعة الخوف المتبادل وتهديدات الهوية، لتتحول القومية الفاشية في خطابه إلى أداة للهيمنة وبناء الأغلبية، بدلاً منكونها درساً في الحذر من القمع.
تفكيك هذه الظاهرة يتطلب العودة إلى أدوات التحليل البنيوي والأنثروبولوجي. تتأمل العالمة والأنثروبولوجية الفرنسية جيرمين تيلون مسألة الوعي الذاتي للمجتمعات، مؤكدة استناداً إلى أطروحات فرويد استحالة أن يحلل المجتمع ذاته بمعزل عن "الآخر". ترى تيلون أن معرفة شعب بذاته—ما تسميه بالتحليل الاجتماعي—لا تتم في معزل، إذ لا يمكن للإنسان أن يرى ملامحه بدقة دون مرآة، وهذه المرآة هي بالضرورة التعرف على مجتمع غريب ومختلف. من خلال هذه الملاحظات المتقاطعة تتحول الانطباعات الأولية إلى علوم أنثروبولوجية تتيح لكل شعب أن يرى ذاته وانعكاساتها بوضوح. ومن هذا المنظور، فإن انغلاق النظام المجري على ذاته واستدعاء نبرة العداء للآخر يمثلان هروباً من مواجهة هذه المرآة التحليلية، واستبدالاً لنقد الذات بالشعارات الشعبوية.
هذا التراجع في المنظومة الأخلاقية والتحليلية يستدعي ما طرحه المفكر والطبيب المصري محمد كامل حسين حين أشار إلى أن الضمير الإنساني هو القبس الناظم لكل فضيلة، فبدونه تتحول الفضائل إلى نقائص، والعقل إلى خبال. تشبيهه للمجتمع بالمصنع أو المدينة المظلمة يوضح العمق البنيوي للأزمة: إذا أظلم الضمير الأخلاقي والسياسي، أصبحت المعالم ذاتها عوثرات يصطدم بها الناس. وفي السياسة المعاصرة، يحل الشغف بالسيطرة محل هذا الضمير المؤسسي، فتتحول أدوات الدولة من وسيلة لحماية حريات المواطنين إلى عقبات تُعطل النمو الديمقراطي والازدهار الفردي.
وفي مقابل التقوقع الإثني، تأتي المقولة الخالدة للمفكر الفرنسي ميشيل دي مونتين حين نقل عن سقراط قوله، عندما سُئل عن موطنه، إنه لا ينتمي إلى أثينا بل إلى "العالم". إن هذه المواطنة العالمية العقلانية هي جوهر النموذج الليبرالي الوسطي الذي يسعى لبناء دولة القانون والمؤسسات، حيث تتقدم الحرية الفردية والانفتاح الاقتصادي على العصبيات الجغرافية أو العرقية.
التناقضات المنهجية في تجربة أوربان
عند فحص النموذج المجري بعقلانية ونقد موضوعي، يمكن رصد الديناميكيات المتناقضة التي تحرك هذه التجربة السياسية:
* الازدواجية الاقتصادية والسياسية: من الناحية الهيكلية، استطاعت حكومة أوربان تحقيق استقرار سياسي ظاهري وتدعيم قاعدة انتخابية صلبة عبر التركيز على مفاهيم السيادة الوطنية والأمن الثقافي. إلا أن هذا النجاح الانتخابي يصطدم بحقيقة اقتصادية صلبة؛ فالاقتصاد المجري يعتمد بشكل حيوي على السوق الأوروبية الموحدة وعلى تدفقات الاستثمار والمساعدات الهيكلية القادمة من المركز الفرنسي-الألماني. وبينما يستمر الخطاب الرسمي في مهاجمة "بروكسل" والسياسات الأوروبية، تظل المحركات الاقتصادية للمجر مرتبطة عضدياً بالنموذج التنموي الأوروبي.
* نزيف رأس المال البشري: تتجلى السلبية الأكبر لهذا الخطاب القومي المتشدد في ظاهرة الهجرة العكسية للشباب؛ حيث تشهد المجر تدفقاً مستمراً للكفاءات الشابة والمؤهلات العالية نحو دول غرب أوروبا كألمانيا وفرنسا والنمسا. يفر هؤلاء الشباب من البيئة الاقتصادية الضيقة والإجراءات الحكومية المحافظة بحثاً عن أسواق عمل بيئتها أكثر حرية واستقراراً، مما يخلق عجزاً هيكلياً في سوق العمل المحلي على المدى الطويل.
* البراغماتية الصلبة وتجاوز الأيديولوجيا: تتكشف التناقضات الأيديولوجية للنظام في سياق العلاقات الخارجية. ففي الوقت الذي بنى فيه أوربان شرعيته الداخلية على مناهضة الهجرة والتحذير من التأثير الإسلامي في أوروبا—خاصة خلال أزمة اللاجئين وإغلاق الحدود المجرية—نجده يسارع إلى تعزيز علاقاته السياسية والاقتصادية مع القيادة التركية، متجاوزاً خطابه المعلن لصالح المصالح السياسية المتبادلة.
هذا السلوك يذكرنا بالطبيعة الوظيفية للفاشية والأنظمة السلطوية كما لخصها بنيتو موسوليني في أدبياته، حين أشار إلى أن الفاشية تتعامل ببراغماتية مفرطة لا تقيم وزناً للمبادئ الثابتة بقدر ما تعتمد على السيطرة وتعبئة الجماهير. فالمعيار الأهم لدى السلطوية الشعبوية هو البقاء في السلطة وتحقيق المكاسب السياسية، حتى وإن تطلب ذلك التحالف مع قوى تناقض تماماً الأدبيات الموجهة للاستهلاك المحلي.
السياق الإقليمي ومحاولات اختراق الفضاء الأوروبي
على المستوى القاري، تشكل التجربة المجرية رأس حرب لما يُعرف باليمين الشعبوي الأوروبي. وقد تجلى ذلك في المساعي التي يقودها مستشارون وسياسيون عابرون للقارات—أمثال ستيف بانون عبر مشروعه "Movement"—لتحشيد القوى القومية واليمينية المتطرفة للسيطرة على انتخابات البرلمان الأوروبي. غير أن هذا المشروع يواجه كوابح هيكلية في معظم دول القارة:
* الرفض المؤسسي في الغرب: فشلت هذه المحاولات في تحقيق أغلبيا صلبة في دول ذات تقاليد مؤسسية راسخة مثل فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، وهولندا، حيث أثبتت الكتلة الوسطية المدافعة عن نموذج السوق الحر والتكامل الأوروبي قدرتها على الصمود.
* النجاحات الجزئية والمحدودة: اقتصر النجاح على اختراقات نسبية في النمسا وإيطاليا، بينما ظلت المجر هي النموذج الأكثر اكتمالاً للسيطرة الشعبوية على مفاصل الدولة.
* غياب البديل التنموي: يطالب التكتل اليميني بإلغاء ما يسميه "الهيمنة الفرنسية-الألمانية" على منطقة اليورو، لكنه يفتقر إلى تقديم نموذج اقتصادي تنموي بديل قادر على إدارة تعقيدات الاقتصاد العالمي. إن السيطرة الفرنسية-الألمانية، رغم ما قد يشوبها من بيروقراطية، قدمت إطاراً استثمارياً ومؤسسياً استنفادت منه دول شرق أوروبا—وفي مقدمتها المجر—بشكل مباشر.
نحو قراءة تنويرية للمستقبل
إن محاولة تقويض الرأي العام وبث سموم التفرقة تحت شعارات قومية متشددة لا تمثل حلاً للأزمات البنيوية التي تواجهها المجتمعات الحديثة، بل تعيد إنتاج الأزمات التاريخية التيسعت أوروبا للتخلص منها بعد الحرب العالمية الثانية.
إن الدولة الحديثة والناجحة لا تُبنى على الانغلاق أو صياغة الأعداء الوهميين، بل على تعزيز سيادة القانون، وحماية الحريات الفردية، وتوفير بيئة اقتصادية قائمة على التنافسية والانفتاح. وحين تغيب هذه العقلانية التنويرية لحساب البراغماتية السلطوية الضيقة، يصبح الاستقرار السياسي مجرد غطاء مؤقت لأزمات هيكلية أعمق، تعيد المجتمعات إلى نقطة الصفر التي حذرت منها شواهد التاريخ على ضفاف الدانوب.
Comments
Post a Comment