أزمة المعيار في الإعلام الجماهيري وسيكولوجية الحشود: تحولات الخطاب السياساتي بين الهندسة النفسية والبراغماتية الأداتية

مقدمة: مفارقة الوعي والارتهان الجمعي
تتجلى إحدى أكثر صور المشهد الاجتماعي والسياسي إرباكاً في المفارقة التناقضية بين تضخم الأدوات المعرفية والوسائط الإعلامية من جهة، وانتكاس وعي الجماهير وقابليتها للانقياد من جهة أخرى؛ حيث يتسيد المشهد من يفتقر إلى الفضيلة الأخلاقية والفكرية، بينما يُنحى الفاضل والعميق جانباً.
هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة البحتة، بل هي نتيجة صيرورة تاريخية وبنيوية شهدت تطور تقنيات التأثير الاجتماعي والسياسي. فقد تحولت الوسائل الإعلامية والاتصالية من أدوات لنقل المعرفة والتنوير إلى آليات للهندسة النفسية وضبط المجال العام، مما يطرح تساؤلات جادة حول مصير التحليل العقلاني في ظل سيادة البراغماتية الأداتية وفقدان المعايير التقييمية الصلبة.
أولاً: الديناميات النفسية للجماهير وآليات التضليل الاجتماعي
عند التفتيش في الجذور النظرية لظاهرة الانقياد الجماهيري، يستحضر التحليل الاجتماعي أطروحات الفرنسي غوستاف لوبون في مؤلفه التأسيسي "سيكولوجية الجماهير" (Psychologie des Foules). يذهب لوبون إلى أن الفرد، بمجرد انصمامه إلى المجموع الجماهيري، يفقد قدرته على المحاكمة العقلانية المستقلة وتتراجع لديه آليات التفكير النقدي، ليتصرف بتأثير انفعالي لاواعي. ويرى لوبون أن ما يحرك الجماهير ليس نزوعها نحو الحرية، بل حاجتها الخفية للتبعية والخضوع لرمز أو قائد يمارس سلطة كاريزمية جازمة.
فالجماهير في هذا الطرح التشكيكي لا تطلب الحقيقة بذاتها إذا كانت معقدة أو مزعجة، بل تجذبها الوهمية المبسطة التي تدغدغ العواطف والمخاوف الذاتية. ولذلك فإن الخطاب الفعال جماهيرياً لا يستند إلى المحاججة العقلية (Rational Argumentation)، بل يعتمد على التأكيد الحازم، والتكرار المكثف، والشعارات العنيفة المشحونة انفعالياً.
وعلى جانب آخر، تترامى في النقاشات الثقافية والسياسية مقولات تُنسب غالباً إلى عالم اللغويات والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، من قبيل أن "الإعلام والتعليم يشكلان نظاماً من الجهل الإجباري" أو الداعية إلى "تعميم الرداءة لتغدو مقبولة ثم مطلوبة". ورغم أن تشومسكي ركز في كتابه التأسيسي "صناعة الرضا" (Manufacturing Consent) بالاشتراك مع إدوارد هيرمان على "فلترة" الأخبار عبر القوى الاقتصادية والرعاة الرسميين والكتل المؤسسية، فإن قائمة "استراتيجيات الهيمنة وتعميم الرداءة" المنسوبة له شائعة بكونها في الأصل وثيقة صاغها الكاتب الفرنسي سيلفان تيمسيت (Sylvain Timsit) عام 2002.
تستهدف هذه الاستراتيجيات إلهاء الجمهور، وإثارة العواطف على حساب الفكر، وتكريس الشعور بالذنب والعجز الذاتي. وتلتقي هذه الرؤية مع أدوات الدعاية النازية التاريخية التي تجسدت في أسلوب جوزيف غوبلز؛ وعلى الرغم من أن العبارة الشهيرة "إكذب حتى يصدقك الناس" هي مقولة تُعزى إليه تاريخياً وتعبّر عن فلسفته العملية دون وجود نص توثيقي صريح يثبت نطقه بها بحرفيتها، إلا أن الممارسة الفعلية لدعايته اعتمدت بالكامل على التكرار اللاحسوبي للرواية الواحدة حتى تتمأسس كحقيقة واضحة في الوعي الجمعي.
ثانياً: الدراسة النقدية لأطروحات لوبون في ضوء علم النفس الاجتماعي الحديث
لتعميق فهم العملية الاتصالية، يتطلب التحليل إجراء مراجعة نقدية مقارنة تبين حدود واستمرارية الأطروحة اللوبونية، خصوصاً وأن العلم التجريبي لا يتوقف عند انطباعات القرن التاسع عشر:
1. حدود وقصور أطروحات غوستاف لوبون (ما سقط علمياً):
تتجلى أولى النقاط النقدية في تفكيك مفهوم "العقل الجمعي" وتلاشي الشخصية الفردية؛ إذ افترض لوبون أن الفرد ينهرس في "عقل جمعي" بدائي يُحركه اللاوعي. في المقابل، دحض علم النفس الاجتماعي الحديث، ولا سيما عبر نظرية الهوية الاجتماعية لـ جون تيرنر وهنري تاجفيل، هذا المفهوم الموحد؛ فالأفراد لا يفقدون عقولهم، بل تنتقل محاكمتهم العقلية من "الهوية الشخصية" إلى "الهوية الاجتماعية المشتركة"، متصرفين وفق قواعد المجموع بدلاً من الانتكاس الغريزي.
كما يظهر القصور في التنميط النخبوي الوارد عند لوبون، والذي صوّر الجماهير ككائنات غير عقلانية بالضرورة. بينما أثبتت الدراسات الميدانية المعاصرة، مثل نموذج العلاقات بين المجموعات للباحث كليف ستوت، أن الحشود تصدر عنها تصرفات منظمة ومنطقية، وأن العنف الجمعي ليس نتاج "غريزة عمياء"، بل هو غالباً رد فعل ديناميكي على التهديدات الخارجية أو الممارسات السلطوية.
أما على مستوى آلية الانتشار، فقد اختزل لوبون الفكرة في "العدوى النفسية" والتنويم الإيحائي. بينما استبدل علم النفس الحديث هذا الطرح بمفاهيم التأثير الاجتماعي المعرفي، والتوافق السلوكي، والتسهيل الاستجابي، حيث تخضع الخيارات الجمعية لعمليات تقييم تعزز الانتماء ولا تنتشر كمرض متفلت.
2. نقاط الاستمرارية والقوة (ما أثبته العلم الحديث):
في المقابل، يتضح صحة حدس لوبون المتعلق بتراجع التفكير النقدي لدى الفرد داخل المجموع نتيجة غياب المسؤولية الفردية. وقد طوّر العالم فيليب زيمباردو هذه الفكرة عبر مفهوم تفكيك الشخصية وتجريد الهوية (Deindividuation)، مؤكداً أن إخفاء الهوية الفردية داخل التجمعات الممتدة يقلل الرقابة الذاتية ويزيد الانصياع لأعراف المجموع.
كما أثبت علم الأعصاب والتحيزات المعرفية صحة رؤية لوبون حول مركزية العاطفة والرمزية في الخطاب الجماهيري. وتتقاطع هذه الرؤية مع أطروحة دانيال كانمان حول "النظام 1" التلقائي والسريع في التفكير؛ إذ يميل العقل البشري للتبسيط وتصديق المكرر بناءً على وهم الحقيقة وتأثير التعرض المحض، دون حاجة لمحاججة منطقية طويلة.
أما بشأن الانقياد للرمزية القيادية، فتؤكد نظرية القيادة النموذجية الحديثة كيف ينجح القادة الشموليون أو الشعبويون عبر تقديم أنفسهم كـ "تجسيد مكتمل" لهوية المجموعة، مع تقديم إجابات تبسيطية حازمة لتقليل الشعور بالغموض والتهديد الوجودي لدى الجمهور.
ثالثاً: البنية المعقدة للاتصال الجماهيري والجماهير الرقمية
تأصيلاً للمفهوم من منظور الأكاديمية الإعلامية العربية، يقدم الأكاديمي والباحث كامل خورشيد مراد في مؤلفه "الاتصال الجماهيري والإعلام" تعريفاً بنيوياً وتأصيلياً للعملية الاتصالية. فالاتصال الجماهيري ليس مجرد تبادل لإشارات عابرة بين أفراد، بل هو نمط منظم ومعقد يتم عبر مؤسسات وهياكل احترافية، مجهزة لإرسال رسائل علنية وعامة موجهة إلى جمهور عريض، متباين الاتجاهات والشرائح الاجتماعية، ولا تربطه بالقائم بالاتصال معرفة مباشرة.
ويبرز خورشيد التشابك الأكاديمي والميداني بين وسائل الاتصال التقليدية—من صحافة وراديو وتلفزيون—وبين القنوات الاتصالية المتقدمة وظواهر الرأي العام، والعلاقات العامة، وأساليب الدعاية والإعلان. كما يشير إلى التحول المفهومي الناجم عن صعود "الإعلام الجديد" وشبكات المعلومات السريعة، وهو ما وضع النظريات الإعلامية التقليدية أمام اختبار حقيقي في ظل عولمة اتصالية تجاوزت الحدود الجغرافية والسياسية، وغيرت ديناميكية التأثير من الرسالة أحادية الاتجاه إلى شبكات التفاعل المتعدد.
ومع تحول الفضاء العام إلى الوسائط الرقمية، تشهد أطروحات سيكولوجية الحشود بعثاً جديداً؛ حيث تقوم الخوارزميات بمكافأة المحتوى المشحون عاطفياً داخل غرف الصدى، لتنتشر المنشورات التحريضية بآلية تماثل العدوى الفائقة. كما يتيح الأثر الافتراضي للشاشات حالة متقدمة من "تجريد الهوية الرقمية" (Online Disinhibition Effect)، مما يحول الاستقطاب والتنمر الجمعي إلى معادل إلكتروني لتصرفات الحشود الشارعية.
رابعاً: البراغماتية الأداتية وتداعي المعايير في الإعلام السياسي
من منظور نقد تحليلي موضوعي، استخدمت القوى الدولية الكبرى—وفي مقدمتها الولايات المتحدة—أجهزتها الإعلامية ومؤسساتها الاتصالية كأدوات ناعمة لدعم مصالحها الجيوسياسية. وقد اعتمد هذا التوجه على المرجعية البراغماتية (Pragmatism)؛ وهي الفلسفة التي تقيس صواب الفكرة أو السياسة بمقدار ما تحققه من منفعة عملية ونتائج ملموسة، دون الارتهان المسبق للمبادئ الأيديولوجية المجرّدة.
غير أن المشهد الإعلامي السياسي شهد انزلاقاً من "البراغماتية العقلانية"—التي توازن بين المصلحة الواقعية وتحديد الأولويات—نحو شكل من أشكال تداعي المعايير (Anomie)، حيث اختلت المعايير التقييمية الصارمة للخبر والتحليل. ويمكن تفكيك هذا التحول المزدوج عبر جانبين:
 * الإيجابيات النظرية للبراغماتية الإعلامية: تتمثل في توفير مرونة واقعية تتيح التعامل مع المتغيرات السياسية بعيداً عن الجمود الأيديولوجي، مع التركيز على الحلول الممكنة والنتائج العملية. كما أنها تساهم في إبراز وجهات نظر متعددة بناءً على المصلحة الوطنية وتوازن القوى، مما يفتح هامشاً للمناقشة والتعديل السياساتي.
 * السلبيات الناجمة عن انعدام المعيار: تؤدي إلى تضلِيل الرأي العام عندما تتحول البراغماتية إلى تسويغ للغايات بغض النظر عن الوسائل، مما يضرب مصداقية الوسيلة الإعلامية ويجعل المتلقي غير قادر على بلورة رؤية مستقلة. كما أن الغياب الصارم للمعيار الأخلاقي والمعرفي والاعتماد على الخطاب العاطفي يخلق بيئة خصبة للاستقطاب والتطرف، حيث تُختزل الحروب والعداوات الممتدة في أطر إعلامية تبسيطية تجرد الآخر من إنسانيته وتنزع السياسة من سياقها التاريخي.
خاتمة: استعادة المعيار النقدي
إن تحليل ظاهرة الإعلام الجماهيري وسيكولوجية الحشود يتطلب تجنب التبسيط؛ فلا يمكن إرجاع السياسات الإعلامية بالكامل إلى "مؤامرة موجهة"، كما لا يمكن نفي حجم التوجيه والهندسة الاجتماعية التي تمارسها المؤسسات الكبرى. إن الخطورة الحقيقية الماثلة لا تكمن فقط في التضليل المباشر، بل في استنزاف التفكير النقدي لدى الجمهور وتحويل الفضاء العام إلى ساحة للانفعالات المتضاربة بدلاً من التفكير العقلاني المستنير.
لتجاوز هذه الأزمة، تبرز الحاجة إلى إعادة تعزيز "المعيار النقدي" في القراءة الإعلامية والسياسية، والقائم على تفكيك النص، وفحص المصادر، والتمييز الصارم بين التحليل الواقعي المستند إلى المصلحة الوطنية المشروع، وبين الدعاية الفاقدة للمعيار التي تؤسس للنزاعات وتغذي التطرف.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

The Resident Power Paradox: A Critical Analysis of France’s Indo-Pacific Strategy