ظلال الميركلية: الصمت الاستراتيجي وإرث الأزمات المؤجلة!
٩ سبتمبر ٢٠٢٤
لم يكن خروج المستشارة السابقة أنغيلا ميركل من المشهد السياسي مجرد نهاية لعهد استمر ستة عشر عاماً، بل كان إيذاناً ببدء استحقاق الفواتير المؤجلة. إن الصمت الذي تلوذ به ميركل اليوم ليس مجرد انسحاب زاهد، بل هو امتداد لنهج سياسي طالما اعتمد على ترحيل الأزمات بدلاً من حلها، وهو ما يمثل الجانب المعتم في إرثها السياسي.
لقد سلمت ميركل لائتلاف "إشارة المرور" الحاكم تركة من الانكشاف الهيكلي في ملفات شائكة: من الانتهاك الصارخ للأمن التنافسي للجمهورية بسبب الارتباط الطاقي المطلق بروسيا، إلى التلكؤ في تحديث البنية التحتية والجيش الألماني (Bundeswehr). اليوم، يعاني الشارع الألماني من تبعات تدارك هذه الملفات المعقدة، حيث تُحمل الحكومة الحالية أعباء قرارات سابقة اتُّخذت بدافع تجنب الصدام السياسي المؤقت.
طالما ارتكزت فلسفة ميركل في الحكم على مقولتها الشهيرة: "يمكننا فعل ما هو ضروري وصحيح". بيد أن الممارسة العملية أثبتت أن المعيار لم يكن دوماً "المستدام والصحيح"، بل "المقبول شعبوياً" لضمان الاستمرار في السلطة. لقد أدارت ميركل ألمانيا عبر استراتيجية "التعبئة غير المباشرة" ونزع التسييس عن القضايا الخلافية، مضحية بالرؤية الاستراتيجية لأجل مكاسب انتصارات انتخابية متتالية.
حتى في ملف العلاقات مع المربع الشرقي، فضّلت ميركل الصمت والغموض الاستراتيجي. وخلافاً لسلفها جيرهارد شرودر الذي امتلك الجرأة الأيديولوجية — على مقاساقتها — للدفاع عن علاقاته مع الكرملين، استغرقت ميركل وقتاً طويلاً لتفكيك صمتها عقب العدوان الروسي على أوكرانيا. ولم تُبدِ سوى القليل من النقد الذاتي حين أشارت في مقابلتها مع صحيفة دي تسايت إلى أن حكومتها كان ينبغي أن تتعامل بصرامة وسرعة أكبر مع السلوك الروسي الإمبريالي بعد عام 2014.
إن انعكاسات تلك الحقبة تتجلى اليوم بوضوح؛ فالأحداث الأمنية الأخيرة، مثل اعتداء زولينغن الإرهابي، والتصاعد غير المسبوق لخطاب الكراهية ضد اليهود والمسلمين، واستفحال القوة الانتخابية لحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، أسبابها ممتدة إلى السياسات غير المنضبطة في إدارة ملف الهجرة والاندماج، وغياب الردع الأمني والثقافي الواضح.
وفي حين يسعى حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي اليوم تحت قيادته الجديدة إلى إعادة تموضعه في مركز-اليمين والتنصل من الإرث الخدمي للميركلية لاستعادة ثقة الشارع، تتفرغ ميركل في عزلتها لكتابة سيرتها الذاتية. ومن المتوقع أن تعود إلى تسويق منطقها الإشاري الشهير بأن قراراتها — سواء في أزمة اليورو، أو الطاقة النووية، أو الهجرة، أو العلاقات مع بوتين — كانت "لا بديل عنها" (Alternativlos)، في محاولة أخيرة لحماية إرثها التاريخي من التآكل.
Comments
Post a Comment