Posts

Showing posts from December, 2019

العلاقات التركية–الإيرانية في إفريقيا: ديناميات التقارب المصلحي وإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي

تمهيد: تحول الفاعلين وتفكيك جيوسياسية النفوذ تعتمد العلاقات الدولية المعاصرة على مصفوفة معقدة من المصالح التي تتداخل فيها الحسابات البراغماتية للنظم السياسية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للشرائح الحاكمة. وفي هذا السياق، لا يمكن تقييم العلاقات التركية–الإيرانية وفق النموذج المفهومي التقليدي للخصومة التاريخية أو التحالف الأيديولوجي الثابت؛ بل هي حالة متقدمة من "المنافسة التعاونية" (Cooperative Competition) التي تتأرجح بين التكتيك المرحلي والتنسيق الاستراتيجي. يرتبط هذا التداخل بالامتداد الجغرافي والاجتماعي المباشر، وببنية أنظمة الحكم في أنقرة وتهران. وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، يبدو أن القارة الإفريقية باتت تُشكل الساحة الأبرز لتلاقي هذه المصالح، خصوصاً مع تراجع النفوذ القاري التقليدي لبعض القوى الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، مقابل صعود أدوار قوى دولية كبرى كشاركتين آنيتين لأنقرة وتهران (روسيا والصين)، مما يتيح لكلا البلدين إعادة تعريف موقعهما في النظام الإقليمي والدولي. أولاً: الدوافع الاستراتيجية والنفوذ المتقاطع في القارة السمراء يمتد التواجد الإيراني والتر...

كش ملك ...

إعادة رسم الخريطة السياسية البريطانية: تفكيك العجز الأيديولوجي ولعبة التوازن الإستراتيجي تشكل نتائج الانتخابات العامة البريطانية تحولاً نفعياً حاسماً في بيئة الحكم والسياسة. لم تكن هذه الجولة الانتخابية مجرد اقتراع عابر لحسم أزمة الاستعصاء البرلماني حول ملف "البريكست"، بل كانت استفتاءً عميقاً على طبيعة الهوية السياسية للمملكة المتحدة، وتفكيكاً هيكلياً للاستقطابات التي سادت خلال السنوات الأخيرة. العجز الأيديولوجي وانكشاف "وهم المعرفة" لدى اليسار شهدت المنظومة الحزبية انكساراً واضحاً للنموذج الذي قدمه حزب العمال تحت قيادة جيرمي كوربن. تتجلى المعضلة التحليلية لهذا التيار في عجزه عن تقديم قراءة واقعية للتحولات البنيوية في الخطاب العام. فعند التعاطي مع الأزمات الأمنية والمجتمعية الحادة، بما فيها حوادث الطعن التي شهدتها بريطانيا، ظهر الخطاب القيادي متنزعاً من السياق المؤسسي والدولاتي. وبدلاً من تقديم إدانة حازمة وحلول إجرائية تدعم سيادة القانون، انزوى الخطاب إلى العزف على أوتار أيديولوجية راديكالية تُرجع كل الاختلالات الهيكلية إلى "عثرات الرأسمالية" بشكل مبسط، م...

الصفعة التي لا نتعلم منها نستحقها مجدداً في فلك الممنوع ... عفوا في فلك الغاز

موازين الغاز وضغوط السيادة: قراءة نقدية في اندفاعة أنقرة بشرق المتوسط تطرح التطورات الجارية في حوض شرق المتوسط تساؤلاً هيكلياً حول قدرة الفاعلين الإقليميين على فرض الأمر الواقع في منطقة تتداخل فيها الجيوسياسات النظرية مع المكتسبات الاقتصادية الصلبة. وفي هذا السياق، يستدعي المشهد الممتد بين أنقرة والقاهرة وطرابلس مقولة المفكر أدونيس حول خطورة امتلاك "الحقيقة المطلقة" بوصفها مصدراً للقمع والافتراس السياسي؛ حيث يتحول الاعتقاد بالجزمية إلى أداة لفرض النفوذ بالقوة، وهو ما يتجلى في محاولات إعادة رسم الخرائط البحرية عبر اتفاقيات تتجاوز الأطر الإقليمية القائمة. إن مذكرتي التفاهم الموقعتين بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس بشأن التنسيق الأمني وترسيم الحدود البحرية لا يمكن فصلهما عن سعي تركيا لكسر حالة العزلة البحرية التي فرضها تشكيل "منتدى غاز شرق المتوسط". ومما يجدر تصحيحه مفاهيمياً وعلمياً، فإن التقديرات المعتمدة عالمياً — وفق الهيئة الأمريكية للماسيح الجيولوجية (USGS) — تشير إلى احتواء حوض شرق المتوسط على نحو 122 تريليون قدم مكعب (أي ما يعادل نحو 3.45 تريليون متر م...

الاسلاموفوبيا وكذبة شموليتها ...

شماعة "الإسلاموفوبيا" وتناقضات خطابات الشرعية: تفكيك تحليلي لقمة كوالالمبور تُقدّم القراءة السوسيولوجية للمفكر العراقي علي الوردي مدخلاً بنيوياً لفهم السلوك الجمعي والخطاب السياسي؛ إذ يرى أن "الإنسان يبحث عن تقدير المجتمع، فإن كان المجتمع يقدّر رجال الدين كثُر المتدينون، وإن كان يقدّر اللص كثُر اللصوص". هذا الطرح يناقض التفسيرات الإعظاظية التبسيطية للنزاعات، مؤكداً أن الصراع الإنساني ليس مواجهة بين "الخير والشر" بقدر ما هو صدام بين اعتبارين مختلفين للخير، حيث يُسقط كل طرف تصوره الخاص للأخلاقية ويطالب بالقداسة لشعاراته. يبدو هذا التأطير مناسباً لتفكيك المبادرة الإعلامية التي انبثقت عن الحراك السياسي المقترن بـ "قمة كوالالمبور" (ديسمبر 2019)، والتي جمعت قيادات من تركيا، وماليزيا، وقطر، وإيران، إلى جانب طرح باكستاني سابق لتأسيس منصة إعلامية ناطقة بالإنجليزية لمواجهة ما يُعرف بـ "الإسلاموفوبيا". ورغم الترويج للمبادرة كخطوة لتصحيح الصورة الذهنية عن الإسلام في الغرب، فإن التدقيق التحليلي ينطوي على تناقض مفاهيمي وسياسي: كيف يمكن لأطراف تُعاني ...