الصفعة التي لا نتعلم منها نستحقها مجدداً في فلك الممنوع ... عفوا في فلك الغاز
موازين الغاز وضغوط السيادة: قراءة نقدية في اندفاعة أنقرة بشرق المتوسط
تطرح التطورات الجارية في حوض شرق المتوسط تساؤلاً هيكلياً حول قدرة الفاعلين الإقليميين على فرض الأمر الواقع في منطقة تتداخل فيها الجيوسياسات النظرية مع المكتسبات الاقتصادية الصلبة. وفي هذا السياق، يستدعي المشهد الممتد بين أنقرة والقاهرة وطرابلس مقولة المفكر أدونيس حول خطورة امتلاك "الحقيقة المطلقة" بوصفها مصدراً للقمع والافتراس السياسي؛ حيث يتحول الاعتقاد بالجزمية إلى أداة لفرض النفوذ بالقوة، وهو ما يتجلى في محاولات إعادة رسم الخرائط البحرية عبر اتفاقيات تتجاوز الأطر الإقليمية القائمة.
إن مذكرتي التفاهم الموقعتين بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس بشأن التنسيق الأمني وترسيم الحدود البحرية لا يمكن فصلهما عن سعي تركيا لكسر حالة العزلة البحرية التي فرضها تشكيل "منتدى غاز شرق المتوسط". ومما يجدر تصحيحه مفاهيمياً وعلمياً، فإن التقديرات المعتمدة عالمياً — وفق الهيئة الأمريكية للماسيح الجيولوجية (USGS) — تشير إلى احتواء حوض شرق المتوسط على نحو 122 تريليون قدم مكعب (أي ما يعادل نحو 3.45 تريليون متر مكعب) من الغاز الطبيعي القابل للاستخراج، وليس 150 تريليون متر مكعب كما يُداول في بعض الأطروحات المبالغ فيها.
تعتمد الاستراتيجية التركية، القائمة على عقيدة "الوطن الأزرق" (Mavi Vatan)، على فرض ديناميكيات صراعية حادة لتغيير قواعد اللعبة (Brinkmanship). غير أن هذه الممارسة يصدمها واقع قانوني وسياسي يتسم بالتعقيد:
* الإيجابيات الاستراتيجية لأنقرة: استطاعت تركيا خلق واقع جغرافي جديد يقطع التواصل المباشر بين المنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان وقبرص، مما يمنحها أوراق ضغط تفاوضية مستقبلياً أمام أي مشروع لأنابيب الغاز المتجهة إلى أوروبا (مثل مشروع EastMed).
* السلبيات والتكاليف: أدت هذه الخطوة إلى تعميق العزلة الجيوسياسية لتركيا، وتحفيز جبهة مضادة متماسكة تضم مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، فضلاً عن استدعاء رفض أورو-أمريكي صريح ومُلوّح بالعقوبات الاقتصادية.
من المنظور الهيكلي، يُظهر المقاربة التركية الخلل الناجم عن محاولة تحويل الهيمنة العسكرية إلى شرعية قانونية. لاتفاق الترسيم التركي-الليبي ثغرات إجرائية وجوهرية؛ فمن الناحية القانونية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، لا تملك الجزر اليونانية (مثل ك Crete) حسماً كاملاً للرفض التركي فحسب، بل إن الاتفاق يتجاهل حقوق الجرف القاري للعديد من الأقاليم المجاورة. علاوة على ذلك، ينص "اتفاق الصخيرات" لعام 2015 صراحة على عدم صلاحية رئيس مجلس الوزراء الليبي لإبرام معاهدات دولية دون موافقة ورئاسة السلطة التشريعية المتمثلة في مجلس النواب المشرف من طبرق، وهو ما يجرّد التفاهم من صفته الاستحقاقية الدولية النافذة.
على الضفة المقابلة، تتوزع خيارات الأطراف الإقليمية والدولية وفق أدوات ناعمة وصلبة:
* مصر والتحالف الإقليمي: تراهن القاهرة على رصيدها العسكري والدبلوماسي، إضافة إلى بنيتها التحتية المتمثلة في محطات إسالة الغاز في إدكو ودمياط، مما يجعلها المركز الإقليمي الوحيد للغاز في المنطقة. ولن تجد تصريحات التهدئة التركية صدى واسعاً ما لم تقترن بتراجعات ملموسة عن خطوات فرض الأمر الواقع.
* الاتحاد الأوروبي (بروكسل): يمتلك مروحيات متعددة للرد، تبدأ من فرض عقوبات اقتصادية تستهدف قطاع الطاقة والاستثمار التركي، وتصل إلى تعليق الاتفاقيات الجمركية. وتُدرك أنقرة تماماً أن اقتصادها القائم على التصدير واستقطاب رؤوس الأموال لا يحتمل مواجهة طويلة المدى مع الشريك الأوروبي الأساسي.
* إسرائيل ولبنان: بالرغم من حالة الانقسام السياسي الداخلي في تل أبيب والتعثر المالي والسياسي الممتد في بيروت حول ترسيم البلوك رقم 9، إلا أن المصلحة الإسرائيلية تتقاطع بوضوح مع عدم كسر توازن القوى القائم في المتوسط لصالح نفوذ أحادي.
* الدور الروسي: يستمر الموقف الروسي في الحفاظ على توازن دقيق، حيث يتطلع للعب دور الوسيط المستفيد من التباين التركي-الأوروبي دون الإضرار بصلات موسكو الاستراتيجية مع القاهرة أو التأثير على تموضعها العسكري في شرق المتوسط عبر البوابة السورية.
إن المحاولة التركية للاستحواذ على مساحات نفوذ قبل الوصول إلى طاولة الترسيم النهائية تعكس سياسة المخاطرة العالية. وفي حال استمرار انسداد قنوات الحوار وتجاوز قواعد القانون الدولي للأبحار، فإن احتمالات الانزلاق نحو تحالفات صلبة حازمة — تضم قوى إقليمية وأوروبية — تصبح خياراً قائماً لكبح جماح الأحادية. إن الدرس الأبرز هنا يكمن في أن الاستعراض الجيوسياسي القائم على فرض الإرادة قد يمنح مكاسب آنية، لكنه يتسبب في إهدار فرص الشراكة الاقتصادية المستدامة، ويعرض الأطراف المُخاطِرة لمواجهة أزمات كبرى كان بالإمكان تفاديها بالاحتكام إلى العقلانية والمصالح المشتركة.
Comments
Post a Comment