Posts

Showing posts with the label USA

الثري والفيل والدولة العميقة خارج النص

تشريح هيكل السلطة في واشنطن: الديناميات المؤسسية ومستقبل الحزب الجمهوري بعد أزمة 2021 تثير التطورات السياسية المتعاقبة في العاصمة الأمريكية واشنطن تساؤلات بنيوية حول طبيعة اتخاذ القرار داخل القوة العظمى الأولى في العالم، ومدى قدرة الفاعلين الفرديين على التأثير في الهياكل المؤسسية الصلبة. يستلزم فهم هذه الديناميات الابتعاد عن السرديات الإشاعية، والاعتماد على تحليل مؤسسي دقيق يتناول مفهوم "الدولة العميقة" (Deep State) - أو ما يُعرف أكاديمياً بالبيروقراطية الدائمة ومؤسسات الأمن القومي - ودورها في إدارة التوازنات السياسية. أولاً: الركائز الثلاث لهيكل القرار الأمريكي تعتمد حوكمة الدولة في المؤسسية الأمريكية على ثلاث قواعد صلبة تضمن استقرار السياسات العابرة للإدارات المتعاقبة:  * التخطيط والتنظيم المؤسسي: وتتمثل في البيروقراطية العسكرية والأمنية والدبلوماسية الدائمة (وزارة الدفاع، وزارة الخارجية، مجلس الأمن القومي، ومجتمع الاستخبارات وعلى رأسه وكالة الاستخبارات المركزية). هذه المؤسسات تعمل وفق استراتيجيات طويلة المدى تضمن استمرارية المصالح المصيرية للبلاد بغض النظر عن هوية الساكن ف...

حسابات الساعات الأخيرة: كيف رسمت مناظرة ناشفيل التوازن الحرج في الانتخابات الأمريكية؟

مع الاقتراب من اللحظات الحاسمة للانتخابات الرئاسية الأمريكية، حملت المناظرة الأخيرة في مدينة ناشفيل بولاية تينيسي ثقلاً استراتيجياً يتجاوز مجرد السجال الإعلامي التقليدي. بين رئيس يستند إلى إرث القفز فوق التقاليد السياسية، ومرشح ديمقراطي يمثل المؤسسة التقليدية العريقة، لم تكن المواجهة مجرد سباق على النقاط، بل كانت اختباراً لمدى قدرة كل طرف على ضبط حدوده التكتيكية واستقطاب الناخب المستقل في الولايات المتأرجحة. ضبط الإيقاع الإداري: الدور المحوري للمديرة أدارت الحوار السيدة كريستين ويلكر، الصحفية في شبكة "NBC"، بكفاءة إدارية متوازنة نجحت في تلافي الفوضى التي شابت المواجهة الأولى. وعلى الرغم من الضغوط المسبقة والانتقادات التي وجهت إليها من معسكر الرئاسة بشأن الانحياز المؤسسي المفترض للشبكة الناقلة، فإن الآلية الجديدة القائمة على إغلاق الميكروفون خلال دقيقتي الإجابة الأوليتين وفرت إطاراً مضبوطاً. هذا الإطار منح الناخب فرصة للمفاضلة بين رؤيتين متباينتين لإدارة الدولة، بدلاً من الغرق في التلاسن الشديد. السجال الهيكلي: قانون 1994 والإصلاح الجنائي سعى الرئيس دونالد ترمب إلى ضرب الارتكا...

مناظرة بلا أنياب بارزة: تفكيك ديناميكيات السجال بين بنس وهاريس ورهانات التحول السياسي

تعكس مناظرة نائب الرئيس بين مايك بنس وكامالا هاريس لحظة مفصلية في مشهد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث تجلت محاولة كل طرف لإعادة ضبط الإيقاع بعد سجال رئاسي متوتر سبقه بين دونالد ترامب وجوزيف بايدن. أدارت الحوار الصحفية سوزان بيج، الممثلة للصحافة المطبوعة، بإدارة اتسمت بالموضوعية وقدرة نسبيّة على حوكمة المحاور التنافسية. غير أن القراءة التحليلية العميقة للحدث تكشف عن استراتيجيات هيكلية اعتمدها الطرفان، مزجت بين المنطق الحسابي والبراغماتية السياسية، مع الوقوع في ثغرات جوهرية على صعيد السياسة الخارجية والملفات الداخلية. المنطق التكتيكي والأداء الأسلوبي دخل مايك بنس السجال متسلحاً بهدوء إستراتيجي مدروس، مستفيداً من خلفيته الإعلامية السابقة كمذيع إذاعي وحاكم ولاية سابق، لتقديم خطاب رصين يستهدف ترميم الصورة الذهنية للحملة لدى القواعد المحايدة والمحافظة التقليدية. اعتمد بنس على لغة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية لبناء حجته، مع الحرص على إظهار الدبلوماسية الشكليّة تجاه منافسته في محاولة لإبراز التباين الأسلوبي بينه وبين الرئيس ترامب. في المقابل، اعتمدت كامالا هاريس على الخطاب العاطفي والهجوم ...

هل غير الحزب الديمقراطي أولوياته من أجل سباق الرئاسة؟؟ وما هي صيغة العقود المبرمة مع مؤسسات الدولة في واشنطن؟! ‏

تقتضي القراءة المتأنية لديناميكيات الانتخابات الرئاسية الأمريكية عدم الاكتفاء بالتحليل السطحي للتصريحات السياسية، بل الغوص في تفاصيل العلاقات البنيوية بين الأحزاب الكبرى ومؤسسات الدولة العميقة في واشنطن. وكما يُنسَب إلى المعماري الألماني لودفيغ ميس فان دير روه أن "الشيطان يسكن في التفاصيل"، فإن فهم مسار التنافس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري يتطلب تفكيك العلاقات التعاقدية الشائكة – السياسية والأمنية والاستراتيجية – التي تربط هذه القوى بمؤسسات صنع القرار. تأتي هذه الانتخابات في ظل تحول بنيوي في النظام الدولي؛ إذ لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بتلك الأحادية المطلقة التي فرضتها عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. إن صعود الصين، باعتباره نهوضاً تكنولوجياً واقتصادياً وسياسياً متكاملاً يتحدى المعايير التي أرستها المؤسسات الأمريكية، يعيد تشكيل أولويات الأمن القومي، ويجبر كلاً من الديمقراطيين والجمهوريين على إعادة تعريف استراتيجياتهم للتأقلم مع واقع الحرب الباردة الجديدة. هيكلية النفوذ: بين مجلس الأمن القومي والـ CIA تعتمد الاستراتيجية السياسية في واشنطن على تراتبية مؤسسية صارمة. يبرز في ص...

تنافس الجيوستراتيجيا واستعادة الفناء الخلفي: قراءة تحليليّة في أبعاد قمة زاغرب وحسابات بروكسل في غرب البلقان

تكشف التحركات الأخيرة للاتحاد الأوروبي عن إعادة ترتيب حازمة لأولوياته الجيوسياسية، وهي صحوة متأخرة لكنها ضرورية لوقف التآكل المستمر لنفوذه في مجاله الحيوي المباشر. يظهر هذا التحول بوضوح في محطتين أساسيتين: إعادة هيكلة الأدوات المالية والتنظيمية للتكتل الأوروبي، والتسارع اللافت نحو فتح قنوات الدعم والإدماج لدول غرب البلقان الست (صربيا، كوسوفو، الجبل الأسود، ألبانيا، البوسنة والهرسك، وشمال مقدونيا). أولاً: واقعية تنشيط الأدوات المؤسسية والمراجعات الفنية في إطار تعزيز بروكسل لمرونة سوقها المالية والحد من الاحتكاكات الدبلوماسية مع الشركاء الدوليين، برزت مراجعة القائمة الأوروبية المتعلقة بالدول ذات القصور المالي ومخاطر غسل الأموال. شهدت الفترة الماضية تعديلات جوهرية على المسودة التي أُعدت في أواخر عهد المفوضية السابقة برئاسة جان كلود يونكر. مع قيادة أورسولا فون دير لاين للمفوضية، تحركت بروكسل نحو ضبط معايير تصنيف الدول عالية المخاطر. شمل التقييم استبعاد دول شهدت أطرها القانونية والمالية تحسينات ملموسة، كالمملكة العربية السعودية التي تتولى قيادة مجموعة العشرين، حيث طُبقت منهجية فنية دقيقة تت...

مؤتمر ميونخ الأمني من أين إلى أين؟

مؤتمر ميونخ الأمني: هل تحولت "دبلوماسية الغرف المغلقة" إلى منصة للاستعراض الجيوسياسي؟ في كل عام مع منتصف فبراير/شباط، تتجه أنظار صانعي القرار والاستراتيجيين في العواصم الغربية إلى فندق "بايرشير هوف" العريق في مدينة ميونخ البافارية. يُطرح هذا التجمع الدولي العريض تحت عنوان "دبلوماسية الحوار غير الرسمي"، لكن القراءة المتأنية في بنيته التاريخية والجيوسياسية تحيلنا إلى تساؤل بنيوي مغاير: هل لا يزال مؤتمر ميونخ للأمن يؤدي وظيفته الأصلية كمختبر لرسم الحلول الأمنيّة المستدامة، أم أنه استحال مجرد "مسرح سياسي" لتأكيد الانقسامات وإلقاء الخطابات الاستعراضية؟ البنية التأسيسية: من العقلية الأطلسية الصلبة إلى التفكك الدبلوماسي حين أسس الناشر الألماني إفالد فون كلايست - أحد رجال المقاومة الألمانية السابقة ضد النظام النازي - هذا المحفل عام 1963 تحت اسم "اللقاء الدولي لعلوم الدفاع" (Internationale Wehrkunde-Begegnung)، لم يكن الهدف إنشاء منصة خطابية برعامة إعلامية. بل كان المحرك عقلانية ألمانية برجماتية نابعة من تركة الحرب العالمية الثانية: بناء مساحة م...

رأسمالية الأزمات: هندسة الصدمة وتوازنات القوة العالمية

تشكل الأزمات الدولية المفاصل الأكثر خطورة ووضوحاً في إعادة تشكيل خرائط النفوذ وتوزيع الثروات. ما أطلقت عليه الباحثة الكندية نايومي كلاين مصطلح «رأسمالية الصدمة» أو «رأسمالية الأزمات» يمثل إطاراً تحليلياً لاستغلال الاضطرابات الجسيمة—سواء كانت سياسية، اقتصادية، أو كوارث طبيعية—لفرض تحولات بنيوية وتمرير أجندات قد يكون من الصعب إقراره في الظروف الاعتيادية. لكنّ الفهم الدقيق لهذا المفهوم يتطلب تفكيكاً بنيوياً وتجريداً من العاطفة الأيديولوجية؛ فالرأسمالية المشار إليها في هذا السياق لا تعبر حصراً عن النظام الاقتصادي الحر بآلياته السوقية التقليدية، بل تتشابك تقاطعياً مع أنظمة سياسية واقتصادية متعدّدة، بما فيها الاشتراكات الحكومية والديمقراطيات الاجتماعية، حين تقتضي المصالح الاستراتيجية ذلك. أولاً: ديناميكية الأزمات بين "المصنَّع" و"الطارئ" يمكن تصنيف الأزمات محركاً للتحول البنيوي ضمن فئتين رئيسيتين:  * الأزمات البنيوية (المصطنعة أو الموجهة):    تنشأ هذه الأزمات نتيجة تفاعلات داخلية معقدة وتشبع في تناقضات العقد الاجتماعي المحلي. لا يمكن للاعتداء أو التدخل الخارجي خلق أزمة من...

اللغة والمناورة الاستراتيجية: قراءة في الموزاييك الفرانكو-ألماني ومستقبل الناتو

تقتضي الواقعية السياسية عند تفكيك السلوك الأوربي في لحظات التحول الدولي تجاوز القراءات الانطباعية التي تقف عند حدود التصريحات السطحية، والغوص عميقاً في ديناميكيات القوة وموازين المصالح. تجلى هذا بوضوح عقب التصريح الشهير للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقابلته مع مجلة "الإيكونوميست" حول "الموت الدماغي" لحلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ حيث صدم الإطار التقليدي للعلاقات العابرة للأطلسي، معلناً بداية رحلة البحث عن "المستقل الاستراتيجي الأوربي" في بيئة دولية تتسم بالتحول المتسارع نحو التعددية القطبية. الشرخ الظاهري والمصالح المتكاملة: بين العصا والجزرة يتعامل الكثير من المحللين مع المواقف الصادرة من باريس وبرلين باعتبارها تبايناً جوهرياً يعكس عجزاً عن التوافق، إلا أن الفحص البنيوي لسياسات المحور الفرانكو-ألماني يظهر توزيعاً أدوار متقناً يتأرجح بين "العصا الفرنسية" و"الجزرة الألمانية". فبينما يندفع ماكرون بطموح نابع من الإرث الديجولي لإعادة صياغة الأمن الأوربي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، تمارس برلين هدوءاً استراتيجياً يحفظ خطوط التواصل مع كافة ا...

الاتكال على حمارك أفضل من الاتكال على حصان جارك ...

أزمة الحلف المترهل: هل تشهد السياسة الأوروبية بداية الانفصال الاستراتيجي عن واشنطن؟ مقدمة: تشخيص الحالة الاستراتيجية في المثل الشعبي القديم قيل: "الاتكال على حمارك أفضل من الاتكال على حصان جارك"؛ حكم مكثفة تلخص فلسفة الاعتماد على الذات وتقديم الموارد الذاتية وإن كانت متواضعة على الرهان على قوة خارجية قد تتخلى عنك في لحظة حاسمة. ينطبق هذا المنطق تماماً على واقع الأمن الأوروبي المعاصر؛ ففي مقابلة تاريخية مدوية مع مجلة الإيكونوميست (The Economist)، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصفه المباشر لـ "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) بأنه يعاني من حالة "موت دماغي" (Brain Death). لم يكن تصريح ماكرون مجرد زلة لسان سياسية أو انفعال عابر، بل جاء تجسيداً لإدراك عميق بخطورة ارتهان القرار الأوروبي لمظلة أمنية أمريكية أضحت مشوبة بالتقلب والضبابية، لا سيما في ظل التطورات المتسارعة المتصلة بالسلوك التركي في شمال سوريا والتخفيض التدريجي للالتزام الأمريكي المباشر. برلين وباريس: مناورة أدوار أم تصادُم رؤى؟ بالتوازي مع التصريحات الفرنسية الحادة من قلب العاصمة الصينية بكين، شهدت ا...

في فلك المحرمات!!! ...

في تسعينيات القرن الماضي، أطلق المعلق الرياضي التونسي عصام الشوالي عبارته الشهيرة: "لا تكلم العرب أكثر مما يتحملون.. دعهم يحللون، دعهم غارقون". وبينما قيلت هذه الجملة في سياق الرياضة والموهبة الاستثنائية، فإنها تفرض نفسها بقوة كعدسة تحليليّة لمشاهد السياسة الشرق أوسطية، حيث تُمارَس "لعبة الأمم" بأساليب تعتمد على المناورة التكتيكية وتوظيف الهشاشة البنيوية للإقليم. في خريف عام 2019، وفي خضم الحديث عن صياغة اللجنة الدستورية السورية، برزت تقاطعات معقدة توهم بانتصار نظري لتحالف مصلحي براغماتي بين أنقرة وطهران وموسكو، على حساب المحور الغربي التقليدي. غير أن النظرة التحليلية المتعمقة للخطوات السياسية والعسكرية تظهر أن هذه التفاهمات ليست سوى هشاشة استراتيجية حتمية، تقود المشهد نحو معادلات صفرية. إعادة التموضع الأمريكي: تفكيك تكتيك ترامب عند فحص قرار الإدارة الأمريكية بإعادة تحريك قواتها شمال شرق سوريا، يتضح أنه لم يكن انسحاباً كلياً أو هزيمة استراتيجية للشركاء المحليين، بل خطوة تموضع تكتيكي محتسبة. تسعى واشنطن من خلال هذا التكتيك إلى تقليل الكلفة المباشرة مع الحفاظ على المق...

تقاطع المصالح والتحالفات الهشة: كيف تفاعلت الجيوستراتيجية التركية والإيرانية في الشرق الأوسط؟

تستدعي تحركات القوى الإقليمية في الشرق الأوسط تحليلاً دقيقاً لآليات صناعة القرار وللحدود الفاصلة بين الحسابات الأيديولوجية والمصالح الجيوسياسية المباشرة. بالنظر إلى المشهد السياسي الإقليمي، يتجلى سلوك كل من أنقرة وتلافيها العقبات، إلى جانب طهران وتمددها الناعم والصلب، كنموذج صارخ للمناورة بين المحاور الدولية الكبرى (واشنطن وموسكو). غير أن هذه المناورة، وفي حين أنها قد تُحقّق مكاسب مرحلية، غالباً ما تصطدم بواقع المعادلات الهيكلية للإقليم، ما يُبرز الحدود الفاصلة بين الإدارة التكتيكية للحكم وحصافة القيادة الاستراتيجية للدول. أولاً: التوازن الحرِج بين واشنطن وموسكو تُظهر تجربة القيادة التركية محاولة مستمرة للعب على التناقضات بين واشنطن وموسكو. فقد هدفت أنقرة من الشراء المثير للجدل لمنظومة الدفاع الجوي الروسية (S-400) إلى تعزيز هامش استقلاليتها الاستراتيجية عن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن هذه الخطوة فرضت عليها قيوداً غير مسبوقة؛ إذ أدت مباشرة إلى استبعادها من برنامج المقاتلات الشبحية (F-35) وفرض عقوبات أمريكية بموجب قانون (CAATSA). في الوقت ذاته، لم يضمن هذا الاقتراب من موسكو مظلة أما...

مكالمة غير متوقعة وثقة عمياء والدائرة تدور ...

تستدعي سياقات التاريخ السياسي الأمريكي، وتحديداً عند محطات التوتر الهيكلي بين السلطتين التنفيذية التشريعية، منهجية تحليلية صارمة تجرد الأحداث من الانفعال الحزبي اللحظي وتفكك المحركات المؤسسية العميقة. إن قرار مجلس النواب الأمريكي بفتح تحقيق رسمي لمعزولية الرئيس دونالد ترامب، على خلفية التسريبات المتعلقة بمكالمته الهاتفية مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لا يمثل مجرد حلقة جديدة في مسلسل الصراع الحزبي، بل يعكس أزمة بنيوية تدور حول حدود السلطة الرئاسية في السياسة الخارجية والتفسير المفتوح لمفهوم "الجرائم والجنح الكبرى" في الدستور الأمريكي. البنية الدستورية ومسألة السوابق التاريخية لتفكيك المشهد الراهن بأسلوب ينشد التجرد المؤسسي، يجب العودة أولاً إلى النص الدستوري وآليات إعماله. يمنح الدستور الأمريكي لمجلس النواب السلطة الحصرية للاتهام (الإقالة/العزل)، بينما يخص مجلس الشيوخ بصلاحية المحاكمة التي تتطلب أغلبية الثلثين للإدانة والعزل (المادة الأولى، القسم الثاني والثالث). حدد المشرع الأجنبي أسباب المساءلة بـ "الخيانة أو الرشوة أو غيرها من الجرائم والجنح الكبرى" (الما...

مفترق الطرق في واشنطن: هل يجرؤ ترمب على عقد صفقته الكبرى مع طهران؟

تمر السياسة الخارجية الأمريكية بمرحلة حاسمة مع تسارع الأحداث في إدارة الرئيس دونالد ترمب. بين الضغوط الاقتصاديّة المتصاعدة على إيران وحسابات الانتخابات الرئاسية القادمة، يبرز التساؤل المحوري الذي يشغل أروقة التفكير في واشنطن والعواصم القرار: هل يتحول استعراض القوة وإعادة رسم خرائط النفوذ إلى الدبلوماسية المباشرة؟ وهل يمكن لترمب أن يجلس مع الرئيس الإيراني حسن روحانی ليعقد ما يعتقده "صفقة القرن" الإقليمية؟ أولاً: بولتون والبيت الأبيض.. صراع الأيديولوجيا والبراغماتية لكي نفهم تعقيدات الموقف الراهن، ينبغي البدء من ديناميكية القرار داخل البيض الأبيض. إن تعيين جون بولتون في منصب مستشار الأمن القومي لم يكن نتاج تماثل أيديولوجي بينه وبين الرئيس، بل اقتضته توافقات تكتيكية مع جناح المحافظين التقليديين في الحزب الجمهوري. ترمب في جوهره رجل صفقات اقتصادية براغماتي، يبحث عن تقليل الإنفاق الخارجي وخفض التزامات واشنطن المباشرة، في حين يمثل بولتون مدرسة "المحافظين الجدد" الداعية للتفوق المطلق وفرض السيادة بالقوة، وهو ما تجلى تاريخياً في أروقة الإدارة الأمريكية منذ حقبة بوش الابن. لق...

ديموس كراتوس!!! (الديمقراطية جزء من النص مفقود) ...

معضلة النسبية الديمقراطية: من الفلسفة الأثينية إلى صدام المؤسسات في واشنطن تخضع الديمقراطية لمعركة مفاهيمية دائمة لا تتعلق فقط بكيفية ممارستها، بل بمدى صمود صيغتها أمام التيارات الشعبوية وتغيرات المشهد الجيوسياسي الدولي. يبدو التشبيه الاجتماعي للديمقراطية بـ "الملابس" مقاربة تحليليّة تبرز طابعها الوظيفي والتطوري؛ فمنذ أن اختار الإنسان الأولي سترة بذور الأشجار لتقيه تقلبات البيئة، لم تكن تلك السترة نهاية المطاف، بل بداية لمسار طويل من التكيف والتطوير. على عكس الأنظمة الاستبدادية التي تقدم "سلاسة ظاهريّة" وسرعة في اتخاذ القرار يشبهان العودة للعرائية البدائية—حيث لا تكلفة مؤسسية ولا حاجة للتفاوض—تظل الديمقراطية نظاماً متطلباً، بطيئاً، ومكلفاً إجرائياً، لكنه الأقدر على حماية الفرد وضمان الاستقرار المستدام. أولاً: أصل المفهوم وهشاشة البناء البرلماني تتحدر الكلمة من الأصل اليوناني Dēmokratía، المكون من Dēmos (الشعب) وKratos (السلطة أو الحكم). ورغم مرور آلاف السنين على التجربة الأثينية، لا يوجد تعريف موجز يحظى بإجماع مطلق. يعود ذلك إلى أن الديمقراطية ليست قالبًا صلبًا جامد...

مأزق الرئاسة التركية في الصراع الجيوسياسي الإقليمي: قراءة تحليليّة في الهشاشة الهيكلية والمناورة الحدودية

تتداخل التطورات الجيوستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط لتعكس أزمة عميقة في صلب صياغة القرار السياسي لدى أنقرة. وبينما تصر الإدارة التركية تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان على الانشغال بقضايا ذات طابع أيديولوجي وسياسي إقليمي، مثل قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي أو التضامن مع تيار الإسلام السياسي المتمثل في تجربة محمد مرسي في مصر، تأتي مسألة الدفاع والتسليح—وعلى رأسها إصرار أنقرة على تسلم منظومة الدفاع الجوي الروسية "S-400"—لتضع الدولة التركية في مواجهة مباشرة مع حلفائها التقليديين في الغرب. يقف الاقتصاد التركي اليوم أمام اختبار حقيقي مع استعداد مؤسسات صنع القرار في واشنطن—عبر البيت الأبيض، والكونغرس بمجلسيه، والدوائر الاستخباراتية والأمنية—لفرض حزمة من العقوبات الاقتصادية المشددة تحت مظلة قانون "قمع أداء أعداء أمريكا من خلال العقوبات" (CAATSA). ووفقاً للتقارير الواردة عن وكالة "بلومبيرغ"، فإن واشنطن تدرس خيارات عقابية صممت لتستهدف قطاع الدفاع التركي بشكل يحرم الشركات المحلية من المنظومة المالية الأمريكية ومكونات التكنولوجيا الغربية. وتكمن رمزية هذا التحرك في أنه...

زيف الشعارات الجيوسياسية: من فخ "إسقاط الاستبداد" إلى صراع النفوذ التقني والجيواستراتيجي

تتكشف التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط عن مفارقة تحكم سلوك القوى الكبرى والإقليمية: استخدام الخطاب القائم على "نشر الديمقراطية" و"دعم الحريات" كأداة أيديولوجية لتغليف استراتيجيات إخضاع الدول وتفكيك بناها التحتية. إن قراءة السلوك الغربي، والإسرائيلي تحديداً، في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط تشير إلى عدم وجود معيار قيمي ثوابتي؛ بل آليات براغماتية توظف التحالفات والتصعيدات لخدمة التوازن الاستراتيجي واستدامة النفوذ. أولاً: انفلات السيطرة المعلوماتية وبداية صياغة النظام العالمي الثالث شهدت ثمانينيات القرن الماضي تحولاً استراتيجياً في صياغة مفهوم القوة. لم تعد القوة الصلبة المحتكرة لدى واشنطن وحلفائها التقليديين كافية للسيطرة على تدفق المعلومات وتكنولوجيا تشفير البيانات. ومع إدراك القوى الأوروبية لمحدودية قدراتها التقنية المستقلة مقارنة بالهيمنة الأمريكية، نشطت شبكات الاستخبارات السيبرانية لموازنة هذا الخلل. في هذا السياق، لم تعكس ظاهرة تسريبات التكنولوجيا الحديثة وشخصيات مثل مؤسس "ويكيليكس" جوليان أسانج مجرد حالة نضال صحفي، بل كشفت تحولاً في هيكلية النفوذ ا...

من بان (on) لبان (off) هكذا عنونت بروكسيل قمتها الدقيقة في وقت حرج ...

من بان (On) لبان (Off)، معادلة معقدة اختزلت المشهد الجيوسياسي في قمة بروكسل الطارئة، حيث تحولت العاصمة البلجيكية إلى مركز ثقل لإدارة أزمات متقاطعة تتصادم فيها الحسابات العبرية والأطلسية مع المفهوم الأوروبي للاستقلالية الاستراتيجية.  لم يكن جدول الأعمال المزدحم سوى انعكاس لتصدعات بنيوية أعمق؛ ففي الوقت الذي تشهد فيه لندن مخاضاً عسيراً لتمرير اتفاق الخروج برئاسة تيريزا ماي وسط تعنت البرلمان ومعارضة حزب العمال، كانت دوائر صنع القرار في القارة تتأهب لاستحقاقات الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي تسلمت برلين دفعتها الرئيسية على وقع تحولات سياسية فارقة. تمثلت هذه التحولات في إعلان أنجيلا ميركل تخليها عن قيادة الحزب الديمقراطي المسيحي لصالح أنغريت كارنباور، في تروس انتقال هادئ للسلطة واكبته صياغة باريس وبرلين لرؤية موحدة حيال أدوات الردع المشتركة، لا سيما فيما يتعلق بضبط إيقاع الفيتو الفرنسي وتوسيع نطاق التنسيق خارج حدود منطقة اليورو. على خط موازٍ، غاب عن التغطية الإعلامية السائدة في واشنطن ولندن الدلالات العميقة لتصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون بشأن الجاهزية لإبرام صفقة ...