تنافس الجيوستراتيجيا واستعادة الفناء الخلفي: قراءة تحليليّة في أبعاد قمة زاغرب وحسابات بروكسل في غرب البلقان
تكشف التحركات الأخيرة للاتحاد الأوروبي عن إعادة ترتيب حازمة لأولوياته الجيوسياسية، وهي صحوة متأخرة لكنها ضرورية لوقف التآكل المستمر لنفوذه في مجاله الحيوي المباشر. يظهر هذا التحول بوضوح في محطتين أساسيتين: إعادة هيكلة الأدوات المالية والتنظيمية للتكتل الأوروبي، والتسارع اللافت نحو فتح قنوات الدعم والإدماج لدول غرب البلقان الست (صربيا، كوسوفو، الجبل الأسود، ألبانيا، البوسنة والهرسك، وشمال مقدونيا).
أولاً: واقعية تنشيط الأدوات المؤسسية والمراجعات الفنية
في إطار تعزيز بروكسل لمرونة سوقها المالية والحد من الاحتكاكات الدبلوماسية مع الشركاء الدوليين، برزت مراجعة القائمة الأوروبية المتعلقة بالدول ذات القصور المالي ومخاطر غسل الأموال. شهدت الفترة الماضية تعديلات جوهرية على المسودة التي أُعدت في أواخر عهد المفوضية السابقة برئاسة جان كلود يونكر.
مع قيادة أورسولا فون دير لاين للمفوضية، تحركت بروكسل نحو ضبط معايير تصنيف الدول عالية المخاطر. شمل التقييم استبعاد دول شهدت أطرها القانونية والمالية تحسينات ملموسة، كالمملكة العربية السعودية التي تتولى قيادة مجموعة العشرين، حيث طُبقت منهجية فنية دقيقة تتوافق مع معايير مجموعة العمل المالي (FATF) للتأكد من نجاعة التعديلات التشريعية وشفافية الأنظمة المصرفية. في المقابل، أبقت القائمة المعمول بها على إدراج بلدان تشهد هشاشة هيكلية مستمرة أو مخاطر عالية في نُظمها المالية مثل العراق، يمن، سوريا، إيران، وكوريا الشمالية. هذا التعديل يبرهن على رغبة المفوضية الجديدة في فصل الملفات التنظيمية عن الضغوط السياسية وتغليب الأدوات القانونية الموحدة.
ثانياً: قمة زاغرب وديناميات "دبلوماسية الجائحة"
لم تكن قمة زاغرب مجرد استجابة إنسانية طارئة لتبعات جائحة كوفيد-19، بل مثلت مناورة جيوسياسية محسوبة. ضخ الاتحاد الأوروبي حزمة دعم مالي وتنموي تجاوزت 3.3 مليار يورو مخصصة لبلدان البلقان الستة. جاء هذا التحرك السريع للرد على الخطاب الشعبوي الذي انتشر في بعض عواصم المنطقة — وعلى رأسها بلغراد — والذي حاول تصوير أوروبا العجوز في مظهر العاجز مقارنة بالمساعدات الاستعراضية التي قدمتها بكين وموسكو.
استدعى هذا الاستعراض الاقتصادي لبروكسل مراجعة سريعة للمواقف السياسية في المنطقة؛ حيث اضطرت القيادة الصربية لتعديل نبرتها النقدية والتراجع عن التصريحات الهجومية ضد المؤسسات الأوروبية. أظهرت بروكسل أن قدرتها على تقديم الدعم الهيكلي والمستدام تتجاوز بفارق شاسع الحملات الإعلامية المحدودة للقوى المنافسة.
ثالثاً: ملء الفراغ الجيوسياسي وانكفاء النفوذ الإقليمي
تأتي هذه الاستعادة الأوروبية في البلقان نتيجة إدراك متأخر لحجم المخاطر الناجمة عن سياسة الانكفاء التي اتبعتها واشنطن وبروكسل لسنوات. فمنذ عام 2012، أدّى الانشغال الأورو-أمريكي بملفات الشرق الأوسط والأزمة الأوكرانية إلى نشوء فراغ سياسي وأمني في شبه الجزيرة البلقانية.
استفادت أنقرة لفترة طويلة من هذا الفراغ عبر توظيف أدوات "القوة الناعمة" والتمدد المؤسسي والثقافي. غير أن التطورات الأخيرة كشفت عن حدود هذا التمدد؛ فالمصاعب الاقتصادية الهيكلية التي واجهها الاقتصاد التركي منذ أزمة العملة عام 2018، إلى جانب الانخراط المفرط في صراعات استنزافية متعددة الجبهات في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، أدت إلى تراجع قدرة أنقرة على تقديم بديل تنموي حقيقي لدول المنطقة. هذا الانكفاء الميداني فتح الباب أمام صعود أكثر راديكالية ومباشرة للنفوذين الصيني والروسي عبر استثمارات البنية التحتية وضغوط الطاقة، وهو ما صنفته بروكسل كتهديد مباشر لأمنها القومي.
رابعاً: البلقان في معادلة التنافس بين القوى الكبرى
تُمثل دول البلقان الست العقدة الاستراتيجية التي تربط وسط أوروبا بشرقها وجنوبها. تعتمد الرؤية الأوروبية الحديثة على إعادة دمج هذه المنطقة ضمن المنظومة الأمنية والاقتصادية للاتحاد، ليس فقط عبر الوعود المؤجلة بالانضمام، بل من خلال:
* الربط الاقتصادي والتنموي: ربط المنطقة بأسواق الاتحاد الأوروبي عبر خطة استثمارية طويلة المدى تُقلل من الاعتماد على القروض الصينية كثيفة المخاطر.
* الالتزام بالمعايير المؤسسية: اشتراط تطبيق إصلاحات هيكلية صارمة تشمل سيادة القانون، وتحديث النظم الاقتصادية، ومكافحة الفساد، كشرط أساسي للاستفادة من أطر منطقة "شنغن" والتكامل الاقتصادي.
* تحصين الأمن الإقليمي: قطع الطريق أمام الاستقطاب الأيديولوجي أو التجييش الشعبوي الذي يستغل الهويات الدينية أو القومية للضغط على الاستقرار العلماني والشفاف للمؤسسات المحلية.
تشير تحركات بروكسل الأخيرة إلى إدراك عميق بأن الفناء الخلفي لأوروبا لم يعد يحتمل الإهمال الممتد. إن نجاح الاتحاد الأوروبي في صياغة استراتيجية احتواء متماسكة في البلقان لن يتحدد فقط بحجم المساعدات المالية، بل بقدرته على توفير نموذج تنموي وسياسي قادر على منافسة النفوذ الخارجي، وفرض معايير الحوكمة الشفافة على دول المنطقة.
Comments
Post a Comment