قيصر المستشارية في حالة طوارئ دائمة: نكهة بسمارك الجديدة ومأزق التوازنات الاقتصادي...
يعود القارئ لتاريخ المستشارية الألمانية فيستنتج بسرعة حقيقة سياسية ثابتة: لم تكن هذه المؤسسة، منذ إرساء دعائمها في عهد الرايخ الثاني، مجرد مقعد تنفيذي لإدارة الشؤون اليومية، بل مختبرًا عالي الحساسية للهندسة الجيوسياسية والتوازنات الاقتصادية الدقيقة. كانت إدارة أوتو فون بسمارك النموذج التأسيسي لسياسة "استباق الأحداث"؛ حيث أُديرت الدولة العظمى بمنطق إدارة المخاطر المستمرة وموازنة القوى العظمى لتفادي صدام شامل يهدد وجود الإمبراطورية الفتية.
يتجلى مغزى التاريخ الألماني الحديث في أن الخطأ الإستراتيجي في شغل هذا المقعد لم يكن يقود إلى مجرد كبوة سياسية حليفة، بل إلى كوارث تمتد شظاياها عالميًا، كما حدث عند انهيار نظام التوازنات المعقد عقب عزل بسمارك، وصولًا إلى الحقبة المظلمة صعودًا ونزولًا مع أدولف هتلر. واليوم، تقف ألمانيا أمام اختبار بنيوي جديد بقيادة المستشارة أنغيلا ميركل ووزير ماليتها أولاف شولتس؛ اختبار فرضته جائحة كورونا المستجد (كوفيد-19)، ليطرح السؤال الإستراتيجي: هل تصمد أدوات "الضبط والادخار" التقليدية التي أنقذت البلاد في أزمة 2008 الاقتصادية أمام معطيات الأزمة الحالية؟
العقيدة الميركلية: البراغماتية الوسطية وهندسة التوازنات
تعتمد إدارة المستشارة ميركل منذ وصولها إلى السلطة عقب انتخابات 2005 المعقدة ضد المستشار الاشتراكي الديمقراطي غيرهارد شرودر، على نهج الممارسة العلمية الصارمة، المطعمة ببراغماتية السياسي المحافظ الوسطي. خلفًا لأستاذها هيلموت كول، لم تنجرف ميركل نحو الأيديولوجيا الصلبة؛ بل بنت معادلة حكم تقوم على احتواء المحافظين دون إتاحة المجال لتمادي أجنحتهم اليمينية، ومسك زمام المبادرة عبر التوافق المستمر مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD).
يرتكز هذا النهج على استعادة ذكية لجوهر سياسة بسمارك: التهدئة الخارجية عبر العمل التعددي الأوروبي، وبناء حائط صد داخلي قائم على الاستقرار الاجتماعي والتدرج في الإصلاح. وظفت ميركل رؤيتها كوزيرة سابقة للأسرة لتشكيل شبكة أمان مجتمعي تُقلل من الاحتقان الطبقي وتدعم مناخ الاستثمار والأعمال.
عقيدة "الصفر الأسود": من كساد القرن التاسع عشر إلى أزمة 2008
تكمن القوة الهيكلية للاقتصاد الألماني في نموذج مالية عامة صارم يُعرف محليًا بـ "الصفر الأسود" (Schwarze Null)، وهو امتداد لثقافة ادخار مؤسسية تجد جذورها في تعامل ألمانيا مع أزمات الكساد في أواخر القرن التاسع عشر. تقوم هذه النظرية المالية على منع تراكم الديون السيادية والتحوط للمستقبل عبر تقييد الإنفاق في فترات النمو، لإنشاء المصدات المرجوة عند وقوع الصدمات.
برهنت هذه السياسة عن كفاءتها الإستراتيجية خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008؛ حيث سمحت الاحتياطيات النقدية والضوابط الصارمة لبرلين بالخروج بأقل الأضرار، وتوجيه حزم تحفيزية مستهدفة دون تقويض استقرار عملة اليورو أو كسر حدود الدين البنيوي.
ومع ذلك، أظهر التقييم النقدي لهذه السياسة وجهها الآخر؛ فبينما نجحت ألمانيا وبعض دول شمال أوروبا في تجاوز الأزمة بفضل هذه الصرامة، كان فرض نموذج التقشف المالي ذاته سببًا في تفاقم الأزمات الهيكلية في دول الجنوب الأوروبي كإسبانيا وإيطاليا واليونان، وحتى في إحداث ضغوط اقتصادية وسياسية في فرنسا. داخل ألمانيًا، خلقت هذه الصرامة ثغرات في الإنفاق على البنية التحتية والتحول الرقمي، ووفرت أرضية صالحة للصعود التدريجي للشعبوية اليمينية المتطرفة، وإن ظلت في ألمانيا أقل حدة مقارنة بجوارها الأوروبي.
إدارة جائحة كورونا: الأداء الفني ومصداقية الدولة
مع تفشي الجائحة، تجلت قدرة مؤسسات الدولة الألمانية على التحرك الهادئ بعيدًا عن الصخب السياسي:
* إدارة الأزمات والجاهزية: أدارت الحكومة ملف العودة الوطنية بفاعلية شملت إجلاء أكثر من 220 ألف مواطن عبر الخطوط الرسمية، مع الامتناع عن توظيف ذلك في دعاية سياسية، انطلاقًا من مفهوم "الواجب المؤسسي".
* المنحنى الطبي والتعافي: أظهرت البيانات الطبية والأكاديمية دقة المنظومة الصحية الألمانية؛ حيث سجلت البلاد معدلات تعافٍ مرتفعة ومعدلات وفيات تُعد بين الأقل مقارنة بالدول الكبرى المجاورة.
* المرونة المالية: استغل الشريكين في التحالف الحاكم (ميركل وشولتس) المصدات المالية المتراكمة لإطلاق حزم دعم شملت تحمّل أجور العمالة لفترات قصيرة (Kurzarbeit) وتوفير سيولة مباشرة للشركات الصغرى والمتوسطة.
بين الإيجابيات والسلبيات: قراءة نقدية لمستقبل المشهد السياسي
رغم النجاح التشغيلي في احتواء الصدمة الأولى للجائحة، ترتسم عدة تساؤلات إستراتيجية حول المستقبل السياسي والاقتصادي لألمانيا:
* كلفة النموذج التقليدي: تبيّن أن الاعتماد المفرط على نمو قائم على الصادرات وعلى الضبط المالي الصارم حدّ من السرعة المطلوبة في التحول الرقمي للقطاعات الحكومية والتعليمية مقارنة ببعض القوى الاقتصادية الآسيوية والأمريكية.
* صيغة التوافق وشكل الانتخابات القادمة: طرحت الأزمة تساؤلاً حول مدى قدرة نمط "ائتلاف الأحزاب الكبرى" (CDU/CSU وSPD) على الصمود. فبينما عززت الأزمة ثقة الجمهور بالنخب التكنوقراطية الحاكمة ورفعت شعبية ميركل وشولتس، إلا أن الاستمرار في سياسة التوافق الوسطي قد يفرغ المنافسة السياسية من محتواها، مما يدفع الناخبين نحو الأطراف الراديكالية إذا ما طالت التبعات الاقتصادية للأزمة.
* الدور القيادي في أوروبا: تضع الأزمة ألمانيا أمام مسؤولية أخلاقية واقتصادية؛ إذ لن يكون بمقدور الاقتصاد الألماني التعافي بمعزل عن سلامة السوق الأوروبية الموحدة. وهذا يعيد طرح الفرضية البسماركية بصيغة حديثة: هل تتجه برلين نحو إعادة تشكيل الآليات المالية الأوروبية بأسلوب أكثر مرونة، أم تتمسك بقواعد التقشف الكلاسيكية؟
إن تجربة ألمانيا الحالية تؤكد أن "قيصر المستشارية" يعيش حالة طوارئ هيكلية مستمرة، تتطلب موازنة دقيقة بين الانضباط المالي الذي يحمي الدولة، والوفاء بالالتزامات الاجتماعية والاقتصادية للداخل والجوار الأوروبي. وسوف تكشف الاستحقاقات السياسية القادمة ما إذا كانت هذه الخلطة من الليبرالية المحافظة والاشتراكية الوسطية قادرة على تجديد نفسها، أم أن الجائحة ستفرض إعادة صياغة جذرية للمشهد الحزبي الألماني.
Comments
Post a Comment