تقاطع الأيديولوجيا والبراغماتية: قراءة تحليليّة في مسارات التلاقي بين الإسلام السياسي والإسلام الثوري الإيراني

تشكّل العلاقات المتداخلة بين حركات الإسلام السياسي السنّية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وبين مشروع "الثورة الإسلامية" الإيراني، واحدة من أكثر الظواهر الجيو-سياسية تعقيدًا في الشرق الأوسط الحديث. فبعيدًا عن الخطاب الانقسامي والتعبئة الطائفية التي تطفو على السطح، تكشف القراءة الفاحصة لآليات عمل هذه التنظيمات عن مساحات تقاطع أيديولوجي وبنيوي تجاوزت الهويات الفرعية لصالح هدف مشترك: بناء نموذج يناهض الدولة الوطنية الحديثة وإحلال مفهوم "الحاكمية" ومؤسسات الدولة العقائدية بديلًا عنها.
التأسيس الفكري: جذور التأثر المتبادل
لم تكن العلاقات بين التيارات الراديكالية عبر المذاهب وليدة لحظة خاطفة، بل جاءت نتيجة لتراكم فكري امتد لعقود. تشير المراجعات التاريخية إلى أن أولى نقاط التماس بين التنظيمات الإسلامية في مصر والدوائر الشيعية الراديكالية تبلورت في منتصف القرن الماضي. حيث زار نواب صفوي، مؤسس حركة "فدائيان إسلام" المقربة فكريًا من روح الله الخميني، القاهرة في خمسينيات القرن الماضي (تحديدًا عام 1954 بدعوة من سكرتارية هيئة التحرير والإخوان، وليس في عام 1945)، وهي الزيارة التي التقى فيها بالشاعرة والمفكر سيد قطب، تاركة أثرًا واضحًا في الأدبيات المتبادلة حول مفهوم التنظيم والعمل السياسي الاحتجاجي.
في المقابل، تمثلت المحاولة السياسية الأبرز للإخوان في تأسيس "جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية" بالقاهرة عام 1947 بمشاركة علماء من الأزهر ومراجع من الإمامية كالميرزا محمد تقي القمي. ورغم أن المبادرة طرحت في ظاهرها أبعادًا تقريبية ومرونة مذهبية، إلا أنها أسست لمسار استغلته الأيديولوجيات الراديكالية فيما بعد لتمرير أجندات الحشد السياسي وتجاوز العوائق الفقهية التقليية.
ثورة 1979: من التنظير إلى النموذج الإجرائي
مثّل اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 نقطة تحول محورية لجماعات الإسلام السياسي. فقد قدمت طهران أول نموذج نجاح لتيار إسلامي في الإطاحة بدولة مدنية ومؤسساتها، واستبدالها بنظام "ولاية الفقيه". سارعت جماعة الإخوان المسلمين إلى مباركة الثورة، ليس فقط من منظور التضامن السياسي، بل باعتبارها إثباتًا عمليًا لإمكانية إقامة "الدولة الإسلامية". وفي هذا السياق، صدرت أدبيات مشيدة بالحدث، كان أبرزها كتاب الكاتب الإخواني فتحي لاشين (المعروف بـ فتحي عبد العزيز) بعنوان "الخميني: الحل الإسلامي والبديل"، والذي عكس انبهار التيار الإخواني بالنموذج الإيراني وقدرته على التعبئة.
ولم تقف هذه العلاقة عند حدود الدعم النظري؛ فعقب اغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981 على يد تنظيم الجهاد المتأثر بالمنظومة الفكرية لسيد قطب ومفهوم "الحاكمية"، احتفت طهران بالعملية وخلدت اسم خالد الإسلامبولي بإطلاقه على أحد شارعها الرئيسية، في رسالة صريحة تُظهر تقدير النظام الإيراني لأي حركة تقوض ركائز الدولة الوطنية ومفهوم السيادة.
التأثير العكسي: قطب والمودودي في العقيدة الإيرانية
على الجانب الآخر، لم تكن طهران مجرد متلقٍ للدعم، بل امتصت الفكر الراديكالي السنّي وأدمجته في بنيتها التأسيسية. فقد ترجم علي خامنئي، المرشد الأعلى الحالي، أعمال سيد قطب إلى اللغة الفارسية (مثل "معالم في الطريق" و*"في ظلال القرآن"*)، مستلهمًا منها أفكار الحاكمية ورفض الجاهلية الحديثة. وتم دمج هذه الأدبيات لاحقًا ضمن المناهج الثقافية والتوجيه العقائدي لمؤسسة الحرس الثوري الإيراني.
كما امتد هذا التأثير إلى أدبيات أبو الأعلى المودودي، المفكر الباكستاني المؤسس للجماعة الإسلامية، والذي طور المفهوم الأيديولوجي لـ "الحاكمية الإلهية". شكلت أفكار المودودي وقطب المرجعية الفكرية العابرة للحدود التي استندت إليها طهران لتقديم نفسها كقائد لـ "الصحوة الإسلامية" العالمية، بغض النظر عن الاختلافات المذهبية.
المناورة البراغماتية: من الحرب العراقية-الإيرانية إلى حرب 2006
تجلت الحسابات البراغماتية للجماعات الإسلامية خلال المحطات الأزموية في المنطقة. فخلال الحرب العراقية-الإيرانية، اتخذت قيادات إخوانية موقفا محايدًا يميل إلى طهران، نقدًا للحكومات العربية المناهضة للثورة الإيرانية. وعند وفاة الخميني عام 1989، أصدرت الجماعة بيان تعزية رسمياً وصفته فيه بـ "فقيد الأمة"، في خطوة عكس مدى عمق التحالف السياسي المتجاوز للخلاف العقدي.
ومع تصاعد دور "حزب الله" في لبنان، أعلن المرشد العام للإخوان المسلمين، محمد مهدي عاكف، خلال حرب تموز 2006، دعمه المطلق للحزب واستعداده لتجنيد مقاتلين لدعمه. كما أعلن عاكف في مناسبات عدة تأييده للبرنامج النووي الإيراني، معتبرًا إياه قوة للمنطقة، وهو المسار الذي واصله خلفه محمد بديع عبر سياسات تدعم النفوذ الإقليمي لطهران تحت شعار "المقاومة".
محطة صعود الإخوان للحكم والتحول الإقليمي
شكل وصول ممثل جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، إلى الرئاسة في مصر عام 2012 اختبارًا حقيقيًا لطبيعة هذه العلاقات. سارعت إيران إلى الترحيب بالفوز، حيث ألقى خامنئي خطبة باللغة العربية اعتبر فيها التحولات الإقليمية امتدادًا للثورة الإيرانية عام 1979. وتوج هذا التقارب بزيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للقاهرة في فبراير 2013، وهي الأولى لرئيس إيراني منذ عقود، لتعكس رغبة الطرفين في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية على أسس أيديولوجية مشتركة.
وفي البعد الإعلامي، استمرت المؤسسات الإعلامية المحسوبة على محور طهران والداعمين له في الترويج لمشروع الإسلام السياسي، وصدرت قراءات إعلامية تُبرز قادة هذا المحور كرموز نضالية، كما ظهر في التغطيات الإعلامية للمشهد الإقليمي والتي منحت ألقابًا تبجيلية لشخصيات قيادية إيرانية كقاسم سليماني عقب مقتله.
تحليل نقدي: التوافق البنيوي والتعارض مع الدولة الحديثة
عند تحليل هذه الديناميكية بعقلية تفكيكية موضوعية، تبرز مكاسب وتحديات هذا التلاقي بين الطرفين:
 * نقاط التوافق والإيجابيات (من منظور الجماعات الأيديولوجية):
   * التكامل الوظيفي: وفرت طهران عمقًا جيوسياسيًا وماديًا للحركات السنّية الراديكالية، بينما وفرت تلك الحركات لطهران غطاءً جغرافيا ومذهبيًا يرفع عنها تهمة "الهيمنة الطائفية" ويقدم مشروعها كحركة إسلامية شاملة.
   * البنية الفكرية المشتركة: يعتمد الكيانان على تقويض مبدأ "دولة المواطنة" لصالح "الدولة العقائدية"، ويرتكزان على مبادئ الحاكمية والولاء الفكري المتجاوز للحدود الوطنية.
 * التناقضات والسلبيات (من منظور العلوم السياسية واستقرار الدول):
   * تغليب الأيديولوجيا على التنمية: أدى هذا التقارب إلى إضعاف بنيوية الدولة الوطنية المدنية، وتأخير مشاريع التحديث الاقتصادي والمؤسسي لصالح الصراعات الصفرية.
   * هشاشة التحالف البراغماتي: يسقط هذا التحالف فور تصادم المصالح الجيو-سياسية المباشرة، كما ظهر في الملف السوري، مما يثبت أن هذه العلاقات تُدار بمنطق الاستغلال المتبادل لا الصداقة الدائمة.
   * تقويض سيادة القانون: يكرس الاعتماد على الفاعلين من غير الدول (Non-State Actors) مفهوم الميليشيا والبناء الموازي، مما يهدد مفهوم الدولة الاحتكارية للسلاح والسلطة.
إن تتبع مسار العلاقات بين الإخوان المسلمين والنظام الإيراني يوضح أن الأيديولوجيا الراديكالية، عندما تلتقي مع غايات الوصول إلى السلطة، قادرة على القفز فوق الاختلافات الفقهية. وتبقى المحصلة النهائية لهذه التحالفات الحركية تمثّل تحديًا هيكليًا لأمن الاستقرار الإقليمي ومشاريع التحديث الليبرالي والسيادة الوطنية في الشرق الأوسط.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban