زيف الشعارات الجيوسياسية: من فخ "إسقاط الاستبداد" إلى صراع النفوذ التقني والجيواستراتيجي

تتكشف التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط عن مفارقة تحكم سلوك القوى الكبرى والإقليمية: استخدام الخطاب القائم على "نشر الديمقراطية" و"دعم الحريات" كأداة أيديولوجية لتغليف استراتيجيات إخضاع الدول وتفكيك بناها التحتية. إن قراءة السلوك الغربي، والإسرائيلي تحديداً، في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط تشير إلى عدم وجود معيار قيمي ثوابتي؛ بل آليات براغماتية توظف التحالفات والتصعيدات لخدمة التوازن الاستراتيجي واستدامة النفوذ.
أولاً: انفلات السيطرة المعلوماتية وبداية صياغة النظام العالمي الثالث
شهدت ثمانينيات القرن الماضي تحولاً استراتيجياً في صياغة مفهوم القوة. لم تعد القوة الصلبة المحتكرة لدى واشنطن وحلفائها التقليديين كافية للسيطرة على تدفق المعلومات وتكنولوجيا تشفير البيانات. ومع إدراك القوى الأوروبية لمحدودية قدراتها التقنية المستقلة مقارنة بالهيمنة الأمريكية، نشطت شبكات الاستخبارات السيبرانية لموازنة هذا الخلل.
في هذا السياق، لم تعكس ظاهرة تسريبات التكنولوجيا الحديثة وشخصيات مثل مؤسس "ويكيليكس" جوليان أسانج مجرد حالة نضال صحفي، بل كشفت تحولاً في هيكلية النفوذ العالمي نحو "النطاق الثالث" القائم على الاحتكار التقني والمعلوماتي. إن الصراع الحالي بين مراكز القوة لم يعد صراع حدود أو موارد تقليدية فحسب، بل صراعاً على البنية التحتية التكنولوجية التي تُدار من خلالها العمليات الاستخباراتية وتُصاغ بها الهندسة الاجتماعية للأمم.
ثانياً: توظيف "العدوان المزدوج" والاستثمار الاستراتيجي في الحركات الأيديولوجية
يُظهر التاريخ السياسي للشرق الأوسط قدرة الفاعلين الدوليين على إعادة تعريف أعدائهم وحلفائهم وفق مقتضيات المرحلة:
 * مرحلة الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988):
   رغم الخطاب المعلن المناهض لنظام طهران بعد عام 1979، كشفت ممارسات صانعي القرار في واشنطن وتل أبيب عن دعم لوجستي وعسكري غير مباشر لإيران في مواجهة العراق (فضائح "إيران-كونترا"). هدف هذا الدعم الاستراتيجي إلى استنزاف القوتين الإقليميتين في حرب متكافئة الصفرية، مستغلين في الوقت ذاته التباينات الإقليمية والدعم السوري لنظام طهران للحد من صعود بغداد.
 * صناعة واستنزاف "الجهاد الأفغاني":
   عقب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وتزامن ذلك مع أزمات الاتحاد السوفيتي، وظّفت الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون الحماس الأيديولوجي الشعبي في العالم العربي والإسلامي لمواجهة النفوذ السوفيتي في أفغانستان. غُذِّيت الشبكات الراديكالية بالدعم التمويلي والتعبوي. غير أن هذا الاستثمار الاستراتيجي تحول لاحقاً إلى الذريعة المباشرة لإعادة تفكيك البنى التحتية للدول العربية والإسلامية تحت شعار "الحرب على الإرهاب".
ثالثاً: غزو العراق 2003 وترسيخ استراتيجية "المصيدة"
شكلت الشهادات والضغوط السياسية التي مارسها قادة إسرائيل—وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو خلال شهادته الشهيرة أمام الكونغرس الأمريكي في سبتمبر 2002 وليس مجلس الأمن—الركيزة الأساسية لتسويق خطورة أسلحة الدمار الشامل العراقية. زعم نتنياهو حينها أن تفكيك نظام بغداد سيوفر استقراراً مطلقاً للمنطقة وسيدمر شبكات الإرهاب.
لكن نتاج هذا التدخل العسكري كشف عن حسابات كارثية:
 * تفكيك المؤسسات: بدلاً من بناء نموذج ديمقراطي، تم تدمير مؤسسات الدولة العراقية وتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لاستنزاف القوى الراديكالية وموطئ قدم للنفوذ الإيراني.
 * إعادة تموضع القوى: نسخت واشنطن وبغداد المعادلة السابقة عبر تقديم بغداد كـ "مصيدة" للقيادات الإرهابية، مما أدى لتقويض التوازن الديمغرافي والسياسي لصالح طهران.
رابعاً: هندسة "الربيع العربي" وتفكيك مفهوم الدولة الوطنية
أثبتت تحولات العقد الماضي أن التذرع بشعارات الحريات وتغيير الأنظمة الدكتاتورية لم يكن سوى غطاء لتدمير البنى التحتية للدول الوطنية وإغراقها في نزاعات أهلية وأيديولوجية. ويظهر هذا الانكشاف الاستراتيجي بوضوح عند تتبع مآلات نماذج مركزية في المنطقة:
ففي العراق، أدى غزو عام 2003 إلى تفكيك مؤسسات الدولة الوطنية وإيجاد حالة من الفراغ الأمني والاختراق الجيوسياسي الدائم. أما في سوريا، فقد تحول المشهد إلى ساحة لصراع النفوذ بالوكالة بين القوى الدولية والإقليمية، مما أسفر عن تدمير شامل للبنية التحتية وتهجير واسع النطاق. وفي ليبيا، تجلت أزمة التدخل في إسقاط النظام دون وجود أي رؤية سياسية لبناء الدولة، مما أفضى إلى انقسام سياسي عميق وسيطرة الميليشيات.
أدى هذا المسار المتصاعد إلى تحويل الصراع من مواجهة مع المشاريع التوسعية للقوى الإقليمية والدولية إلى اقتتال داخلي أعاد المنطقة عقوداً إلى الخلف.
خامساً: حدود التصعيد الحالي بين تل أبيب وطهران
تُظهر مراجعة التفاعلات بين القوى الكبرى وإيران أن الحديث عن مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة بين تل أبيب وطهران يحكمه منطق الحدود الاستراتيجية المشتركة:
 * الرفض الأوروبي للمغامرة: تتمسك العواصم الأوروبية—كما ظهر في زيارات ومواقف الرئاسة الفرنسية والخارجية البريطانية—بالحلول الدبلوماسية وتعديل الاتفاقيات بدل خوض حروب غير محسوبة النتائج.
 * إدارة الصراع بأسلوب القوة الناعمة والردع: تُفضل الأطراف الدولية التعامل مع طهران عبر التضييق الاقتصادي والتكتيكي دون الذهاب إلى مواجهة تدمر ما تبقى من الاستقرار في خطوط الإمداد والموانئ البحرية الممتدة عبر الخليج والعرب.
الخلاصة
إن التعاطي المباشر والسطحي مع الشعارات البراغماتية الداعية للحرية أو حماية حقوق الإنسان من شأنه تعميق التبعية الفكرية والسياسية. يقتضي الموقف العقلاني مراجعة شاملة تعتمد على مبادئ الواقعية السياسية والتحليل العلمي للبيانات، بعيداً عن الشحن العاطفي أو الأيديولوجي. تحتاج المنطقة العربية إلى تغليب المصلحة الوطنية واستعادتها لزمام المبادرة التقنية والاقتصادية كسبيل وحيد لبناء سيادة حقيقية في النظام العالمي القادم.
للمزيد من الفهم حول التحولات الاستخباراتية وتاريخ تسريبات التكنولوجيا، يمكن الاطلاع على حوار جوليان أسانج مع الإعلامي يسري فودة في برنامج السلطة الخامسة عبر منصة يوتيوب. يستعرض هذا اللقاء كيف أثرت التكنولوجيا الحديثة وأجهزة المخابرات الدولية على حرية تداول المعلومات وأمنها القومي.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban